رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سالم أحمد الناشي 7 يوليو، 2026 0 تعليق

فهـو آمن !

  • دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة فاتحا منتصرا في السنة الثامنة للهجرة، ولكنه في تواضع مبهر؛ إذ لم يصبه ما يصيب الفاتحين والمنتصرين من نشوة النصر والقوة؛ فيدخلون على خيولهم في خيلاء وزهو! ثم  تتملكهم حالٌ من التشفي والانتقام من خصومهم، فيأمرون بقتل كل من وقف أمامهم الواحد تلو الآخر، وينصبون المشانق لكل معارض؛ فتتدلى أجسادهم، ويفتحون السجون، وتزيد الآلام والتعذيب والآهات، وتولول النساء ويبكي الأطفال!
 
  • هذا كله لم يحدث مع نبي الرحمة، بل دخل مطأطئ الرأس متخشعا، حامدا لله، يقرأ القرآن وهو على راحِلَتِه:{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (1) لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (2) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا}.
 
  • ثم أعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مراكز الأمان حقنا للدماء: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن»، فأقبَلَ النَّاسُ إلى دارِ أبي سُفيانَ، وأغلَقَ النَّاسُ أبوابَهُم، وأقبَلَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى الحَجَرِ فاستَلَمَه، ثُمَّ طافَ بالبَيتِ، وحَولَ البَيتِ  360 صنما، فجَعَلَ يَطعُنُها بعودٍ في يَدِه، ويقولُ: «جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ، جاءَ الحَقُّ وما يُبدِئُ الباطِلُ وما يُعيدُ».
 
  • ثم أتى -[- الصَّفا، فعَلا عليه حتَّى نَظَرَ إلى البَيتِ، ورَفَعَ يَدَيه فجَعَلَ يَحمَدُ اللَّهَ ويَدعو بما شاءَ أن يَدعوَ. وأظهر النبي -[- في هذا اليوم أسمى معاني العفو والرحمة والتسامح، رغم ما لقيه من أهلها من أذى واضطهاد وإخراج من وطنه؛ فلم ينتقم منهم، بل أعلن العفو العام عن أكثرهم، فقال -كما قال نبي الله يوسف عليه السلام لإخوته-: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }، تعبيرًا عن العفو والصفح.
 
  • وكان هدف النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا الموقف تأليف القلوب، ونشر الأمن، وإتاحة الفرصة للناس ليدخلوا في الإسلام عن اقتناع، فدخل كثير من أهل مكة في الإسلام بعد أن رأوا سماحته وعدله. وهكذا، فإن موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - من الكفار بعد فتح مكة كان قائمًا على الرحمة والعفو وإقرار الأمن.
 
  • وهذا هو المنهج الذي قام عليه الإسلام؛ من تقديم السلام على الحرب؛ فالحرب في الإسلام ليست وسيلة للعدوان أو التوسع، وإنما للدفاع المشروع. قال - تعالى -: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} (الأنفال: 61)، كما نهى الله -تعالى- عن الاعتداء، فقال: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة: 190).
 
  • وأكدت السنة النبوية هذا المبدأ، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا» (رواه البخاري ومسلم). وهذا الحديث يدل على أن المسلم لا يسعى إلى الحرب ولا يتمنى وقوعها، بل يطلب السلام والعافية، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (رواه البخاري ومسلم)، وهو توجيه إلى نبذ العنف والإيذاء، وجَعْل السلامة والأمن أساس التعامل بين الناس.
 
  • كما وضع ضوابط أخلاقية أثناء الحرب متى ما وقعت، فنهى عن قتل النساء والأطفال وكبار السن والرهبان، وعن التمثيل بالقتلى وإفساد الزروع، وهذا يبرز سمو الأخلاق الإسلامية حتى في أوقات النزاع.
 
  • فالإسلام دين يدعو إلى السلام ونبذ الحروب والعدوان، ويجعل القوة وسيلة لحماية الحقوق ودفع الظلم، لا لنشر الفساد والحقد والانتقام.

6/7/2026م

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك