رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر التربوي 6 يوليو، 2026 0 تعليق

المرأة المسلمة 1313

أعظم ما يقدمه الإنسان لأسرته أن يمنحهم قلبًا يحتويهم، وأذنًا تسمعهم، ولسانًا يطيب خواطرهم، ونفسًا تتسع لأخطائهم؛ فبهذا تدوم البيوت، وتزدهر العلاقات، وتتحقق السكينة التي أرادها الله -تعالى-.

 

فن الاحتواء داخل الأسرة

الاحتواء الأسري من أهم المهارات التي تحفظ تماسك الأسرة واستقرارها، وهو ليس ضعفًا ولا تنازلًا عن الحقوق، بل هو خُلُق راقٍ يقوم على حسن الاستماع، وتفهم المشاعر، ومراعاة الظروف، والتعامل بالحكمة والرحمة، فالبيت الذي يسوده الاحتواء تقل فيه الخلافات، وتزداد فيه المودة، ويشعر كل فرد فيه بالأمان النفسي والانتماء.

        وقد أرشد القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله -تعالى-: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، فالعشرة بالمعروف تشمل حسن الخلق، ولين الجانب، والصبر، وتقدير المشاعر، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، فكان - صلى الله عليه وسلم - القدوة في احتواء أهله، ومراعاة أحوالهم، وإدخال السرور عليهم. والاحتواء لا يقتصر على العلاقة بين الزوجين، بل يشمل الأبناء أيضًا؛ فالطفل يحتاج إلى من يسمعه قبل أن يوجهه، ويشعر به قبل أن يعاتبه، ويحتضنه عند الخطأ قبل أن يعاقبه، وكثير من المشكلات السلوكية ترجع إلى افتقاد الاحتواء، لا إلى ضعف التربية أو قلة التوجيه. ومن أنواع الاحتواء داخل الأسرة: حسن الإنصات، واختيار الكلمات الطيبة، والتغافل عن الزلات، والاعتذار عند الخطأ، والثناء على الإيجابيات، والمشاركة في الأفراح والأحزان، وإظهار التقدير والامتنان، وهذه المواقف الصغيرة تصنع في القلوب أثرًا كبيرًا، وتجدد أواصر المحبة بين أفراد الأسرة، أما القسوة، وكثرة اللوم، والاستهزاء بالمشاعر، والمقارنة بين الأبناء، وإهمال الحوار، فإنها تهدم جسور الثقة، وتورث الجفاء، وقد تدفع بعض أفراد الأسرة إلى البحث عن الاحتواء خارج البيت.  

البيت المطمئن نعمةٌ عظيمة

       من أعظم نعم الله على الإنسان أن يرزقه بيتًا تسكن إليه نفسه، وتطمئن فيه روحه، ويجد بين جدرانه المودة والرحمة، وليس البيت المطمئن بكثرة المال، ولا بسعة الأثاث، وإنما بالإيمان الذي يعمر القلوب، وحسن الخلق الذي يجمع أفراد الأسرة، فقد قال -تعالى-: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ}، وقال -سبحانه-: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}.  

بيتٌ تنزل عليه السكينة

        من نعم الله العظيمة التي يمنُّ الله بها على عباده أن يجعل بيوتهم عامرةً بالإيمان، تحفها الملائكة، وتغشاها الرحمة، وتنزل عليها السكينة، ويذكرها الله فيمن عنده. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» وإذا كان هذا الفضل ثابتًا لبيوت الله وهي المساجد، فإن البيت الذي يعمر بذكر الله، وتلاوة القرآن، والطاعة، يناله من البركة والطمأنينة بقدر ما فيه من الإيمان والعمل الصالح.

قيم أسرية غائبة: الامتنان

        الامتنان من أرقى القيم الأسرية، وأعظم الأخلاق التي تحفظ المودة، وتزيد المحبة، وتقوي الروابط بين أفراد الأسرة، وهو ليس مجرد كلمة شكر تُقال، بل شعور صادق بتقدير المعروف، والاعتراف بالفضل، ومقابلة الإحسان بالإحسان، والبيت الذي تسوده ثقافة الامتنان بيتٌ تسكن فيه النفوس، وتصفو فيه القلوب، وتقل فيه أسباب الجفاء والخلاف، وقد أرشد الإسلام إلى هذا الخلق العظيم، فقال -تعالى-: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} (إبراهيم: 7)، فالشكر سبب لدوام النعم وزيادتها، سواء أكانت نعمًا مادية أم معنوية، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، فشكر الناس من تمام شكر الله -تعالى-، وأولى الناس بالامتنان أفراد الأسرة؛ فالزوج يشكر زوجته على رعايتها، والزوجة تقدر جهد زوجها، والأبناء يعترفون بفضل والديهم، والوالدان يثنيان على أبنائهما عند إحسانهم، فكم من كلمة شكر صادقة أدخلت السرور إلى قلب، وأحيت في النفس دافعًا لمزيد من البذل والعطاء. ومن الخطأ أن يعتاد الإنسان الإحسان حتى يصبح في نظره أمرًا عاديا لا يستحق الثناء، فإن تجاهل المعروف يورث الفتور، ويضعف المودة، وربما كان سببًا في انطفاء روح العطاء داخل الأسرة.

الاعتذار خُلُق إسلامي

        لقد ربّى الإسلام أبناءه على التواضع، وردِّ المظالم، وإصلاح الخطأ، وجعل خير الناس من يبادر إلى الصلح والإحسان. قال -تعالى-: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} (آل عمران: 134)، وقال -سبحانه-: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} (الحجرات: 10)، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - -وهو أكمل الناس خلقًا- يقبل اعتذار من اعتذر إليه، ويعفو ويصفح، ويحث على إصلاح ذات البين، ما يدل على أن الاعتذار والعفو من أسباب دوام الألفة والمحبة؛ فالاعتذار لا يُنقص قدر صاحبه، بل يرفعه في القلوب، ويزيده احترامًا في النفوس. فاجعل الاعتذار خُلقًا حاضرًا في بيتك، ولا تتردد في قول: «أخطأت، سامحني»، فكم أصلحت هذه الكلمات من قلوب! وكم حفظت من أسر! وكم أعادت من مودة ورحمة بين أفراد الأسرة!  

من أبرز الأخطاء الأسرية

        من أكثر الأخطاء شيوعًا داخل الأسرة: رفع الصوت، وكثرة اللوم والانتقاد، والتذكير بالزلات الماضية، وإهمال الحوار، والانشغال بالأجهزة الذكية على حساب الجلسات الأسرية، والمقارنة بين الأبناء، وإهمال كلمات الشكر والتقدير، حتى أصبحت بعض البيوت تجمع أفرادها الأجساد، وتفرق بينهم القلوب، ومن الأخطاء أيضًا إشراك الآخرين في الخلافات الأسرية دون حاجة، أو نقل أسرار البيت إلى الأقارب والأصدقاء، ما يزيد المشكلات تعقيدًا، ويضعف الثقة بين الزوجين وأفراد الأسرة.  

تعلّموا ثقافة الشكر والامتنان

        إن الأسرة التي يتعلم أفرادها قول: «جزاك الله خيرًا»، و«أحسنت»، و«شكرًا لك»، ويتبادلون الدعاء والثناء، هي أسرة تبني جسور المحبة، وتحفظ المعروف، وتغرس في نفوس أبنائها خلق الوفاء، فاجعل الامتنان ثقافةً في بيتك، ولا تستصغر كلمة طيبة تُقال في وقتها؛ فقد تكون سببًا في دوام المودة، واستمرار النعمة، وتحقيق السكينة التي ينشدها كل بيت مسلم.  

الحياء.. زينة المرأة وحصانة الأسرة

        الحياء من أجلِّ الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، وهو زينة المرأة، ودليل كمال إيمانها، وسياج يحفظ كرامتها وعفتها. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحياء شعبة من الإيمان»، وقال أيضًا: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، فالحياء ليس ضعفًا في الشخصية، ولا عجزًا عن المطالبة بالحق، وإنما هو خلق يحمل صاحبه على اجتناب القبيح، والتمسك بالفضائل، ومراقبة الله -تعالى- في السر والعلن، فإذا تحلت المرأة بالحياء، انعكس ذلك على أسرتها كلها؛ فهو يدعو إلى حفظ الأسرار، وغض البصر، وصيانة اللسان، وحسن التعامل، والابتعاد عن مواطن الفتنة، فلا تُنشر خصوصيات البيت، ولا تُتداول الخلافات الأسرية، ولا يُتهاون في حدود الشرع وآدابه. ولهذا كان الحياء من أعظم أسباب استقرار الأسرة وحماية روابطها من التفكك.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك