الأربعون الوقفية الموجزة 16 .. وقف لوازم الجهاد من أفضل الصدقات
- من أظل غازيًا بما يستظل به أو أعطاه خادمًا بغير عوض أو أعطاه ناقة قَوية كان ذلك أفضل الصدقات
- من خصائصِ الوقف أن الواقف يمكن أن يوجّه صرف ريْع وَقفه إلى حيث يظن أنّه أعظم أجرًا وأكثر نفعًا
منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، بدأ التشريع الوقفي يتكون ويترسخ؛ فصار الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول وما بعده، تعددت أنواعه وتشعبت مسائله، فكرّس العلماء أبوابًا مستقلة وكتبًا لجمع أحكامه، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة لاستخلاص القواعد والفوائد، ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويًا عن الوقف، مع شرح مبسّط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها، بهدف ربط مضامين الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول وحتى اليوم.
الحديث السادس عشر .. وقف لوازم الجهاد من أفضل الصدقات
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَفْضَلُ الصَّدَقَاتِ ظِلُّ فُسْطَاطٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنِيحَةُ خَادِمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ طَرُوقَةُ فَحْلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، حثّ الله -سبحانه وتعالى- عباده على البذل والعطاء، وجعل الصدقات من أفضل الأعمال وأحبها إليه، وفاوت بينها، فأفضلها: ما طال الانتفاع بها؛ كالوقف الذي يحبس أصله، ويستمر نفعه وأثره، وحديث أبي أمامة - رضي الله عنه - فيه: ترغيب في الصدقة لإعانة المجاهد: إما بـ (ظل فسطاط) أي: خيمة، أو البيت من الشعر؛ يستظل به المجاهد والغازي في سبيل الله -عز وجل-، أو بـ(منيحة خادم) أي: بخادم يعطى للمجاهد؛ ليخدمه ويعينه ويساعده في جهاده في سبيل الله، أو بـ(طروقة فحل) أي: ناقة أو فرس ونحوهما بلغت أن يطرقها الفحل، وهي: القوية الصالحة للركوب، يعطيه إياها ليركبها؛ إما وقفًا وتحبيسًا للجهاد في سبيل الله، أو صدقة وهبة، فإن هذا أفضل الصدقات عند الله -سبحانه وتعالى-؛ حيث ينتفع بها المتصدق عليه سنين عددًا.أي الصدقة أفضل؟
وفي رواية أخرى للترمذي بسنده إلى عدي بن حاتم الطائي: أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أي الصدقة أفضل؟ قال: خدمة عبدٍ في سبيل الله، أو ظل فسطاط، أو طروقة فحل في سبيل الله، والمراد بقوله: (خدمة عبد)، أي: هبة عبد للمجاهد؛ ليخدمه أو عاريته له، قال المنذري في (التَّرْغِيب) -بعد ذكر هذا الحديث-: طرُوقَةُ الفحل -بفتح الطاء وبالإضافة- هي: الناقة التي صلحت لطرق الفحل، وأقل سنها ثلاث سنين، وبعض الرابعة، وهذه هي الحقَّةُ. ومعناه: أن يعطى الغازي خادماً أو ناقةً هذه صفتُها، فإن ذلك أفضلُ الصدقات.تجهيز الغازي في سبيل الله
وفي تجهيز الغازي في سبيل الله سبحانه وتعالى، وأعداده حتى يقدر على الجهاد بكل ما يحتاجه من عتاد وأسباب أجر للمتصدق أو الموقف لهذا التجهيز؛ كأجر المرابط والمجاهد الذي جُهز وأُعد للجهاد، فقد روى البخاري بسنده إلى زيد بن ثابت الجهني: أن رسول الله -[- قال: «من جهّّز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا». وكان عامر بن عبد قيس إذا خرج للغزو يقف يتوسم بالمجاهدين، فإذا رأى رفقة توافقه قال لهم: يا هؤلاء، إني أريد أن أصحبكم للجهاد وأن أجاهد معكم على أن تعطوني من أنفسكم ثلاث خصال؛ فيقولون: ما هي؟ يقول:- الأولى: أن أكون خادمكم؛ لا ينازعني أحد منكم في الخدمة.
- والثانية: أن أكون مؤذناً لكم؛ لا ينازعني أحد منكم في الأذان. والثالثة: أن أنفق عليكم بقدر طاقتي.
حكم وفوائد الحديث
- فضل من أعان المجاهدين ومدّهم بما يعينهم؛ من عدة وعتاد، وخدمتهم، وتوفير حاجاتهم للجهاد في سبيل الله -سبحانه وتعالى-.
- أن من أظل غازيًا بما يستظل به، أو أعطاه خادمًا بغير عوض، أو أعطاه ناقة قوية؛ كان ذلك أفضل الصدقات.
- أن من خصائصِ الوقف: أن الواقف يمكن أن يوجه صرف ريع وقفه إلى حيث يظن أنّه أعظم أجراً وأكثر نفعاً.
- أن من أولوية أعمال الصدقة: ما كانت أطول نفعاً، وأبقى أثرًا.
- من فضل الله سبحانه وتعالى على عباده: أن جعل لهم أجرًا مستمرا بما أبقوا من أثر صالح بعد مماتهم؛ ولهذا وقفت على مدار العهود الإسلامية الكثير من الأوقاف التي حبست للجهاد في سبيل الله -سبحانه وتعالى-. وهذا من فعل الصحابة -رضي الله عنهم-؛ فقد وقف خالد بن الوليد - رضي الله عنه - أدراعه وأعتاده في سبيل الله -سبحانه وتعالى-، وكذلك وقف الصحابة -رضي الله عنهم- كل ما يعين على الجهاد.
التعديات على الأوقاف!
بلغ الوقف في التاريخ الإسلامي درجةً عاليةً من التنظيم والاتساع، حتى تحوّل إلى مؤسسةٍ متكاملةٍ تتداخل فيها الأبعاد الدينية والاقتصادية والاجتماعية، وأسهم إسهامًا كبيرًا في بناء الحضارة الإسلامية وخدمة المجتمع في شتى المجالات، وقد تنافس الأمراء والسلاطين وكبار رجال الدولة وأهل اليسار في إنشاء الأوقاف وتوسيعها، ولم تقتصر أوقافهم على المؤسسات الخدمية فحسب، بل دعّموها بأصولٍ استثماريةٍ متنوعة، كالعقارات والأسواق والأراضي الزراعية؛ لضمان تدفّق عوائد منتظمة تغطي نفقاتها وتكفل استمراريتها واستقرارها على المدى الطويل. غير إن هذا الازدهار لم يمنع ظهور محاولاتٍ للاعتداء على الأوقاف والاستيلاء عليها؛ إذ تشير المصادر التاريخية إلى سعي بعض الأمراء والولاة إلى وضع أيديهم على ممتلكات الوقف. ويذكر المقريزي أن السلطان الناصر محمد بن قلاوون حاول الاستحواذ على جزءٍ من أحباس المساجد، كالدكاكين والأراضي الزراعية التي يعود ريعها للإنفاق على المساجد وشؤونها، إلا أن وفاته حالت دون تنفيذ ذلك؛ كما لجأ بعضهم إلى وسائل ملتوية للتحايل على الأوقاف، من أبرزها ما عُرف بالاستبدال، بمساندة بعض القضاة الفاسدين وشهود الزور، ما دفع الفقهاء إلى التشدد في هذا الباب، ووضع الضوابط والقيود التي تحول دون التلاعب بالأوقاف، وتحفظ مقاصد الواقفين وحقوق المستفيدين منها. وشهدت بعض المراحل التاريخية محاولاتٍ لإلغاء أنواعٍ من الأوقاف، كالأوقاف الأهلية، كما حدث في عهد السلطان الظاهر بيبرس، غير أن مقاومة العلماء، وفي مقدمتهم الإمام النووي -رحمه الله-، أحبطت تلك المساعي. وقد ترتب على موقف الإمام النووي، وما أبداه من ثباتٍ في الدفاع عن الوقف، أن أُخرج من دمشق، فعاد إلى بلدته نَوَى، وأقام فيها حتى توفي -رحمه الله-.- وبسبب هذه التعديات والممارسات، تعرّض الوقف في كثيرٍ من البلاد العربية والإسلامية لهزّاتٍ عميقة، تفاقمت مع فترات الاستعمار وما تلاها من سياساتٍ حكومية مختلفة، شملت الاستيلاء على الأعيان الوقفية، وإهمال الوثائق والسجلات، وإضعاف الهياكل الإدارية المشرفة على الأوقاف، ما أفضى إلى ضياع حقوقٍ كبيرة، وإضعاف أثر الوقف، وتشويه دوره الحضاري ووظيفته التنموية والاجتماعية التي اضطلع بها عبر قرونٍ طويلة.
لاتوجد تعليقات