حفلات التخرّج بين الفرح المشروع والابتذال المرفوض!
- التخرج نعمة من نعم الله تعالى وشكر النعم يكون بالطاعة لا بالمعصية
- الفرح المشروع لا يعني تجاوز حدود الله أو ارتكاب المخالفات الشرعية
- الوالدان يتحملان مسؤولية شرعية في توجيه الأبناء وحمايتهم من أسباب الفتنة والمخالفات
- الإسراف في الإنفاق يُرهق كثيرًا من الأسر ويبتعد عن هدي الإسلام في الوسطية والاعتدال
- النجاح الدراسي بداية مرحلة جديدة من تحمل المسؤولية وليس محطة للتفاخر والمباهاة
لطيفة الغريب
نبارك لأبنائنا وبناتنا تخرجهم من المرحلة الثانوية والجامعية، ونسأل الله -تعالى- أن يبارك لهم في علمهم، وأن يوفقهم لما يحب ويرضى، وأن يجعل نجاحهم سلَّمًا إلى مزيد من الطاعة والتميز وخدمة دينهم وأوطانهم، وأن يرزقهم أعلى الدرجات في الدنيا والآخرة، غير أن هذه الفرحة المباركة تستدعي وقفة صادقة مع بعض المظاهر التي صاحبت حفلات التخرج في الأعوام الأخيرة؛ إذ تجاوزت حدود الفرح المشروع إلى أنواع من المخالفات الشرعية والإسراف والمبالغة؛ فأصبح يوم الشكر على النعمة عند بعضهم يومًا تُرتكب فيه المعصية، ويُجاهر فيه بما يغضب الله -سبحانه وتعالى-.
نعمة يجب أن تُشكر!
- من المؤلم أن يرى الإنسان في بعض حفلات التخرج مناظر لا تسر مؤمنًا؛ فكم من فتاة خرجت في أبهى زينتها أمام الرجال الأجانب، متبرجة بمظهرها، غير مبالية بحدود الله، ولا بأحكام شرعه، ثم تُنشر صورها ومقاطعها عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتبقى شاهدة عليها بعد انتهاء المناسبة!
- والسؤال الوارد هنا: أهذا هو شكر النعمة؟! أبهذا تُقابل عطايا الله وإحسانه؟! أليس التخرج من نعم الله التي تستوجب الحمد والطاعة، لا المخالفة والعصيان؟ إن المؤمن الحق يعلم أن نعم الله تُحفظ بالشكر، وأن المعاصي سبب لزوال البركات، قال -تعالى-: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.
أين الغيرة على الأبناء والبنات؟
- ومن أكثر المشاهد إيلامًا أن يكون الوالدان راضيين؛ بل وربما مشاركين في هذه المخالفات! فيقف الأب والأم يشاهدان ابنتهما متبرجة أمام الناس، أو يتسابقان إلى نشر صورها ومقاطعها، وكأن يوم التخرج استثناء من أحكام الشريعة الإسلامية؛ فأين الغيرة التي أمر الله بها؟ وأين الأمانة التي حمّلها الله للآباء والأمهات؟ وكيف يهنأ قلب مؤمن وهو يرى من استرعاه الله يقترب من أسباب الفتنة والمعصية؟
- لقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته، إلا حرَّم الله عليه الجنة»، وفي رواية: «إلا لم يجد رائحة الجنة»، إنها مسؤولية عظيمة، وسيسأل الله عنها كل أب وأم يوم يقفون بين يديه، قال -تعالى-: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
رسائل الله لا ينبغي أن تُنسى
- لقد رأينا جميعًا كيف عاش الناس في الأيام الماضية حالا من الخوف والقلق؛ بسبب ما شهدته المنطقة من توترات وأحداث متسارعة، حتى أيقن الجميع أن الأمن نعمة عظيمة، وأن الأحوال قد تتغير في لحظات؛ فهل نتعامل مع هذه الآيات وكأنها أحداث عابرة؟ أم نتذكر أنها رسائل من الله توقظ القلوب، وتدعو العباد إلى الرجوع إليه، والوقوف عند حدوده، وشكر نعمه قبل أن تزول؟
فرحة تحولت إلى سباق في المظاهر
- ولم تقتصر المخالفات على جانب التبرج فحسب؛ بل امتدت إلى صور من الإسراف والمباهاة والتكلف؛ حفلات باهظة، وهدايا مبالغ فيها، وزينات لا حاجة إليها، حتى أصبحت حفلات التخرج عبئًا اقتصاديا جديدًا يرهق كاهل الأسرة، ويدفع بعضهم إلى الاستدانة أو التكلف من أجل مجاراة الآخرين.
- كما انتشرت بعض المظاهر الدخيلة؛ كالتوقيع على الملابس، وصبغ الأيدي بالألوان، والتصرفات التي لا تمتّ إلى قيمنا الإسلامية ولا إلى رسالتنا التربوية بِصِلة، حتى غدا التقليد أحيانًا هو الدافع، لا الفرح الحقيقي!
أثر تربوي لا ينبغي إغفاله
- ومن الآثار التي يغفل عنها كثير من الناس، أن المبالغة في الاحتفاء بكل مرحلة دراسية قد تُنشئ لدى الأبناء تصورًا خطأ عن الإنجاز، فيعتاد الطالب أن ينتظر احتفالًا ضخمًا مع كل خطوة يؤديها، مع كونها واجبًا روتينيًا من واجباته؛ فالنجاح نعمة تستحق الحمد، لكنه في الوقت نفسه بداية لمسؤولية جديدة، لا محطة للاكتفاء والغرور، والتربية الحكيمة هي التي تغرس في الأبناء قيمة الإنجاز المتواصل، لا ثقافة المظاهر والاحتفاء المبالغ فيه.
الفرح المشروع.. طريقه الاعتدال
- لسنا ندعو إلى إلغاء الفرح، ولا إلى مصادرة مشاعر السعادة التي يعيشها الأبناء وأسرهم؛ بل الإسلام دين الفرح المشروع؛ لكنه فرح منضبط بضوابط الشرع، بعيد عن التبرج، والمعازف، والإسراف، والاختلاط، وكل ما يغضب الله -تعالى-، فما أجمل أن تُستقبل هذه المناسبة بالحمد، والدعاء، وصلة الرحم، وإكرام الوالدين، والصدقة، والولائم المعتدلة، والكلمات الطيبة، بعيدًا عن كل مظاهر التكلّف والابتذال!
كلمة أخيرة
- هذه كلمات كتبتها نصحًا لله، ولكتابه، ولرسوله، وللمسلمين عامة، أسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفع بها من قرأها، فلنتق الله في نعمه، ولنجعل أفراحنا طريقًا إلى رضاه، لا سببًا لسخطه، ولنتذكر قول الله -تعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}، وقوله -سبحانه-: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}، نسأل الله أن يحفظ أبناء المسلمين وبناتهم، وأن يرزقهم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل أفراحهم مباركةً، مقرونةً بشكر المنعم -سبحانه-، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
لاتوجد تعليقات