رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 6 يوليو، 2026 0 تعليق

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: مَنْ يُخْدَع في البُيُوع

  • التَّعاملُ في التِّجارةِ والأمورِ المادِّيَّةِ يَستلزِمُ الأمانةَ حتَّى تَتِمَّ الأمورُ والتَّعاملاتُ بين النَّاسِ بلا مُنازَعاتٍ وبلا إثارةِ شُرورٍ في المُجتمَعِ
  • في الحديث بيانٌ أنَّ الغِشَّ ليس مِنَ الإسلامِ وأنَّ الغشَّاشَ على خَطرٍ عَظيمٍ وفيه الزَّجرُ والنَّهيُ عنِ الغِشِّ في كلِّ المُعامَلاتِ
  • ضَبَط الإسلامُ عُقودَ المُعامَلاتِ بيْن النَّاسِ حتَّى يَحفَظَ عَلَيهم أموالَهُم ومَصالِحَهم مِن الغَرَرِ والخَديعةِ الَّتي رُبَّما تَقَعُ مِن بَعضِ المُتعاملين
 

عن ابْن عُمَرَ -رضي الله عنهما- قال: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَايَعْتَ؛ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ»، فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ. (1533/48)، الحديث أخرجه مسلم في البُيوع (3/1165) وبوب عليه النووي بمثل تبويب المنذري، وأخرجه البخاري في الخصومات (2414) باب: من باع على الضعيف ونحوه فدفع ثمنه إليه، وأمره بالإصلاح والقيام بشأنه.

        يَحكي الصحابي عبْدُ اللهِ بنُ عُمرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- أنَّ رجُلًا أخبَرَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بأنَّه كان يُخدع في البيوع، أي: لا يُحسِنُ البيعَ والشِّراءَ، ويَغُشُّه النَّاسُ لقلَّةِ رُشدِه، وهو حِبَّانُ بنُ مُنقِذِ بنِ عمْرٍو الأنصاري -رَضيَ اللهُ عنهما-، كما جاء في المُستدرَكِ للحاكمِ، أو القصَّةُ وَقَعَت لأبيهِ مُنقِذٍ، كما في سُننِ ابنِ ماجَة، وكان قدْ شُجَّ في رَأْسِه، فتَغيَّرَ بها عقْلِه، وثقُلَ لِسانُه، لكنَّه لم يَخرُجْ عن التَّمييزِ.

مَنْ بايعت فقل: لا خِلابة

  • قوله: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بايعت فقل: لا خِلابة» وكان إذا بايع يقول لا خيابة»؛ أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فقل لا خلابة» هو بِخاء مُعجمة مكسورة، وتخفيف اللّام وبالباء الموحدة، ومعنى «لا خِلابة» أي: لا خديعة، أي: لا تحل لك خديعتي، أو لا يلزمني خديعتك.
وإنَّما أمَرَه أنْ يَقولَ ذلك لِمَن يَتَعامَلُ معه؛ تَنْبيهًا له بوُجوبِ الصِّدقِ والأمانةِ، والنُّصحِ في المُعامَلةِ، أي: لا تُخادِعْني؛ فإنَّ الإسلامَ لا يُبيحُ الخَديعةَ، ولا يُقِرُّ بَيعَ الخَديعةِ، والمسلِمُ لا يَخدَعُ غيرَه، وأثْبَتَ له - صلى الله عليه وسلم - الخِيارَ ثَلاثةَ أيَّامٍ، كما في سُننَ ابنِ ماجَة.
  • قوله: «وكان إذا بايع قال: لا خيابة» هو بياء مثناة تحت بدل اللام، هكذا هو في جميع النسخ، قال القاضي: ورواه بعضهم «لا خيانة» بالنون، قال: وهو تصحيف. قال: ووقع في بعض الروايات في غير مسلم: «خذابة» بالذال المعجمة، والصواب الأول. وكان الرجل ألثغاً، فكان يقولها كذا، ولا يمكنه أن يقول: «لا خلابة».

 المُغَابنة بين المُتَبايعين لازمةٌ

        قال النووي: واختلف العلماء في هذا الحديث: فجعله بعضُهم خاصاً في حقّه، وأنّ المُغَابنة بين المُتَبايعين لازمةٌ، لا خِيارَ للمُغْبون بسببها، سَواءً قلّتْ أم كثُرَت، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وآخرين، وهي أصحّ الروايتين عن مالك. وقال البغداديون من المالكية: للمُغْبون الخِيار لهذا الحديث، بشرط أنْ يبلغ الغبن ثلث القيمة، فإنْ كان دُونه فلا. والصحيح الأول، لأنّه لمْ يَثبت أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبتَ له الخِيار، وإنما قال له: «قل لا خِلابة» أي: لا خديعة، ولا يلزم مِنْ هذا ثُبُوت الخِيار، ولأنّه لو ثبتَ أو أثبتَ له الخِيار، كانت قضيةَ عَينٍ لا عُمُوم لها، فلا ينفذ منه إلى غيره إلا بدليل، والله أعلم. انتهى. والصحيح: أنّه يَثبُتُ خِيارُ الغَبْنِ للمُسْترسِلِ، وهو مَن يَجهَلُ قِيمةَ السِّلعةِ، ولا يُحسِنُ المبايَعةَ. وكذا يَثُبُت خِيارُ الغَبْنِ للجاهلِ بالقيمةِ، حتَّى لو كان يُجيدُ المُماكَسة. ويُقدَّرُ الغَبْنُ الفاحشُ: بما جَرَت به العادةُ أنَّه فاحشٌ، وهو مَذهَبُ المالكيَّةِ والحنابِلةِ، وهو اختيارُ ابنِ تَيميَّةَ، وابنِ بازٍ، وابنِ عُثَيمينَ؛ وذلك لأنَّ ما لم يَرِد الشَّرعُ بتَحديدِه؛ يُرجَعُ فيه إلى العُرفِ.

 فوائد الحديث

  • النَّهيُ عن الخَديعَةِ في البَيعِ، وما يَضُرُّ بمَصالِحِ المُسلِمين.
  • أنّ الإسلامُ ضَبَط عُقودَ المُعامَلاتِ بيْن النَّاسِ؛ حتَّى يَحفَظَ عَلَيهم أموالَهُم ومَصالِحَهم مِن الغَرَرِ والخَديعةِ، الَّتي رُبَّما تَقَعُ مِن بَعضِ المُتعاملين.

باب: مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي

        عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا؛ فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ؛ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». أخرجه مسلم في الإيمان (1/99) باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «من غشنا فليس منّا». يَروي الصحابي أبو هُريرةَ - رضي الله عنه - أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ على صُبْرَةِ طَعامٍ، والصُّبرَةُ: هي الكَومةُ مِنَ الطَّعامِ، مِثلُ القمحِ أوِ الشَّعيرِ، يَعرِضُها التَّاجِرُ في السوق ليَبيعَها، فأدخَل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَدَه في جَوفِها، فوَجَد بَللًا في أسفلِ الطَّعامِ، أي: لمست أصابعه - صلى الله عليه وسلم - رطوبة.
  • قوله: «ما هذا يا صَاحبَ الطّعام؟» أي: ما هذا البلل الذي بأسْفل الصُّبرة.
  • قوله: أصابته السّماء» أي: نَزَلَ عليه المطر، والعرب تسمي المطر: سماء، لأنه ينزل مِنَ السماء.
  • قوله: «أفلا جعلته فوق الطعام» أي: أفلا جعلت الطعام المبلول أعلى الصُّبرة. «كي يراه الناس» أي: حتى يراه المُشْترون، فيَحصل العلم بحالِ السّلعة؛ وهذا يَعني أنَّه جَعَل الجافَّ الصَّحيحَ ظاهراً، والمبلولَ الرَّديءَ في الأسفلِ، وقد كانوا يَتبايَعون بالصُّبرةِ كاملةً، دونَ النَّظرِ إلى كلّ ما فيها.
  • قوله: «مَنْ غَشّ» أي: خَانَ وخدع ودلّس. وقد عدَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَمَلَ هذا التَّاجِرِ غِشًّا، فقالَ: «مَن غشَّ فليْس مِنِّي»، «فليس مني» أي: ليس ممّن اهتدى بهديي، وسار على طريقي ومنهجي في المعاملات.
فمَنْ خَدَعَ النَّاسَ بأيِّ طريقة، فليس على هَديِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وسُنَّتِه وطَريقتِه، وهذا زَجرٌ شَديدٌ منَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وفيه تَهديدٌ لمَن تَمادى في الغِشِّ، بأن يَخرُجَ عن طَريقةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

  من فوائد الحديث

  • في هذا الحديثُ بيانٌ أنَّ الغِشَّ ليس مِنَ الإسلامِ، وأنَّ الغشَّاشَ على خَطرٍ عَظيمٍ.
  • وفيه: الزَّجرُ والنَّهيُ عنِ الغِشِّ في كلِّ الأمورِ، وفي المُعامَلاتِ خاصَّةً.
  • وفيه: ضَرورةُ تَبيينِ عيبِ السِّلعةِ للمُشتَري.
  • وأنّ الأمانةُ من مَحاسِنِ الأخلاقِ، والتَّعاملُ في التِّجارةِ والأمورِ المادِّيَّةِ يَستلزِمُ الأمانةَ؛ حتَّى تَتِمَّ الأمورُ والتَّعاملاتُ بين النَّاسِ بلا مُنازَعاتٍ، وبلا إثارةِ شُرورٍ في المُجتمَعِ، وعلى العكسِ من ذلك؛ فإنِّ الغِشَّ والخِداعَ يَجلِبُ على المجتمَعِ الضرر والبَغضاءَ والتَّشاحُنَ بين النَّاسِ.
  • وفيه: أنَّ على الحاكِمَ أنْ يَستظهرُ أحوالَ النَّاسِ، ويَنصَحُ ويوجّه مَن يَحتاجُ منهم للنَّصيحةِ.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك