رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر التربوي 29 أبريل، 2026 0 تعليق

الأسرة المسلمة 1305

في ظل ما تعيشه الأمة الإسلامية من أزمات متلاحقة وتحديات متصاعدة، تتأكد الحاجة إلى خطاب تربوي وإيماني وفقهي واجتماعي، يعيد بناء الوعي داخل الأسرة المسلمة، ويُفعّل دور المرأة بوصفها ركيزة أساسية في حفظ التماسك المجتمعي.

الثبات ثمرة تربية إيمانية راسخة

في زمن الشدائد والمحن، يظهر معدن الإيمان الحقيقي، ويتمايز الناس في قدرتهم على الثبات أمام الفتن والمحن، وليس الثبات أمرًا عارضًا أو موقفًا مؤقتًا، بل هو ثمرة تربية إيمانية عميقة، تُغرس في القلب منذ الصغر، وتُسقى بالعلم والعمل، وتُقوّى بالمجاهدة واليقين.

        جعل الله -تعالى- الثبات من أعظم المنح التي يختص بها عباده المؤمنين، فقال -سبحانه-: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} (إبراهيم: 27)؛ فبيّن أن الثبات ليس مجرد قوة نفسية، بل هو توفيق إلهي لثمرة إيمان صادق واستقامة راسخة، وكلما ازداد العبد ارتباطًا بربه، ازداد ثباته في مواجهة الشدائد. وتقوم التربية الإيمانية على جملة من الأسس، في مقدمتها: ترسيخ التوحيد في القلوب، وتعظيم الله -سبحانه-، وحسن الظن به، واليقين بأن ما يصيب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك»، فهذا اليقين يورث سكينة في القلب، ويمنح صاحبه قدرة على الثبات وعدم الاضطراب. كما أن من أعظم ما يعين على الثبات: دوام الصلة بالله -تعالى- من خلال الصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، فإنها تغذّي الروح وتربط القلب بمصدر الطمأنينة، قال -تعالى-: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28). وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، ما يدل على أن الثبات يُطلب من الله، ويُستمد منه. ولا يخفى دور الأسرة في بناء هذا الثبات؛ فهي البيئة الأولى التي يتلقى فيها الإنسان معاني الإيمان والصبر، فإذا نشأ الأبناء في جوٍّ تسوده الطمأنينة، ويُغذّى بالإيمان، ويُربّى على الصبر والرضا، كانوا أقدر على مواجهة الأزمات بثبات ووعي. وفي واقعنا المعاصر؛ حيث تتكاثر التحديات وتتسارع الأزمات، تبرز الحاجة إلى تجديد التربية الإيمانية في النفوس، لتكون درعًا يحفظ القلوب من الانكسار، ويمنحها القدرة على الصمود؛ فالثبات ليس وليد اللحظة، بل هو حصيلة بناء طويل، يبدأ من القلب، ويظهر أثره عند الشدائد.

مخالفات تقع فيها بعض الأسر!

        في ظل ضغوط الحياة وتسارع متطلباتها، قد تقع بعض الأسر -من حيث تشعر أو لا تشعر- في جملة من المخالفات التي تؤثر سلبًا على استقرارها، وتضعف بنيانها التربوي والإيماني، ومن أبرز هذه المخالفات: إهمال الجانب الإيماني داخل البيت، كالتقصير في الصلاة أو ضعف العناية بتربية الأبناء على القيم الدينية، ما ينعكس على سلوكهم واستقامتهم، كما يظهر الخلل في سوء إدارة الخلافات الزوجية؛ حيث تتحول إلى نزاعات مستمرة تؤثر في نفسية الأبناء، بدل أن تُدار بالحكمة والرفق، ومن المخالفات كذلك الإسراف في الإنفاق أو التوسع في الكماليات على حساب الضروريات، وهو ما يؤدي إلى ضغوط مالية قد تزعزع استقرار الأسرة، وقد نهى الله -تعالى- عن ذلك بقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.

فقه الأولويات داخل الأسرة

       يقوم فقه الأولويات على أساس تقديم ما عظّمه الشرع، والبدء بالضروريات قبل الحاجيات والتحسينات، وفي هذا السياق، تأتي المحافظة على الدين في مقدمة الأولويات، وذلك من خلال ترسيخ الإيمان، والمحافظة على الصلاة، وتعليم الأبناء أمور دينهم، قال -تعالى-: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (طه: 132)، فصلاح الأسرة يبدأ من صلاح علاقتها بالله، وهو الأساس الذي تُبنى عليه سائر شؤونها. كما تندرج ضمن الأولويات رعاية الاستقرار النفسي والعاطفي داخل الأسرة، فحسن المعاملة، والرفق، وبناء جسور الحوار، من أهم ما يحفظ كيان الأسرة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم خيركم لأهله»، فكم من أسرة اهتمت بالمظاهر وأهملت الجوهر، فاختل توازنها وفقدت سكينتها!
  • ومن فقه الأولويات كذلك: إدارة الموارد المالية بحكمة في أوقات الأزمات، من خلال ترشيد الإنفاق، وتقديم الحاجات الأساسية على الكماليات، وتجنب الإسراف، قال -تعالى-: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأنعام: 141)؛ فالتوازن الاقتصادي داخل الأسرة يسهم في تقليل الضغوط ويعزز الاستقرار.
  • ولا يقلّ أهمية عن ذلك العناية بتربية الأبناء تربية متوازنة، تجمع بين بناء الإيمان وتنمية المهارات، وغرس القيم، وحمايتهم من المؤثرات السلبية؛ فالأبناء أمانة، ورعايتهم من أعظم المسؤوليات، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
 

دور المرأة في إدارة شؤون الأسرة

        تُعدّ المرأة في الإسلام ركيزة أساسية في بناء الأسرة واستقرارها؛ إذ أناطت بها الشريعة مسؤوليات عظيمة في إدارة شؤون البيت، تقوم على الحكمة، والرعاية، وحسن التدبير، وليس دورها مقتصرًا على الجوانب المعيشية فحسب، بل يتسع ليشمل البناء التربوي والإيماني والاجتماعي، بما يجعلها عنصرًا فاعلًا في تحقيق التوازن داخل الأسرة، فمن أبرز أدوار المرأة: رعاية الأبناء وتربيتهم تربية صالحة، تقوم على غرس القيم الإيمانية والأخلاقية، وتنمية الشخصية المتوازنة، كما تؤدي المرأة دورًا مهما في إدارة الموارد داخل الأسرة، من خلال ترشيد الإنفاق، وتنظيم الاحتياجات، والموازنة بين الضروريات والكماليات في أوقات الأزمات، وهذا التدبير لا يقتصر على الجانب المالي، بل يشمل إدارة الوقت، وتوزيع المهام، وتهيئة بيئة مستقرة تُسهم في راحة أفراد الأسرة، ومن جوانب دورها كذلك: تعزيز الاستقرار النفسي والعاطفي داخل البيت، عبر نشر المودة والرحمة، وتخفيف التوتر، وبناء جسور الحوار بين أفراد الأسرة، ودعم الزوج في مواجهة أعباء الحياة، بما يحقق التكامل الأسري الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله -تعالى-: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: 21).

المرأة المؤمنة مصدر السكينة

        حين تضطرب الحياة من حولنا، تظلّ المرأة المؤمنة مصدر سكينة في بيتها؛ لأنها تستمد قوتها من صلتها بالله، وتوقن أن الاستقرار الحقيقي ينبع من صلاح القلب، فإذا عمر القلب بالإيمان، انعكس أثره طمأنينةً على أجواء البيت كله، وغدت سببًا في بثّ السكينة بين أفراد أسرتها، تحقيقًا لقوله -تعالى-: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.  

أم عمارة نُسيبة بنت كعب -رضي الله عنها-

        أمّ عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية -رضي الله عنها- من الصحابيات الجليلات، شهدت بيعة العقبة، وشاركت في غزوة أحد؛ حيث دافعت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بشجاعة عظيمة، حتى أُصيبت بجراح عدة ، وقد عُرفت بثباتها وإيمانها القوي، وكانت مثالًا للمرأة المجاهدة الصابرة. توفيت -رضي الله عنها- بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء في سبيل الله.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك