الأربعون الوقفية الموجزة 12 .. الوقف أحبّ المال وأبقاه
- أفضل وسيلة لاستثمار الأموال هي: الصدقة الجارية، الباقية بعد أن توزع الأموال للورثة، وبعد أن ينقطع العمل بانقطاع الحياة
- مالك الحقيقي ليس ما جمعت بل ما قدّمته لآخرتك فاجعل لنفسك نصيبًا ينفعك عند موتك وبعثك
- كان من حسن خُلق النبي - صلى الله عليه وسلم - إنصاته لأصحابه وسماعه لهم، فربّاهم على حسن التواصل: يُسمعهم ويستمع إليهم
منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، بدأ التشريع الوقفي يتكون ويترسخ؛ فصار الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول وما بعده، تعددت أنواعه وتشعبت مسائله، فكرّس العلماء أبوابًا مستقلة وكتبًا لجمع أحكامه، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة لاستخلاص القواعد والفوائد، ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويًا عن الوقف، مع شرح مبسّط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها، وذلك بهدف ربط مضامين الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول وحتى اليوم.
الحديث الثاني عشر
عن عبداللهِ بن مسعودٍ قال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟. قالُوا: يا رَسُولَ الله مَا مِنّا أحَدٌ إلا مالُهُ أَحَبُّ إليه! قال: فإنَّ مالَهُ ما قدّمَ، ومالُ وارثِهِ ما أخَّرَ»، في هذا الحديث: أيّكم مال وارثه أحبُّ إليه من ماله؟ سؤال طرحه النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصحابة، فقالوا -رضي الله عنهم-: «ما منا احدٌ إلا ماله أحبُّ إليه؛ فمال العبد في الحقيقة هو: ما قدم لنفسه ليكون له ذخرًا بعد موته، وليس ماله: ما جمع فاقتسمه الورثة بعده، فالذي يخلفه الإنسان من المال وإن كان منسوبًا إليه؛ فإنه بانتقاله إلى وارثه يكون منسوبًا للوارث.سؤال تمهيدي
والنبي - صلى الله عليه وسلم - يسأل صحابته سؤالاً فيه تمهيد لما بعده، مع علمه أن كل إنسان ماله أحب إليه من مال وارثه، لكنه أراد أن يكون ذلك مدخلًا ليخبرهم بالمال الحق الذي ينفعهم، فكان جوابهم: ما منا من أحد مال وارثه أحب إليه من ماله فلما تقرر هذا منهم -بما النافية- بأفواههم، قال - صلى الله عليه وسلم -: فإن ماله -أي: الحق-: ما قدم، ومال وارثه: ما أخر.. قال ابن حجر: فإن ماله: ما قدم أي: هو الذي يضاف إليه في الحياة وبعد الموت، بخلاف المال الذي يخلفه.أفضل استثمار للمال
وأفضل وسيلة لاستثمار الأموال هي: الصدقة الجارية، الباقية بعد أن توزع الأموال للورثة، وبعد أن ينقطع العمل بانقطاع الحياة، وهذه الوسائل والسبل سلكها من سبقونا فعادت عليهم الأرباح في الدنيا والآخرة؛ فالوقف عمل ناجز في الحياة، تقر به عين صاحبه، وذلك أنه يباشره بنفسه ويرى آثاره الطيبة، وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الصدقة أفضل؟ فقال: أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان، وكم من وقف انتفعت به ألوف وملايين، وأصحابها في التراب، واراهم النسيان؛ ولكن أجورهم موصولة!باب من أبواب الخير
وهذا باب من أبواب الخير المفتوح بعد ممات الإنسان، قال -تعالى-: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المنافقون)؛ فكل مسجد يبنى من مال الوقف، وكل يتيم يترعرع ويعيش على مال الوقف، وكل مريض يعالج، وكل مسن يراعى في دار للمسنين، والأرامل التي ينفق عليها من مال الوقف، وكذلك كل معاق يعال من مال الوقف، وكل طالب علم يدرس من مال الوقف؛ فإن الأجر والثواب يكتب للواقف، وكذلك الذين دلوا على الخير وأرشدوا إليه أو ساعدوا فيه.أنواع الوقف:
- والوقف منه: الخيري، أو الأهلي أي: الذرّي، أو المشترك:
الحِكم والفوائد من الحديث
- المال الذي تقدّمه لله -عزوجل- تجده أمامك يوم القيامة، وأما ما يبقى بعدك فينتفع به الوارث، فهو في الحقيقة ماله لا مالك.
- مالك الحقيقي هو ما قدّمته ليكون ذخراً لك بعد موتك، لا ما جمعته فاقتسمه الورثة من بعدك؛ فادّخر لنفسك في دنياك لتجده في آخرتك.
- الصدقة (ولا سيما الوقف) خير استثمارٍ يبقى أثره وإن فنيت الأعمار.
- من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - تنويع خطابه لأصحابه بسؤالهم ولفت أنظارهم؛ دفعًا للسآمة والملل.
استثمار أموال الوقف
قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته الخامسة عشرة بمسقط سلطنة عُمان 1425هـ، بخصوص استثمار أموال الوقف:- يقصد باستثمار أموال الوقف تنمية الأموال الوقفية سواء أكانت أصولًا أم ريعًا بوسائل استثمارية مباحة شرعًا.
- يتعيّن المحافظة على الموقوف بما يحقق بقاء عينه ودوام نفعه.
- يجب استثمار الأصول الوقفية سواء أكانت عقارات أم منقولات ما لم تكن موقوفة للانتفاع المباشر بأعيانها.
- يعمل بشرط الواقف إذا اشترط تنمية أصل الوقف بجزء من ريعه، ولا يعدّ ذلك منافيًا لمقتضى الوقف، ويعمل بشرطه كذلك إذا اشترط صرف جميع الريع في مصارفه، فلا يؤخذ منه شيء لتنمية الأصل.
- الأصل عدم جواز استثمار جزء من الريع إذا أَطلق الواقف ولم يشترط استثماره إلا بموافقة المستحقين في الوقف الذُّري. أما في الوقف الخيري فيجوز استثمار جزء من ريعه في تنمية الأصل للمصلحة الراجحة بالضوابط المنصوص عليها لاحقًا.
- يجوز استثمار الفائض من الريع في تنمية الأصل أو في تنمية الريع، وذلك بعد توزيع الريع على المستحقين وحسم النفقات والمخصصات، كما يجوز استثمار الأموال المتجمعة من الريع التي تأخر صرفها.
- يجوز استثمار المخصصات المتجمعة من الريع للصيانة وإعادة الإعمار ولغيرها من الأغراض المشروعة الأخرى.
- لا مانع شرعًا من استثمار أموال الأوقاف المختلفة في وعاء استثماري واحد بما لا يخالف شرط الواقف، على أن يحافظ على الذمم المستحقة للأوقاف عليها.
لاتوجد تعليقات