التوكل زاد المؤمن ونجاته في الأزمات
- التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب بل يجمع بين الاعتماد على الله والعمل بالأسباب المشروعة
- التوكل عبادة عظيمة وأصل من أصول الثبات فهو اعتماد قلبي صادق على الله في جميع الأحوال
- التوكل منهج الأنبياء والصالحين وقد واجهوا به أشد الابتلاءات فكان سببًا في نصرهم وثباتهم
- التوكل سبب للنصر والتمكين فمن توكل على الله حقًا كفاه ونصره وأعانه في مواجهة الشدائد
الحياة مليئة بالشدائد والمحن، ولا يكاد يسلم منها أحد، حتى الأنبياء والمرسلون، وهم خير خلق الله، لكن الفارق الحقيقي بين الناس يظهر في كيفية التعامل مع هذه الابتلاءات؛ فهناك من يضعف وينهار، وهناك من يثبت ويصبر، ويكون ذلك بقدر توكله على الله واعتماده عليه؛ فالتوكل هو زاد المؤمن في الأزمات، وسبب نجاته وثباته في أحلك الظروف.
التوكل في مواجهة الشدائد
لقد مرت الشدائد والمحن بأفضل البشر من الأنبياء والمرسلين والصالحين؛ فقابلوها بالتوكل واليقين، والثبات على الحق المبين، يقول ربنا -سبحانه وتعالى- على لسان الرسل: {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون}؛ فأي شيء يمنعنا من أن نلتجئ إلى الله، ونثق بوعده، ونعتمد عليه، ونحسن الظن به، ونحن على الهدى والحق؟!التوكل في مواجهة التكذيب
ثم تأتي بعد هذه الآية لبيان ما كان عليه الرسل من التكذيب، ومن الأذى من أقوامهم، قال -تعالى-: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}، وهذا يدل على أن التوكل لا يمنع الابتلاء، لكنه سبب للنصر والعاقبة الحسنة.النبي -صلى الله عليه وسلم - القدوة في التوكل
تأملوا امتثال إمام المتوكلين وسيد الخلق أجمعين نبينا -صلى الله عليه وسلم - لأمر الله -عز وجل- حين قال له: {وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا}، وبعد غزوة أحد، وما تعرض له النبي -صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام من أذى وقتل وجراح، رجع أبو سفيان عازمًا على استئصال المسلمين؛ فبلغ الخبر النبي -صلى الله عليه وسلم - عن طريق رجل يُقال له نعيم بن مسعود، فأخبرهم وأخافهم بأن أبا سفيان يعد العدة للهجوم عليهم، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى حمراء الأسد، وفي ذلك قال -سبحانه-: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، أي يكفينا الله، وهو نعم الكافي، ونعم النصير، ونعم المعين، ونعم الحافظ. فكانت النتيجة: {فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، أي أن الشيطان يحاول صرف المؤمن عن التوكل على الله، وبث الخوف في قلبه.التوكل في عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم -
وكان من دعائه - صلى الله عليه وسلم - في صلاة جوف الليل: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت»، وهذا يدل على أن التوكل عبادة عظيمة ملازمة لحياة المؤمن، {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} قاعدة عظيمة، فإذا تأملنا هذه القاعدة الجامعة في المواقف الشديدة، فإن «من» هنا للعموم، أي كل من يتوكل على الله في أي زمان ومكان وحال، فإن الله يكفيه؛ فإذا توكلت على الله في همومك، كفاك الله هذا الهم، وإذا توكلت عليه في مصيبتك، كفاك هذه المصيبة، وإذا توكلت عليه في مواجهة المعتدين، نصرك الله عليهم، ولهذا يقول ابن القيم -رحمه الله-: «التوكل من أقوى الأسباب التي تدفع عن العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم».تفويض الأمر إلى الله
فإذا أردت الثبات وتجاوز الشدائد والمحن، فعليك بالالتجاء إلى الله وتفويض أمرك إليه، كما قال -تعالى-: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}، فكانت النتيجة: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ}.التوكل طريق النصر والتمكين
إذا أردت النصر والثبات والتمكين والرفعة، فعليك بالتوكل على الله -سبحانه وتعالى-. والتوكل المطلوب هو الاعتماد التام على الله في جلب ما ينفع ودفع ما يضر، مع الأخذ بالأسباب، قال -تعالى-: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.التوكل عند نزول القضاء
إذا جاءت قوافل القضاء، فاستقبلها بالتوكل على الله -سبحانه وتعالى-: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، فهو ناصرنا، وهو معيننا، وهو مفرّج أحوالنا، وكاشف الشدائد عنا، وإذا شعرت بخذلان من بعض الناس، أو قلة الناصر والمعين، أو بإعراض الناس عنك، فتوكل على الله -سبحانه وتعالى-.حسبنا الله كفاية في مواجهة الإعراض
تأملوا كيف خاطب الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال: {فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}، أي إن أعرضوا وكذبوا، فالله كافيك.معرفة الله أساس التوكل
كلما ازداد العبد صلة بالله والتجاءً إليه، ازداد توكلاً وثباتاً ويقيناً ونصراً وصبراً. وإذا أراد العبد تحقيق ذلك، فعليه أن يتعرف على ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله وعظمته، قال -تعالى-:{فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}.حسبنا الله علاج الكرب
ثبت في الحديث أن من أعظم الأسباب التي تزيل الكربات والهموم في أشد الظروف قول: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، {فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا}، فعندما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كيف أنعم؟ وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته يسمع متى يؤمر فينفخ»، ثقل ذلك على الصحابة؛ فقالوا: يا رسول الله، فكيف نقول؟ قال: قولوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا».التوكل عبادة عظيمة
التوكل على الله عبادة عظيمة، ومن أعظم أسباب النجاة والثبات في الشدائد؛ فهو ليس مجرد قول باللسان، بل اعتماد بالقلب، وثقة بالله، وأخذ بالأسباب، وكلما ازداد العبد توكلاً على الله، ازداد قوة وثباتاً ونصراً؛ فاجعل التوكل رفيقك في كل أحوالك، تكن من الفائزين في الدنيا والآخرة.
لاتوجد تعليقات