رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. أمير الحداد 29 أبريل، 2026 0 تعليق

مكارم الأخلاق.. {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}

اتفقت وصاحبي أن نخرج لتناول العشاء مساء الأربعاء؛ فصليت العشاء في مسجدهم، واستوقفه أحدهم ونحن نغادر المسجد، ابتعدت قليلا، لأعطيهم فرصة الحديث. توليت القيادة، وبدأ هو الحديث: - أصبحت الاستدانة هذه الأيام وسيلة سهلة للحصول على المال، حتى لا يكاد أحد يسدد الدَّيْن؛ لذلك اتخذت شعارا بيني وبين نفسي أن  من أدينه، أعلم أنه لن يسدد الدَّيْن مع أنه يكتب ورقة بالمبلغ وموعد السداد ويُشهد على ذلك اثنين! كان صاحبي متضايقا بعض الشيء. - كلامك صحيح، ولكن لا نستطيع التعميم؛ فربما يمر أحدهم بضائقة مالية نتيجة حادث سير، أو مرض مفاجئ، أو مصيبة في تجارة؛ فيضطر إلى الاستدانة، والإنسان وقت الحاجة، يعطي كل المواثيق، والعهود، ووقت السداد يثقل عليه الأمر، وربما يعجز عنه صدقا. - إن (الدَّيْن)، شأنه عظيم في شريعتنا، ولاسيما في الآخرة، كما في حديث سهل بن حنيف، قال - صلى الله عليه وسلم -:  «أول ما يهراق من دم الشهيد يغفر له ذنبه كله إلا الدَّيْن»، فلا يسقط حق الدائن حتى يستوفيه من المدين ولو بالحسنات يوم القيامة! - ومع ذلك فإن الله -عز وجل- حث الدائن أن ييسر على المدين، وأن يُنظره: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة:280)، والأحاديث في إنظار المعسر، كثيرة، عن قتادة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة» ، وفي رواية: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» . قاطعني: هذا إن كان المدين صادقا، عندما طلب الدَّيْن ينوي أداءه، ويسعى بصدق لأدائه ببذل الأسباب، لا من ينوي أن يستدين ولا يرد الدَّيْن! - نحن لا نتدخل في النيات يا (أبا أحمد)، علينا بالظاهر من أحوال الناس، وتعرف حديث ذلك الرجل، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتيانه إذا أتيتم معسرا فتجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا، فلقي الله، فتجاوز عنه»، وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة، ثم سمعته يقول: من أنظر معسرا فله بكل يوم مثليه صدقة، قلت: يا رسول الله، سمعتك تقول من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة، ثم سمعتك تقول من أنظر معسرا فله بكل يوم مثليه صدقة، قال - صلى الله عليه وسلم - له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدَّيْن، فإذا حل الدَّيْن فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة» . - هذا الحديث أول مرة أسمعه! يعني له أجر الصدقة بمبلغ الدَّيْن، كل يوم؟ ثم بمثليه كل يوم بعد حلول سداد الدَّيْن؟ هذا أجر عظيم، مع أن الدَّيْن قائم. - نعم هو كذلك، والحديث صحيح؛ لذا يحتسب الدائن الأجر من الله طيبة نفسه، دون تذمر أو شكوى، أو إلحاح، أو ضيق نفس، ولاسيما إذا كان ممن أنعم الله عليه بالمال؛ فهذا باب عظيم من  أبواب الخير، كما في الحديث عند مسلم: «حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرا، وكان يأمر غلمانه أنه تجاوزوا عن المعسر، قال الله -عز وجل-: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه». قاطعني: - طبعا، هذا الرجل أتى بالتوحيد وتجنب الشرك، وأتى بالواجبات، ولكن لم يكن له من أعمال البر الأخرى إلا (التجاوز عن المعسر). - وربما كان مقصرا في بعض الواجبات، فهذا العمل العظيم رجح كفة حسناته على سيئاته، فكان من أهل الجنة! - وعلى المدين أن يكون صادقا لحظة الاستدانة، وأن ينوي إرجاع الدَّيْن حتى يعينه الله على ذلك... كما في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله عليه», «جاءَ أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ -  صلى الله عليه وسلم - يتقاضاهُ دَينًا كانَ عليْهِ فاشتدَّ عليْهِ حتَّى قالَ لَهُ: أحرِّجُ عليْكَ إلَّا قضَيتَني! فانتَهرَهُ أصحابُهُ، وقالوا: ويحَكَ! تدري من تُكلِّمُ؟ قالَ إنِّي أطلبُ حقِّي؛ فقالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: هلَّا معَ صاحبِ الحقِّ كنتُم! ثمَّ أرسلَ إلى خَولةَ بنتِ قيسٍ فقالَ لَها: إن كانَ عندَكِ تمرٌ فأقرِضينا حتَّى يأتيَنا تمرُنا فنَقضِيَك؛ فقالت: نعَم، بأبي أنتَ يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: فأقرضَتْهُ فقضى الأعرابيَّ وأطعمَهُ! فقالَ: أوفيتَ أوفى اللَّهُ لَكَ؛ فقالَ: أولئِكَ خيارُ النَّاسِ إنَّهُ لا قُدِّست أمَّةٌ لا يأخذُ الضَّعيفُ فيها حقَّهُ غيرَ متَعتَعٍ » . وعن ابي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما يسرني أن لي أحدا ذهبا، تأتي علي ثالثة  وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين علي», وعن أنس بن مالك الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دينا لأداه الله عنك؟ قل يا معاذ: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطيهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك» .

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك