رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 29 أبريل، 2026 0 تعليق

الحصانات والامتيازات الدبلوماسية  في الفقه الإسلامي والقانون الدولي(٢) أحكام الحصانة الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي

  • الحصانة الدبلوماسية تمثل استثناءً على مبدأ سيادة الدولة إذ تمنح للمبعوث الدبلوماسي حماية من الخضوع الكامل لقوانين الدولة المضيفة رغم إقامته على إقليمها
  • الحصانة الدبلوماسية ذات جذور تاريخية قديمة تعود إلى بدايات العلاقات بين القبائل والشعوب حيث كان احترام الرسل ضرورة لضمان التواصل
 

بدأنا في الحلقة الماضية عرض بحثٌ موجز في أحكام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي، تناول فيه مؤلفه الشيخ: د. وليد خالد الربيع -أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة جامعة الكويت- أهم ملامح هذا الجانب المهم من الدبلوماسية والعلاقات الدولية، مبيّنًا مواضع التلاقي والافتراق بينهما، ونتناول في هذه الحلقة أحكام الحصانة الدبلوماسية بطريقة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي، مبينين الأسس التي بنى عليها كل اتجاه مفهومه للحصانة الدبلوماسية وما تبع ذلك من تفريعات وأحكام أخذت صبغة الإلزام القانوني، وترتب عليها مسؤوليات متبادلة على مستوى الدول.

لعل من الأهمية الوقوف على تلك الأسس قبل الشروع في معرفة أحكام الحصانة الدبلوماسية على سبيل التفصيل، وذلك من خلال محورين:

المحور الأول: أسس الحصانة الدبلوماسية  في الفقه الإسلامي والقانون الدولي

        اختلف القانون الدولي والفقه الإسلامي في تحديد أساس منح الحصانة الدبلوماسية، التي تشمل حماية المبعوث وشخصه وماله وأسرته، وتمتد لإعفائه من المساءلة القانونية رغم تعارض ذلك مع سيادة الدولة، كما إن مفهوم الحصانة قديم قدم العلاقات بين الشعوب، وسيعرض هذا المحور هذه الأسس في كل منهما: (1) أسس الحصانة الدبلوماسية في القانون الدولي دأبت الدول منذ القدم على احترام المبعوثين الدبلوماسيين باعتبارهم ممثلين لدولهم؛ لذا قامت بحمايتهم وأسرهم وممتلكاتهم؛ وذلك لكفالة قيامهم بأعمالهم بحرية بعيدا عن تأثير الدولة المعتمد لديها، كما إن الدول والشعوب على اختلاف ثقافاتها راعت على مر التاريخ الالتزامات المتبادلة بهدف ضمان الأمن الشخصي للدبلوماسيين وإعفائهم من أية ملاحقة قانونية بسبب صفتهم التمثيلية. وقد اختلف فقهاء القانون حول الأسس والمسوغات النظرية لمنح المبعوثين الحصانات والامتيازات الدبلوماسية، ويمكن حصر التسويغ القانوني لهذه الحصانات والامتيازات في ثلاث نظريات، وهي على سبيل الإجمال: (نظرية الامتداد الإقليمي -نظرية الصفة التمثيلية- نظرية مقتضيات الوظيفة)، ولكل نظرية منها مسوغاتها التي تستند إليها، كما أنها لا تخلو من اعتراضات وانتقادات وجهت إليها، وذلك على النحو التالي:

أولاً: نظرية الامتداد الإقليمي

        ظهرت هذه النظرية في القرن السادس عشر على يد (جريوتيوس)، وتقوم على اعتبار مقر البعثة الدبلوماسية امتدادًا لإقليم الدولة التي يمثلها المبعوث؛ بحيث يُعد كأنه لا يزال مقيما في دولته، ما يسوغ عدم خضوعه لقانون الدولة المضيفة، وقد نشأت هذه النظرية لمحاولة التوفيق بين مبدأ سيادة الدولة على إقليمها وعدم خضوع الدبلوماسي لقوانينها، وقد لاقت تأييدًا من بعض الفقهاء وعملت بها بعض المحاكم، لكنها تعرضت لانتقادات أدت إلى استبعادها أساسا للحصانات الدبلوماسية، ومن هذه الاعتراضات ما يلي:
  • التناقض: ويظهر هذا التناقض في افتراض وجود المبعوث الدبلوماسي في مكانين في وقت واحد، وهما الدولة المعتمد لديها على أساس فعلي، ودولته التي ينتمي إليها على أساس افتراضي، ولهذا عد بعض الباحثين هذه النظرية خيالية لتناقضها مع الواقع المادي الجغرافي.
  • عدم الملاءمة للواقع الفعلي والأوضاع الجارية: فمن المتفق عليه أنه يتعين على المبعوث الدبلوماسي التزام لوائح وقوانين الدولة المبعوث لديها، وأن عليه دفع رسوم محلية معينة، تمثل خدمات فعلية يحصل عليها، وأن تصرفاته التجارية تخضع للقوانين السارية في البلد الذي يقيم فيه فعلا؛ فالأخذ بنظرية امتداد الأقاليم لا يتناسب مع الأوضاع الجارية ومبدأ سيادة الدولة على إقليمها.

ثانيا: نظرية الصفة التمثيلية

        تعرف هذه النظرية بنظرية التمثيل، وأيضا بنظرية الصفة النيابية، وتستند هذه النظرية إلى طبيعة الدور الذي يقوم به الممثل الدبلوماسي وكيلا لدولة ذات سيادة، ومن ثم تتمتع تصرفاته الرسمية وغيرها بالحصانة؛ لأنها تصرفات دولة أجنبية ذات سيادة. ويذهب بعض الباحثين إلى أن هذه النظرية ترجع في أساسها إلى الصفة المقدسة التي كان يتمتع بها المبعوث الدبلوماسي باعتباره يمثل شخص رئيس الدولة الذي كان يجمع آنذاك بين السلطة الروحية والزمنية؛ ولذا فإن أي اعتداء يوجه إلى المبعوث الدبلوماسي كان يعد انتهاكا للشعائر المقدسة في الدولة، ولهذا عد اليونانيون القدماء الاعتداء على شخص السفير من أفظع المخالفات التي ترتكبها دولة ضد أخرى، كما عد الرومان الأذى الذي يصيب المبعوث الدبلوماسي انتهاكا لحرمة قانون الشعوب. ومع تطور الممارسة الدبلوماسية والانتقال إلى مرحلة الدبلوماسية الدائمة -منذ القرن الخامس عشر- تطورت العلاقات الدولية واتخذت منحى العلاقات الشخصية؛ نظرا لسيطرة مفهوم السيادة الشخصية؛ حيث انعكست على هذه العلاقات، وبدت وكأنها علاقات شخصية، تنشأ بين الملوك والأمراء؛ ما أسبغ على المبعوثين الدبلوماسيين الصفة الشخصية على اعتبار أنهم الممثلون الشخصيون لملوكهم؛ فارتكزت الحصانات على هذه الصفة التمثيلية والقائمة على كرامة السيد الحاكم وعظمته المجسد لإرادة الدولة؛ فكان أي اعتداء على الممثل الدبلوماسي أو إهانة توجه إليه، تعد كأنها وجهت للحاكم الذي بعثه، ولقد هجر الفقه هذه النظرية لتعارضها مع سيادة الدولة المعتمد لديها، ولأنها لو صدقت في حال الحصانة خلال العمل الرسمي، فإنها لا تصدق على الحصانة الشخصية التي يتمتع بها الدبلوماسي خارج نطاق عمله. وأيضا لقصور هذه النظرية عن تفسير كثير من الأوضاع، فمن ذلك إذا كان الدبلوماسي يتمتع بالحصانات والامتيازات بوصفه ممثلا للدولة فقط فلأي سبب يجب أن تتمتع عائلته بهذه المزايا وهي ليس لها أية صفة تمثيلية؟ وإذا كانت هذه النظرية تسوغ منح الحصانات للأشخاص الذين يمثلون دولهم أو رؤساءها، فكيف يمكن تسويغ منح الحصانات لأشخاص القانون الدولي الآخرين من منظمات عالمية وإقليمية وهم لا يمثلون دولة؟ كما أن هذه النظرية تمحورت حول الصفة التمثيلية دون تحديد دقيق للشخص الواجب تمثيله، فتارة تتعلق صفة التمثيل بشخص رئيس الدولة، وتارة تتعلق الصفة بالدولة وسيادتها؛ ما يوقع في ازدواجية الصفة التمثيلية للمبعوث؛ فيستفيد من نوعي الحصانات، وهذا يتعارض مع أساس منح الحصانات؛ حيث إن حصانات رئيس الدولة تتحدد على مستوى المجاملة الدولية أكثر مما تقع على مستوى مفهوم السيادة، بينما حصانات الدولة تقع على مستوى السيادة والاستقلال.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك