الشباب المسلم 1304
مسؤولية الشباب في مواجهة الأزمات
في زمن الأزمات، لا تُقاس قيمة الشباب بأعمارهم؛ بل بقدر وعيهم وثباتهم؛ فالأزمات لحظات كاشفة، تميّز بين من ينجرف مع التيار، ومن يملك بوصلةً تهديه وسط الاضطراب، والشباب - بما يملكونه من طاقةٍ وحيوية - هم أكثر الفئات قدرةً على التأثير، إذا اقترن حماسهم بوعيٍ راشد، وثباتٍ متزن.- إن أول ما يُطلب من الشاب في زمن الشدائد هو أن يكون واعيًا بما يدور حوله؛ فلا ينساق خلف الشائعات، ولا يبني مواقفه على العاطفة المجردة، بل يتحرّى المعلومة، ويفهم السياق؛ فالوعي ضرورة تحميه من الزلل، وتحفظ مجتمعه من الانزلاق.
- ثم يأتي الثبات، وهو القدرة على ضبط النفس عند الاضطراب، والاتزان عند الاستفزاز؛ فليس القوي من يعلو صوته، بل من يملك نفسه حين اشتداد الأزمات، والثبات لا يعني الجمود، بل يعني التمسك بالحق مع المرونة في الوسائل، والحكمة في التصرف، والبعد عن التسرّع الذي يُفسد أكثر مما يُصلح.
- ويقع على عاتق الشباب أن يكونوا جزءًا من الحل، لا وقودًا للمشكلة؛ فيسهمون في نشر الوعي، ويقفون في وجه التضليل، ويُعزّزون روح التعاون والتكافل؛ فكم من أزمةٍ تضاعفت آثارها بسبب كلمةٍ غير مسؤولة، أو موقفٍ متعجل، وكم من محنةٍ خفّ وطؤها بوعي شبابٍ أدركوا دورهم فأحسنوا القيام به.
- كما إن الرجوع إلى أهل العلم والخبرة، والالتفاف حول المرجعيات الموثوقة منهم، من أهم معالم الوعي في الأزمات؛ إذ لا يُحسن كل أحدٍ تقدير النوازل، ولا تُدار القضايا الكبرى بردود الأفعال الفردية. ومن الحكمة أن يعرف الشاب قدره، فيتعلّم متى يتقدّم؟ ومتى يتأنّى؟ ومتى يَسأل؟
- وفي خضمّ الأزمات، لا ينبغي أن يغفل الشباب عن بناء أنفسهم؛ فالأزمة فرصةٌ للنضج، وميدانٌ لاختبار القيم، ومنحةٌ لمن أحسن استثمارها، وهنا يظهر أثر الإيمان، وحسن الظن بالله، والصبر على تقلبات الحياة؛ فهي المعاني التي تمنح الثبات عمقه، وتمنح الوعي روحه.
- وختامًا فإن الشباب الواعي الثابت هو صمام أمان المجتمعات، وركيزة عبورها الآمن من الأزمات، فليكن شعار كل شاب: وعيٌ يُبصر به الحق، وثباتٌ يمضي به نحوه، مهما اشتدت العواصف.
الصدق في القصد والقول والعمل
ليس الطموحُ أن تنطلق في الحياة بلا ضابط، ولا التوكلُ أن تترك الأسباب وتنتظر النتائج، بل التوازنُ الحقيقي أن تجمع بين السعي الصادق، والاعتماد الكامل على الله، قال -تعالى-: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} (آل عمران:159)، فقدّم العزم، ثم أمر بالتوكل، ليعلّمنا أن الأخذ بالأسباب لا يُنافي الاعتماد على ربّ الأسباب، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»، فجمع بين الحرص والعمل، وبين الاستعانة والتوكل، فالشاب الطموح يسعى، ويتعب، ويخطّط، لكنه يعلم أن التوفيق ليس بيده، وأن النتائج ليست ثمرة جهده وحده، بل هي فضلٌ من الله يؤتيه من يشاء، فلا تجعل طموحك يبعدك عن ربك، ولا تجعل توكلك ذريعةً للكسل، بل اعمل وكأن النجاح يعتمد عليك، وتوكل وكأن الأمر كله بيد الله، فبهذا التوازن تُفتح الأبواب، وتتحقق الطموحات، وتطمئن القلوب.الحياءُ زينةُ الشباب
في زمنٍ تُمدح فيه الجرأةُ بلا ضابط، يبقى الحياءُ تاجًا يزيّن الشاب، ويصون كرامته، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحياءُ لا يأتي إلا بخير»، فهو خُلُقٌ يجمع بين طهارة القلب، وحسن السلوك، وليس الحياءُ ضعفًا كما يظن بعض الشباب؛ بل هو قوةٌ داخلية تمنعك من الوقوع فيما لا يليق، وتدفعك إلى اختيار الأفضل دائمًا، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن لكل دينٍ خُلُقًا، وخُلُقُ الإسلام الحياء»، فهو علامةُ إيمان، ودليلُ صفاء، فالشابُ الحييّ لا ينساق خلف كل شهوة، ولا يتجرأ على الحرام، بل يراقب الله في خلوته قبل علانيته؛ فالحياءُ يحفظ العين، ويهذّب اللسان، ويجعل صاحبه موضع احترامٍ وثقة تمسّك بالحياء، فهو ليس قيدًا عليك، بل حمايةٌ لك وزينةٌ لا تزول.الاستقامةُ تُورث الطمأنينة

الصلاة باب عظيم للغفران

- قال الشيخ عبدالرزاق عبدالمحسن البدر: إن من أثار الصلاة العظيمة وثمارها الجليلة ما فيه من غفران الذنوب وحط الأوزار وتكفير السيئات، وكان رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ»، وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟ قَالُوا: لاَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهَا الْخَطَايَا».
مخالفاتٌ يقع فيها بعضُ الشباب!
- من المخالفات التي يقع فيها بعض الشباب: التساهلُ في النظر إلى الحرام، قال -تعالى-: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}؛ فالعينُ بابٌ إلى القلب.
- ومنها: التهاونُ في الكذب ولو على سبيل المزاح، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ويلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بالحدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ القوْمَ فيَكَذِبُ ويلٌ لَهُ ويلٌ لَهُ».
- ومنها: الغيبةُ والسخرية من الآخرين، قال -تعالى-: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا}، وقال -سبحانه-: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ}.
- ومنها: التسويفُ في التوبة، فيؤجل الشاب رجوعه إلى الله، وكأنه يضمن عمره.
- ومنها: تقليدُ غير الصالحين في المظهر والسلوك، والانبهارُ بكل ما يُخالف القيم.
- ومنها: الجرأةُ على الوالدين، وقلةُ البر، قال -تعالى-: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ}.
- ومنها: الغفلةُ عن الذكر، فيقسو القلب، ويضعف الارتباط بالله.
الشباب وحماية الأوطان
للشبابِ دورٌ أساسٌ في حمايةِ الأوطان، وذلك من خلال النهوضِ بمسؤولياتهم بثباتٍ فإذا نهضوا بمسؤوليتهم، صار الوطنُ في قلوبهم قبل حدوده، وفي أفعالهم قبل كلماتهم، وحينها تُصان الأوطانُ بسواعدهم كما تُصان بدمائهم.سرُّ البركة في الوقت

البدايةُ الصغيرة تصنع الفرق
لا تحتقر عملًا صالحًا، ولو كان يسيرًا، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قل»، فركعتان بخشوع، أو وردٌ يومي من القرآن، أو صدقةٌ خفية، قد تغيّر حياتك، وقال -تعالى-: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}، فلا تنتظر الكمال لتبدأ، بل ابدأ بما تستطيع واستمر؛ فالعظمة تبدأ بخطواتٍ صغيرة، لكن ثابتة.الغفلةُ بدايةُ الانحراف
لا يبدأ الانحرافُ بخطوةٍ كبيرة، بل بلحظة غفلة، قال -تعالى-: {وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} (الأعراف: 205)، فتركُ صلاة، أو تأجيلُ توبة، قد يكون بداية طريقٍ طويل من البعد، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا»، فالقلبُ إن لم يُحصَّن بالإيمان، تسللت إليه الفتنُ شيئًا فشيئًا؛ فاحذر الغفلة! وجدّد إيمانك دائمًا؛ فالثبات لا يأتي صدفة.
لاتوجد تعليقات