رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. عبدالرحمن الجيران 22 أبريل، 2026 0 تعليق

الرابع والعشرون من شُعب الإيمان: الصيام

  • الصيام يُعوّد المسلم على كبح جماح شهوته ويعمل على ترويض نفسه على التحلي بالصبر وكسر هواها أمام نوازع الشهوات وملذات الحياة
  • الصيام يربّي النفس على الحِلم والأناة لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : «فإن سابّه أحدٌ أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم»
  • يكتسب المسلم بالصيام صفة الرحمة والإحساس بالآخرين فيدفعه ذلك إلى تلمّس حاجاتهم والسعي إلى نفعهم
 

إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالًا.

        الصيام من شعب الإيمان؛ لقوله -تعالى-: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} (البقرة: 183)، ولحديث عبدالله بن عمر في الصحيحين: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عبده ورسوله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ»، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -فيهما: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى مَا شَاءَ اللهُ، قال الله -تعالى-: «إِلَّا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ (الصوم جنة)».

المعنى الإجمالي

        فرض الله -تعالى- الصيام، وجعله سببًا للتقوى، واختصه لنفسه من بين سائر العبادات التي يتقرّب بها المؤمن إلى ربّه؛ لأنه من أعظمها، وهو سرّ بين العبد وربه؛ فالعبد حين يصوم يدع طعامه وشهوته من أجل ربه؛ فتكون له بذلك فرحتان: الأولى حين يفطر، والأخرى عند لقاء ربه -جلّ وعلا-؛ إذ يوفيه أجره بغير حساب، والصيام من أعمال الجوارح، وبه كمال الإيمان.
  • قوله: لقوله -تعالى-:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} (البقرة: 183)، قال الفخر الرازي: «اعلم أن الصيام مصدر صام كالقيام، وأصله في اللغة الإمساك عن الشيء والترك له، ومنه قيل للصمت: صوم لأنه إمساك عن الكلام، قال الله تعالى {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} (مريم: 26) وصوم النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة... وفي الشريعة: هو الإمساك، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، عن المفطرات حال العلم بكونه صائمًا مع اقتران النية.
أما قوله -تعالى-: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} فيه مسألتان:
  • المسألة الأولى: في هذا التشبيه قولان:
أحدهما: أنه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني هذه العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، ما أخلى الله أمة من إيجابها عليهم، لا يفرضها عليكم وحدكم. وفائدة هذا الكلام أن الصوم عبادة شاقة، والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله. القول الثاني: أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وإلى قدره، وهذا ضعيف.

قوله -تعالى-: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}

  • أما قوله -تعالى-: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فاعلم أن تفسير (لَعَلَّ) في حق الله -تعالى- قد تقدم، وأما أن هذا الكلام كيف يليق بهذا الموضع؟ ففيه وجوه:
- أحدها: أنه -سبحانه- بيّن بهذا الكلام أن الصوم يورث التقوى؛ لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى، فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش، ويهون لذات الدنيا ورياستها؛ وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرْج، وإنما يسعى الناس لهذين، كما قيل في المثل السائر: المرء يسعى لعارية بطنه وفرجه. فمن أكثر الصوم هان عليه أمر هذين، وخفت عليه مؤنتهما؛ فكان ذلك رادعًا له عن ارتكاب المحارم والفواحش ومهونًا عليه أمر الرياسة في الدنيا، وذلك جامع لأسباب التقوى. فيكون معنى الآية: فرضتُ عليكم الصيام؛ لتكونوا به من المتقين، الذين أثنيتُ عليهم في كتابي، وأعلمت أن هذا الكتاب هدى لهم. ولمّا اختص الصوم بهذه الخاصية حسن منه -تعالى- أن يقول عند إيجابها: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} منها بذلك على وجه وجوبه؛ لأن ما يمنع النفس عن المعاصي لابد وأن يكون واجبًا. - وثانيها: المعنى ينبغي لكم بالصوم أن يقوى وجاؤكم في التقوى، وهذا معنى (لَعَلَّ). - وثالثها: المعنى لعلكم تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات؛ فإن الشيء كلما كانت الرغبة فيه أكثر كان الاتقاء عنه أشق، والرغبة في المطعوم والمنكوح أشد من الرغبة في سائر الأشياء، فإذا سهل عليكم اتقاء الله بترك المطعوم والمنكوح، كان اتقاء الله بترك سائر الأشياء أسهلَ وأخفَّ. - ورابعها: المراد: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} إهمالها وترك المحافظة عليها بسبب عظم درجاتها وأصالتها. - وخامسها: لعلكم تنتظمون بسبب هذه العبادة في زمرة المتقين؛ لأن الصوم شعارهم، والله أعلم».

بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ

  • قوله: ولحديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- في الصحيحين: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ»، قال المهلب: «فهذه الخمس هي دعائم الإسلام التي بها ثباته، وعليها اعتماده، وبإدامتها يعصم الدم والمال»، فدل الحديث على أن الصيام من دعائم الإسلام التي متى أهلمت خشي على هذا البناء من النقض والانهدام!
  • قوله: وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فيهما: «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه. ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، الصوم جُنّة».

فوائد الحديث

هذا الحديث حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فيه فوائد:
  • أن الله -سبحانه و تعالى- جعل الصوم له، وعملَ ابنِ آدم الثاني -أي غير الصوم- لابن آدم، يقول الله -تعالى-: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي»، والمعنى أن الصيام يختصه الله من بين سائر الأعمال؛ لأنه -أيْ الصيام- أعظم العبادات إطلاقًا؛ فإنه سرّ بين الإنسان وربه؛ لأنه -الإنسان- لا يعلم إذا كان صائمًا أو مفطرًا، هو مع الناس ولا يعلم به، نيته باطنة؛ فلذلك كان أعظم إخلاصًا، فاختصه الله من بين سائر الأعمال، قال بعض العلماء ومعناه إذا كان الله يوم القيامة وكان على الإنسان مظالم للعباد، فإنه يؤخذ للعباد من حسناته إلا الصيام فإنه لا يؤخذ منه شيء؛ لأنه لله وليس للإنسان، وهذا معنى جيد أن الصيام يتوفر أجره لصاحبه، ولا يؤخذ منه لمظالم الخلق شيئًا.

أنواع الصبر الثلاثة

  • إن عمل ابن آدم يزاد من حسنة إلى عشرة أمثالها إلا الصوم فإنه يعطى أجره بغير حساب، يعني أنه يضاعف أضعافًا كثيرة، قال أهل العلم: وذلك لأن الصوم اشتمل على أنواع الصبر الثلاثة: ففيه صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله.
١- أما الصبر على طاعة الله فلأن الإنسان يحمل نفسه على الصيام مع كراهته له، أحيانًا يكرهه لمشقته، لا لأن الله فرضه، لو كره الإنسان الصوم لأن الله فرضه لحبط علمه، لكنه كرهه لمشقته، ولكنه مع ذلك يحمل نفسه عليه فيصبر عن الطعام والشراب والنكاح لله؛ ولهذا قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي. ٢-الصبر عن معصية الله، وهذا حاصل للصائم، فإنه يصبّر نفسه عن معصية الله؛ فيتجنب اللغو والرفث والزور وغير ذلك من محارم الله. ٣-الصبر على أقدار الله، وذلك أن الإنسان يصيبه في أيام الصوم (ولاسيما في الأيام الحارة والطويلة) من الكسل والملل والعطش ما يتألم ويتأذى به، ولكنه صابر؛ لأن ذلك في مرضاة الله، فلما اشتمل على أنواع الصبر الثلاثة كان أجره بغير حساب، قال الله -تعالى-: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}.

للصائم فرحتان

  • ومن الفوائد التي اشتمل عليها هذا الحديث أن للصائم فرحتين:
الأولى: عند فطره، إذا أفطر فرح بفطره من وجهين: ١- أنه أدى فريضة من فرائض الله وأنعم الله بها عليه، وكم من إنسان في المقابر يتمنى أن يصوم يومًا واحدًا فلا يكون له! وهذا قد منّ الله عليه بالصوم فصام، فهذه نعمة، فكم من إنسان شرع في الصوم ولم يتمه! فإذا أفطر فرح؛ لأنه أدى فريضة من فرائض الله، ويفرح أيضا فرحًا آخر، وهو أن الله أحل له ما يوافق طبيعته من المآكل والمشارب والمناكح بعد أن كان ممنوعا منها، والفرحة الثانية عند لقاء ربه، فهاتان فرحتان في الفطر.

فوائد الحديث

  • ومن فوائد هذا الحديث الإشارة إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم-: فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب. يعني: لا يقول قولاً يأثم به ولا يصخب فيتكلم بكلام صخب، بل يكون وقورًا مطمئنًا متأنيًا، فإن سابّه أحد أو شاتمه فلا يرفع صوته عليه، بل يقول: «إني صائم»، يقول ذلك لئلا يتعالى عليه الذي سابّه، كأنه يقول: أنا لست عاجزًا عن أن أقابلك بما سببتني، ولكني صائم، يمنعني صومي من الرد عليك، وعلى هذا فيقوله جهرًا، كذلك أيضا إذا قال: (إني صائم) يردع نفسه عن مقابلة هذا الذي سابّه، كأنه يقول لنفسه: «إني صائم فلا تردّي على هذا الذي سب»، وهذا أيضًا معنى جليل عظيم؛ ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم- إذا رأى من الدنيا ما يعجبه، وخاف أن تتعلق نفسه بذلك قال: «لبيك إن العيش عيش الآخرة»؛ فالنفس مجبولة على محبة ما تميل إليه، فإذا رأى ما يعجبه من الدنيا فليقل لبيك، يعني إجابة لك ياربّ، إن العيش عيش الآخرة، أما عيش الدنيا فزائلٌ وفان.
فهذه من فوائد الصوم نقلها المؤلف -رحمه الله تعالى- مما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم- وفي هذا الحديث نوعان من أنواع الحديث، ألفاظ قدسية من كلام الله -تعالى- التي رواها النبي - صلى الله عليه وسلم- عن ربه، وألفاظ نبوية من عند النبي - صلى الله عليه وسلم-.

أثر الصوم على سلوك المسلم

  • ينمّي فيه جانب المراقبة لله في السر والعلن.
  • يربّي المسلم على تهذيب منطقه وحفظ لسانه من الرفث والصخب.
  • يعوّد المسلم على كبح جماح شهوته، ويعمل على ترويض نفسه على التحلي بالصبر وكسر هواها أمام نوازع الشهوات وملذات الحياة.
  • يعوّد المسلم على الانضباط والنظام من خلال برنامج الصيام.
  • يكسب المسلم بالصيام صفة الرحمة والإحساس بالآخرين؛ فيدفعه ذلك إلى تلمّس حاجاتهم.

فوائد الصيام

  • يورث التقوى كما قال -تعالى-: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183).
  • يعوّد على الصبر ويقوي الإرادة.
  • يربّي النفس على الحِلم والأناة «فإن سابّه أحدٌ أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم».
  • يكسر النفس؛ فإن الشّبع والارتواءَ ومباشرة النساء يحمل النفس على الأشَر والبطَر والغفلة.
  • يقي الجسد من أمراض عديدة، وينقّيه من سموم الفضلات.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك