رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عماد عطية 6 أبريل، 2026 0 تعليق

  • العلماء الربانيون هم حُرَّاسُ حدود هذا الدين القائمون بأمر ربهم على صيانة شرعه
  • الجاهل في الأمة كالمريض الغافل والعالم كالطبيب الماهر الذي يعرف الداء وسبل العلاج
  • المحافظة على حرمة الإسلام وصون المجتمع من الموبقات والبدع والخرافات واجبٌ عظيم وأصلٌ من أصول هذا الدين
  • المجتمعات لا تنجو لمجرّد وجود العلماء والصالحين فيها بل حين ينهض الجميع بواجب الإصلاح بالحكمة والموعظة الحسنة

المجتمع كالسفينةٍ التي تشقّ عُباب بحرٍ متلاطم الأمواج؛ تضمُّ على ظهرها أناسًا تتباين طبائعهم، وتختلف رغباتهم، وتتنوع مشاربهم، ومع هذا التباين كلِّه، فإنهم يجتمعون على حقيقةٍ واحدة: أنهم شركاء في المصير، لا نجاة لبعضهم دون بعض، ولا سلامة لفردٍ منهم إن اختلّت سلامة السفينة، وسلامتها ليست أمرًا عارضًا، بل هي ثمرة بصيرةٍ نافذةٍ لدى من يقودها، وفهمٍ عميقٍ لطبيعة البحر وتقلباته، وإدراكٍ راشدٍ لمكامن الخطر ومواطن النجاة، مع سموِّ الغاية التي تمضي السفينة نحوها، ومن هنا تبرز الحاجة إلى من يرعى أمرها، ويراقب مسيرها، فيكشف مواضع الخلل، وينبّه إلى أسباب الغرق قبل أن تستفحل، ويأخذ على أيدي العابثين قبل أن يُغرقوا الجميع.

        وكذلك شأن المجتمعات؛ فلا قيام لها ولا استقرار إلا بوعيٍ يحرسها، وبصيرةٍ تصونها، ورجالٍ ينهضون بمسؤولية صيانتها من الداخل قبل أن تداهمها الأخطار من الخارج، ومع أن سلامة المجتمع مسؤوليةٌ يشترك فيها الجميع؛ لأن مصيرهم واحد، فإن العلماء يظلون أقدر الناس على حمل هذه الأمانة؛ بما آتاهم الله من علمٍ بسننه في خلقه، وبصيرةٍ تنفذ إلى عواقب الأمور، فيرشدون، ويقومون، ويحمون السفينة من أن تنحرف عن مسارها أو تهوي إلى غرقٍ محتوم.

مثال بديع

       ولإرساء هذه الحقيقة في القلوب، ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلًا بديعًا يصوّر المجتمع في صورة سفينة واحدة يتقاسم ركابها مواضعها، يقول - صلى الله عليه وسلم -: «مَثَلُ القائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالواقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا»، هذا المثال البديع يوضح أن حماية المجتمع ورعاية سلامته مسؤولية مشتركة، وأن التدخل الواعي من القائمين على الحدود والقيادة الحكيمة ينجّي الجميع، في حين أن الإهمال أو اللامبالاة تهلك المجتمع بأسره.

العُلَمَاءُ حُرَّاسُ السَفِينَةِ

        وفي سفينة المجتمع لابدَّ من عيونٍ ساهرةٍ ترقبُ مسيرها، وتتنبهُ لكلِّ شرخٍ قد يهدِّد بنيانها، وتمنع بالحكمة كلَّ يدٍ آثمةٍ تمتدُّ لتخرق جدارها؛ ولا أحد يقوم بهذا الدور إلا العلماء الربانيون، فهم حُرَّاسُ حدود هذا الدين، القائمون بأمر ربهم على صيانة شرعه، فإذا غاب صوتهم، أو انصرف الناس عن هديهم، فإن السفينة حينئذٍ تُترك لأهل الأهواء والأغراض الخبيثة، يعبثون فيها بأفكار الناس وعقائدهم، ومن هنا تتسع الخروق، التي تكون نذيرَ شؤمٍ على السفينة ومن فيها.

حِراسَةُ حُدودِ الدِّينِ

        إنَّ الوقوفَ على حُدودِ اللهِ في المجتمعات ليس مهمَّةً هيِّنةً ولا طريقًا مفروشًا بالسَّلام، بل هو ثغرٌ من أخطر ثغور الحياة؛ فمَن قام في الناس يدعوهم إلى ترك ضلالةٍ من الضلالات، أو نهض فيهم ليمنع خرقًا في سفينة المجتمع، فقد آذَنَ نفسَه بحربٍ لا تخمد نارها، ولا يخبو أوارها، وليس موقفُ الداعي إلى الحق بأهون من موقف الجندي في ميدان القتال؛ فإذا كان الجنديُّ يواجه السيوفَ دفاعًا عن الأجساد، فإن العالم يواجه أهواءَ الناس دفاعًا عن العقائد والقيم. بل إن تغيير ما استقرَّ في القلوب من المعتقدات والميول أشقُّ من نزع الأرواح من الأجساد، ومن هنا كانت حراسة حدود الدين جهادًا من نوعٍ آخر؛ جهادًا يقف فيه الحراس على ثغور القلوب والعقول، يصدّون عنها ضلالاتٍ الناس وأهوائهم التي لو تُركت لأغرقت سفينة المجتمع بمن فيها. وإذا نظرنا إلى من هم في أسفل السفينة لوجدناهم الذين وقعوا في حدود الله؛ إذ لا يحكمهم قانون من دينٍ أو مجتمع، فلا هَمَّ لهم إلا إشباع أهوائهم الدُّنيوية، وأفكارِهم المادية التي تشبّعوا بها عن جهلٍ أو قصد، نتيجة ابتعادهم عن نبع الوحي الصافي، وتركهم الطريق المستقيم. فهؤلاء هم الخطر الداهم الذي يهدد استقرار السفينة وسلامة ركابها؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمته الفاصلة: «فإن يَتْرُكُوهُمْ وما أَرادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وإن أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا».

قانونُ النَّجاةِ

       إنَّ المجتمعات لا تنجو لمجرّد وجود العلماء والصالحين فيهم، بل حين ينهض الجميع بواجب الإصلاح، ويقفون لحراسة حدود الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويأخذون على أيدي من يريد خرق سفينة المجتمع أخذَ العاقلِ الحاني الرشيد، أمّا إذا اكتفى الأخيار بصلاحهم الذاتي، ورضوا أن يكونوا شهودًا صامتين على ما يقع حولهم من خللٍ وانحراف، فإن صلاحهم الفردي لا يغني عنهم وعن مجتمهم شيئا إذا اتسعت الخروق وأوشكت السفينة على الغرق. وهنا تتجلى عظمة مبدأ حراسة حدود الله في المجتمع؛ فحارس الحدود ليس رجلا يقف عند باب مغلق يحرسه، بل هو ضميرٌ حيٌّ يقف عند تخوم هذا الدين، يمنع الخرق قبل أن يبدأ، ويوقف الشر قبل أن يستفحل، ويذكر الناس دائما بأن السفينة التي تجمعهم ليست ملكا لفرد بعينه، بل هي أمانة يشترك في حفظها الجميع؛ فالمجتمع الذي يسكت فيه العقلاء عن الخطأ، مثلهم كمثل ركاب سفينة رأوا الخروق تتسع في كل جوانبها فلم يمدوا يدا لإصلاحها، حتى أحاط بهم الماء من كل جانب. وعندئذ أدركوا -ولكن بعد فوات الأوان- أن السكوت كان أول أسباب الغرق.

طبيعة الطريق

         ليست الطريق التي يسلكها حراس سفينة المجتمع طريقًا مفروشة بالرضا والقبول، بل هي في الغالب طريق ابتلاء؛ فالدعاة إلى الحق كانوا في كل أمة خصومًا لأهل الأهواء؛ لأنهم يحاولون أن ينتزعوا من النفوس ما استقر فيها من شهوات وأفكار فاسدة، وأن يردّوا القلوب إلى ميزان الوحي والحق، ولهذا كان الدعاة أحوج الناس إلى عزائم ثابتة وقلوب صابرة تحتمل ما يَلقونه في سبيل دعوتهم من اتهام وسوء ظن وتشويه. فكم وُصِف المصلحون عبر التاريخ بأوصاف الجهل والضلال! وكم رُمي الدعاة بالكذب أو الخيانة أو الغلو، ومع ذلك لم يكن ذلك ليصرفهم عن طريقهم؛ لأنهم يعلمون أن سنة الدعوة ماضية على هذا النحو، فقد عاش النبي -صلى الله عليه وسلم - بين قومه متَّهَمًا بالسحر والكذب، ثم مات - صلى الله عليه وسلم - سيد المرسلين، وعاش الأئمة والعلماء تُثار حولهم الشبهات وتُلصَق بهم التهم، ثم خلّد التاريخ أسماءهم حراسًا للعلم والهدى، ومن هنا فإن الداعي الصادق لا يقيس قيمة دعوته برضا الناس عنه، بل بثباته على الحق وقيامه بواجب البيان.

الْجَاهِلُونَ مَرْضَى

        الجاهل في الأمة كالمريض الغافل، لا يشعر بخطر مرضه إلا بعد أن يفتك به الداء، والعالم في الأمة كطبيب ماهر، يعرف الداء وسبل علاجه، ولا يَجْمُل بالطبيب أن يحجم عن العمل الجراحي، فرارًا من صياح المريض أو اعتراضه، أو خوفًا من سبّه وشتمه، فإن هذا العمل لا بد منه ليُشفَى المريض ويسترد صحته. كذلك الداعي الصادق، لا يجوز له أن يمتنع عن بيان الحق وإصلاح الناس خوفًا من اعتراضهم أو عدائهم، بل عليه أن يصبر على صعوبة الطريق حتى يلقى ربه.

صِيَانَةُ الدِّينِ أَمَانَةُ الْجَمِيعِ

         إنَّ المحافظة على حرمة الإسلام، وصون المجتمع المسلم من الموبقات والبدع والخرافات، ودرء المعاصي والمخالفات، واجبٌ عظيم، وأصلٌ من أصول هذا الدين، وركنٌ منيع من أركان الأمة، فصون المجتمع لن يكونَ إلا بالوعي اليقظ، والإحساس بالمسؤولية، والقيام بحق هذا الدين، فهو السبيل إلى حماية السفينة من الغرق في أمواج الشر وأهواء الفساد، ومن مزالق السقوط والهلاك؛ فسلامة السفينة مسؤولية جماعية، لا يقوم بها إلا من يملك البصيرة، ويشعر بالمسؤولية تجاه الآخرين، ويقف إلى جانب العلماء في حماية حدود الدين وقيم المجتمع.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك