خطبة المسجد الحرام .. نصائح للمـسلمين لبلوغ التقوى واليقين
- المسلمون في عباداتهم يجمعون بين تحقيق العبوديَّة لله وتوحيدِه والإخلاصِ له وبين شهود المنافِع وابتغاء فضلِ الله
- القلبُ هو مصدرُ النعيم الأكبر في الدنيا إذا خالَطَته بشاشةُ الإيمان
- مَنِ اعتمَدَ على الله كَفَاهُ ومَنْ سألَه أعطَاه ومَنِ استغنَى به أغنَاه والقناعةُ كنزٌ لا يفنَى والرضَا مالٌ لا ينفَد
ألقاها الشيخ
د. صالح بن عبدالله بن حميد
ألقى إمام وخطيب الحرم المكي فضيلة الشيخ: صالح بن عبدالله بن حميد -حفظه الله-، خطبة بعنوان: (نصائح للمسلمين لبلوغ التقوى واليقين) وقد تناول فيها الوصية الربانية بتقوى الله -عز وجل- وسبل تحقيقها.
تَزْكُو القلوبُ بالإيمانِ وأنوارِ القرآنِ
الصلاحُ الإنسانيّ ينبُعُ من أعماقِ النفوسِ، ومِنَ القلوبِ التي في الصدورِ، تَزْكُو القلوبُ بالإيمانِ وأنوارِ القرآنِ، وتتطهَّرُ النفوسُ بالطَّيِّبِ مِنَ القولِ، والصالحِ مِنَ العملِ، والحسنِ من الخُلُق. القلبُ هو مصدرُ النعيم الأكبر في الدنيا إذا خالَطَته بشاشةُ الإيمان؛ نعيمٌ يُغني عن كل نعيم؛ حتى قال بعضُ السلفِ: «إنَّه لَتمرُّ بي أوقاتٌ أقولُ فيها: إِنْ كان أهلُ الجنةِ في مثلِ هذا النعيمِ، إنهم لَفي عيشٍ طيبٍ».الإسلام دين العبوديَّة وشهود المنافِع
المسلمون في عباداتهم يجمعون بين تحقيق العبوديَّة لله، وتوحيدِه والإخلاصِ له؛ وبين شهود المنافِع، وابتغاء فضلِ الله؛ ففي الصلاة: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا في الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(الْجُمُعَةِ: 10). وفي الحجِّ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}(الْبَقَرَةِ)، {وَأَذِّنْ في النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ}(الْحَجِّ). وفي عُمومِ الطاعاتِ: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ}(الْمُزَّمِّلِ: 20). والممدُوحون في كتابِ اللهِ من عُمَّارِ بيوتِ اللهِ يبيعون ويتاجِرون، ولكِنْ: {لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}(النُّورِ: 37).سبحانَ مَنْ جعلَ شيئًا واحدًا سببًا للاتصال والانقطاع!
من هذه المُنطلَقات والبواعِث، ومن هذه الحِكَم والأحكام، والربط بين الدِّين والدنيا وعمل القلب وعمارة الأرض؛ يستبينُ طريقُ الترقِّي في مدارِج الكمال المنشُود، وروافِد الطُّهر المُبتغَى؛ الذي يحفَظُ الحياةَ ويصُونُها، ويربِّي النفسَ ويُعلِي قدرَها، وينشُرُ الطُّمأنينةَ ويُحقِّقُ الرِّضا. يقولُ عليٌّ -رضي الله عنه- في وصف الدنيا مُبَيِّنًا حالَها: «دارُ صدقٍ لمن صدَقَها، ودارُ عافيةٍ لمن فهِمَ عنها، ودارُ غِنًى لمن تزوَّدَ منها. مسجِدُ أحبَّاءِ اللهِ، ومَهبَطُ وحيِه، ومُصلَّى ملائِكتِه، ومُتَّجَرُ أوليائِه؛ اكتسَبُوا فيها الرحمةَ، ورجَوا فيها الجنة. فمن ذا يذُمُّ الدنيا وقد آذَنتْ بفِراقِها، ونادَت بعيبِها، ونَعَتْ نفسَها وأهلَها؟! فمثَّلَت ببلائِها البلاءَ، وشوَّقت بسرورِها السرورَ؛ فذمَّها قومٌ عن ندامَةٍ، وحمِدَها آخرون، فصدَقوا، وذَكَّرَتْهُم فذَكَرُوا». ويقولُ أبو سليمان الدارانيُّ: «الدنيا حِجابٌ عن اللهِ لأعدائِه، ومطيَّةٌ مُوصِلَةٌ لأوليائِه». فسبحانَ مَنْ جعلَ شيئًا واحدًا سببًا للاتصال والانقطاع!الزهد الحق في غنى القلب
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعًا: «مَنْ سرَّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يدِ اللهِ أوثقَ منه بما في يدِه». والزُّهْدُ في الدنيا يكونُ في ستةِ أشياء: النفسِ، والناسِ، والصورةِ، والمالِ، والرِّئاسة، وكل ما دُون الله -عز وجل-. وقد قيلَ للإمامِ أحمدَ: أَيَكُونُ الرَّجُلُ زَاهِدًا ومعَهُ ألفُ دِينار؟ قَالَ: «نَعَم؛ عَلَى أَلَّا يَفْرَحَ إِذَا زَادَتْ، وَلَا يَحْزَنَ إِذَا نَقَصَتْ»، قال -رحمه الله-: «وَلَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ أَزْهَدَ الْأُمَّةِ مَعَ مَا عِندَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ». وفي عبارةٍ لسُفيان الثوريِّ -رحمه الله-: أَيَكُونُ الرَّجُلُ زَاهِدًا وَلَهُ مَالٌ؟ قَالَ: «نَعَم؛ إِذَا كَانَ إِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ»، وفي عبارةٍ أخرى له -رحمه الله-: «الزاهِدُ إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَشَكَرَهَا، وَإِذَا ابْتُلِيَ بِبَلِيَّةٍ صَبَرَ عَلَيْهَا؛ فَذَلِكَ الزَّاهِدُ».اليقين بالله.. مفتاح الغنى والطمأنينة
مَنْ حقَّق اليقينَ، وَثِقَ بالله في أمورِه كلِّها، ورضِي بتدبيره، ولم يتعلَّق بمخلوق، وطلبَ الدنيا بأسبابها المشروعة، ومَنْ رُزِق اليقينَ لم يُرْضِ الناسَ بِسَخَطِ الله، ولم يحمَدهم على رِزق اللهِ، ولم يذُمَّهم على ما لم يُؤتِه اللهُ. ومن رُزِق اليقين يعلمُ أن رِزقَ اللهِ لا يجُرُّه حِرْصُ حريصٍ، ولا ترُدُّه كراهيةُ كارِه؛ فكفَى باليقين غِنًى؛ ومن غَنِيَ قلبُه غَنِيَت يدَاه، ومَنِ افتقرَ قلبُه لم يَنْفَعْهُ غِناه. والقناعةُ لا تمنعُ ما كُتِبَ، والحرصُ والطمعُ لا يَجْلِبُ ما حُجِب، فما أصابَك لم يكن ليُخْطِئَك، وما أخطأَك لم يكن ليُصيبَك، ولْيخلُ قلبُك مما خَلَتْ منه يدَاكَ.القناعة والرضا مفتاح البركة وصلاح العيش
مَنِ اعتمَدَ على الله كَفَاهُ، ومَنْ سألَه أعطَاه، ومَنِ استغنَى به أغنَاه. والقناعةُ كنزٌ لا يفنَى، والرضَا مالٌ لا ينفَد. وقليلٌ يكفي خيرٌ من كثيرٍ يُلهِي. والبِرُّ لا يبلَى، والإثمُ لا يُنسَى، والديَّانُ لا يمُوتُ. وكمالُ الرجل أن يستويَ قلبُه في المنعِ والعطاءِ، والقوةِ والضَّعْفِ، والعِزِّ والذُلِّ. وأطولُ الناس غمًّا الحسودُ، وأهنأُهم عيشًا القنوعُ. والحُرُّ الكريمُ يخرُجُ من الدنيا قبلَ أن يُخْرَجَ منها، وطولُ الأمل يُنسِي الآخرة، وإذا ما سألتَ عن البركة وصالحِ الثمرة، أو سألتَ عن ضياعِ الحقوق وانتِشارِ الفُسوق؛ فانظُر في الناس، وافحَص في القناعة، وسلامةِ الصدر، وتركِ ما يَريب، وتجنُّبِ ما يَعِيبُ، والاشتِغالِ بما يعني، والكفِّ عمَّا لا يعني.فقر النفوس أهم أسباب الشقاء
مَنْ عظُمَت الدنيا في عينَيه أحبَّ المدحَ، وكرِهَ الذَّمَّ. ورُبَّما حملَه ذلك على ترك كثيرٍ من الحقِّ خَشْيَةَ الذَّمِّ، والإقدامِ على شيءٍ من الباطل ابتِغاءَ المدحِ؛ فهو كاسِبٌ لغيرِه، ساعٍ لقاعِدٍ، جامِعٌ لواجِدٍ. فقرُه بِلُؤْمِ طبعِه، وفَرْطِ شَرَهِه، وإشرافِ نفسِه، لا ينتفِعُ بشيءٍ، ولا يستريحُ من تعبٍ. كم من غنيٍّ كثير المال تحسبُه فقيرًا معدَمًا؛ نفسُه صغيرةٌ، ووجُهُه عابِسٌ ترهَقُه قَتَرَةٌ؛ حريصٌ على ما في يديه، طامِعٌ فيما لا يقدِرُ عليه.رمضان.. تحرير النفوس وتقويم القلوب
إذا كانت هذه هي حقيقةَ الدنيا، وهذه طبائعَ الناس؛ أعمالُهم تابِعَةٌ لقلوبِهم، وجاريةٌ على نياتهم ومقاصِدِهم؛ فإنَّ بين يديكم شهرًا عظيمًا مُبارَكًا؛ {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(الْبَقَرَةِ: 185). شهرُ التقوى؛ والتقوى خيرُ زادٍ مُوصِلٍ لأكمَلِ لَذَّةٍ، وأجَلِّ نعيم، ومَنْ لم يَتَزَوَّدْ بهذا الزاد فكيف يصِلُ إلى دار المُتقين؟! شهرُ رمضانَ المُبارَكُ؛ شهرُ تحريرِ النفسِ من شهواتها ورغباتها، ومن لطيف ما نبَّه إليه أهلُ العلمِ: أنَّ اللهَ -سبحانه وتعالى- جعلَ الصيامَ معادِلًا لتحريرِ رَقَبَةٍ في كفَّاراتِ القتلِ والظهارِ واليمينِ؛ فمَنْ لم يجِد تحريرَ رَقَبَةٍ فإنَّه يَعْدِلُ إلى الصيامِ؛ فالصومُ هو طريقُ تحرير النفوس من رغباتها، وضبطِ شهواتها ونزواتها. واحذَر -يا عبداللهِ- أن تدخُلَ في وعيد هذا الحديث: «رَغِمَ أنفُ رجُلٍ دخلَ عليه رمضانُ، ثم انْسَلَخَ قبل أن يُغفَرَ له»، «ومن لم يدع قولَ الزُّور والعملَ به والجهل؛ فليس لله حاجةٌ في أن يدعَ طعامَه وشَرَابَه»، «وَرُبَّ صائِمٍ ليس له من صيامِه إلا الجوعُ والعطش؛ ورُبَّ قائمٍ ليس له من قِيَامِهِ إلا السهرُ والنَّصَبُ».
لاتوجد تعليقات