اعداد: forqan
17 مارس، 2026
0 تعليق
د. صالح السعيد: البيئة الإيمانيَّة سر الأمان النفسي للأطفال أثناء الأزمات
- الأسرة المتماسكة المطمئنة قادرة على حماية الأبناء نفسيا حتى في أصعب الظروف
- الخوف لدى الأطفال أمر فطري لكن المشكلة تكمن في تحوله إلى هلع نتيجة أسلوب الحديث أو تضخيم الأحداث أمامهم
- الأطفال يتأثرون بمشاعر والديهم أكثر من الكلمات لذلك فإن هدوء الوالدين وثقتهم ينعكس مباشرة على شعورهم بالأمان
- البيئة الإيمانية داخل المنزل من صلاة وذكر وقراءة قرآن ودعاء تسهم في تخفيف التوتر وتعزيز الطمأنينة لدى الأبناء
- الأسئلة الصعبة يمكن تحويلها إلى فرص تربوية لغرس قيم الصبر والرحمة والتعاون وخدمة المجتمع
- الحفاظ على الروتين اليومي للأسرة مثل مواعيد النوم والدراسة والأنشطة المعتادة يمنح الطفل شعورًا بالاستقرار
في أوقات الأزمات والاضطرابات تتجه أنظار الأطفال إلى أسرهم بحثًا عن الأمان والطمأنينة؛ حيث تعد الأسرة الملاذ الأول الذي يستمد منه الأبناء شعورهم بالاستقرار، ومع تسارع الأخبار وكثرة ما يتردد في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، يبرز تساؤل مهم لدى كثير من الآباء والأمهات: كيف يمكن الحديث مع الأبناء عن الأحداث المقلقة دون أن يتحول ذلك إلى مصدر خوف أو قلق لديهم؟ ومن هنا تأتي أهمية هذا الحوار مع الخبير التربوي د. صالح السعيد الذي يسلط الضوء على كيفية تعامل الوالدين مع أبنائهم خلال الأزمات، وأبرز الأخطاء التي قد تقع فيها بعض الأسر في مثل هذه الظروف.
- كيف ينبغي للوالدين التحدّث مع الأبناء عن الأحداث دون أن يسبب ذلك خوفًا أو قلقًا مفرطًا؟
- ينبغي للوالدين ابتداءً أن يفرِّقا بين الخوف الفطري والهلع المفرط؛ فشيءٌ من الخوف أمرٌ فطريٌّ يجده الناس جميعًا، بل إنَّ الإنسان الذي لا يخاف مطلقًا غير سوي، أما الخوف اليسير المرتبط بوقتٍ ومصدرٍ محددين فهو خوفٌ فطري يمكن التعامل معه بهدوء وتوازن، بخلاف الهلع الذي يحتاج إلى معالجةٍ خاصة؛ ولأجل أن يكون الحوار مع الأبناء حول الأزمات حوارًا صحيحًا ومتزنًا، يُراعى ما يأتي:
- أولاً: الصدق والبساطة في نقل المعلومات: ينبغي أن يقدّم الوالدان المعلومات للأبناء بصدقٍ ووضوح، وبأسلوبٍ يناسب أعمارهم ومستوى فهمهم، دون إغراقهم بالتفاصيل المعقّدة التي قد تثير القلق، والقاعدة التربوية هنا: أجب ابنك بما يحتاج إليه، لا بكل ما تعرفه.
- ثانيًا: بثّ الطمأنينة وتعزيز المعاني الإيمانية: من المهم أن يسمع الطفل عبارات الطمأنينة، وأن يربط قلبه بالله -تعالى-، مثل قول الله -سبحانه-: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}، مع التأكيد له أن الله يحفظ عباده، وأن الدولة والمجتمع يقومان بواجباتهما في حماية الناس، وأن الأسرة متماسكة وقريبة من بعضها.
- ثالثًا: تقليل تعرّض الأبناء للأخبار: كثرة متابعة الأخبار -ولا سيما عبر وسائل الإعلام غير المنضبطة أو وسائل التواصل الاجتماعي- قد تُضخِّم مشاعر الخوف لدى الأطفال؛ لأنهم لا يملكون القدرة الكاملة على فهم الأمور الشاملة للأحداث.
- رابعًا: الصبر على أسئلة الأبناء: قد يكثر الطفل من الأسئلة أحيانًا ليطمئن نفسه أو ليصرف تفكيره عن الخوف؛ لذلك ينبغي للوالدين عدم الضجر من أسئلته، والإجابة عنها بهدوء وبقدر ما يحتاجه من المعلومات.
- خامسًا: التركيز على الحلول والقيم الإيجابية: بدلاً من التركيز على الخطر والقلق، يُوجَّه الحديث إلى معاني الصبر والتعاون، ومساعدة الآخرين، وأهمية خدمة الوطن، وأن الأزمات تمرّ وتزول إذا تكاتف الناس وتعاونوا.
- سادسًا: تجنّب التحليلات السياسية أمام الأطفال: كثرة التحليلات والتوقعات قد تزيد الارتباك والقلق، وهي غالبًا قائمة على الظنون؛ لذلك لا يُناسب عرضها على الأبناء.
- سابعًا: إظهار الهدوء أمام الأبناء: الأطفال يتأثرون بمشاعر والديهم سريعًا؛ فإذا ظهر القلق الشديد على الوالدين انتقل إليهم مباشرة؛ لذلك ينبغي أن يظهر الأبوان قدرًا من الهدوء والثقة، مع إبعاد الأبناء عن الأجواء التي يكثر فيها التوتر والقلق.
وبهذا الأسلوب المتوازن يمكن للوالدين أن يتحدّثوا مع أبنائهم عن الأزمات بصدقٍ ووعيٍ وطمأنينة، فيحفظوا قلوبهم من الخوف المفرط، ويغرسوا فيهم معاني الإيمان والثبات وحسن التعامل مع الشدائد.

- ما الأخطاء التربوية التي قد تقع فيها بعض الأسر أو الوالدين عند حدوث الأزمات؟
- تقع بعض الأسر في أخطاء تربوية أثناء الأزمات تؤثر في نفسية الأطفال وإدراكهم، وقد تحول الخوف الفطري لديهم إلى حالة من الهلع. ومن أبرز هذه الأخطاء:
- الحديث المقلق والمخيف أمام الأطفال عن الأخطار والسيناريوهات السلبية، كالتخويف من الحروب أو الكوارث وما قد يحدث من عجز أو انهيار؛ لأن ذلك يزرع في نفوسهم القلق وعدم الأمان.
- تداول الشائعات والأخبار غير الموثوقة أمامهم، ولا سيما ما يُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي؛ فالكبار أنفسهم قد يصعب عليهم التمييز بين الصحيح والزائف، فكيف بالأطفال؟!
- المبالغة في التحليل السياسي أو الأمني أمام الأطفال، وإشراكهم في نقاشات الكبار في المجالس أو التجمعات، مما يثقل عليهم بمخاوف لا تناسب أعمارهم.
ولذلك ينبغي على الوالدين ضبط الحديث أمام الأطفال، والاكتفاء بما يبعث الطمأنينة والسكينة في نفوسهم.
- ما أهم الممارسات النفسية والتربوية التي تعزز شعور الأمان داخل الأسرة في أوقات الأزمات؟
- هناك مجموعة من الممارسات النفسية والتربوية التي تسهم في تعزيز شعور الأمان لدى الأبناء أثناء الأزمات، ومن أهمها:
- الحفاظ على الروتين اليومي؛ كتنظيم مواعيد النوم والطعام والدراسة والأنشطة المعتادة؛ لأن ثبات الروتين يمنح الطفل شعورًا بالاستقرار والطمأنينة.
- المحافظة على العبادات والشعائر؛ مثل الصلاة والصيام والاجتماع على السحور والإفطار؛ فذلك يعزز السكينة ويربط الأبناء بالقيم الإيمانية.
- تعزيز التقارب الأسري؛ من خلال الجلوس مع الأبناء والحوار معهم وممارسة الأنشطة المشتركة؛ ما يشعرهم بالدعم والأمان.
- استخدام لغة الطمأنينة؛ مثل التأكيد على أن الأمور بيد الله -تعالى- وأنه الحافظ لعباده، ما يرسخ الثقة والسكينة في نفوس الأطفال.
- إشراك الأبناء في أعمال إيجابية؛ كالصدقة والدعاء ومساعدة المحتاجين؛ ما يحول نظرتهم إلى الأزمات من الخوف والقلق إلى الأمل والعمل الصالح.
- كيف يمكن للوالدين بناء الثقة بالله -تعالى- وتعزيز روح التفاؤل لدى الأبناء؟
- يُعدّ غرس الثقة بالله -تعالى- من أهم الوسائل التربوية لبناء الطمأنينة والتفاؤل في نفوس الأبناء، ويتحقق ذلك من خلال عدد من الممارسات، منها:
- تعليق القلوب بالله -تعالى- وتعليم الأبناء أن الأمور كلها بيده، مستلهمين توجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس - رضي الله عنه -: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»، وأن ما يصيب الإنسان إنما هو بقدر الله.
- توضيح معنى الابتلاء وأنه جزء من سنن الحياة، وأن المؤمن قد يمر بالشدائد كما يمر بالرخاء، وكل ذلك لحكمة يعلمها الله -تعالى-.
- سرد قصص الأنبياء في القرآن الكريم وما فيها من الصبر على الشدائد والفرج بعد الكرب؛ لما لها من أثر تربوي عميق في ترسيخ الأمل.
- تعليم الأبناء الدعاء والذكر وقت الشدة؛ مثل قول: حسبنا الله ونعم الوكيل، وكثرة الاستغفار؛ لما فيه من استجلاب للرحمة والطمأنينة.
- ترسيخ الإيمان بحسن تدبير الله -تعالى- للأمور، وأن ما قد يكرهه الإنسان قد يكون فيه خير، كما قال -تعالى-: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}.
- إيجاد بيئة إيمانية داخل المنزل من خلال الصلاة والذكر وقراءة القرآن والصدقة؛ فذلك يعزز الاستقرار النفسي، ويزيد الشعور بالأمان والطمأنينة، مصداقًا لقوله -تعالى-: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.
- كيف ينبغي للوالدين التعامل مع أسئلة الأبناء التي تتجاوز مستوى أعمارهم أو إدراكهم؟
عندما يطرح الأبناء أسئلة تتعلق بقضايا أكبر من أعمارهم أو إدراكهم، ينبغي للوالدين التعامل معها بأسلوب تربوي متزن يجمع بين الصدق والحكمة ومراعاة المرحلة العمرية، ومن أهم الأساليب في ذلك:
- الإجابة بصدق مع تبسيط المعنى: القاعدة التربوية في ذلك هي: أجب بصدق، ولكن بقدر عمر الطفل، فلا يصح الكذب على الطفل أو إنكار الواقع؛ لأن ذلك قد يفقده الثقة بوالديه عندما يكتشف الحقيقة، وفي الوقت نفسه لا ينبغي الدخول في تفاصيل معقدة أو مخيفة، بل يُكتفى بتوضيح الفكرة بطريقة مبسطة تناسب فهمه.
- الاستفسار عن مقصود الطفل قبل الإجابة: من المفيد أن يسأل الوالدان الطفل: ماذا تقصد بسؤالك؟ أو لماذا سألت عن هذا الموضوع؟ أو ماذا سمعت عنه؟ فكثير من الأطفال لا يقصدون المعنى الكامل للسؤال، وقد يكون مصدر سؤالهم أمرًا بسيطًا أو خبرًا سمعوه عرضًا، وعند معرفة المقصود يسهل تقديم الإجابة المناسبة.
- تقديم إجابة مرحلية مناسبة لعمره: ليس من الضروري أن يحصل الطفل على جميع تفاصيل الإجابة دفعة واحدة؛ فالتربية تسمح بما يسمى الإجابة المرحلية، أي إعطاء الجزء المناسب من المعلومة في الوقت الحاضر، وتأجيل بقية التفاصيل إلى مرحلة عمرية يكون فيها أكثر نضجًا وقدرة على الفهم.
- عدم التقليل من شأن السؤال أو منعه: ينبغي تجنب العبارات التي تُشعر الطفل بأن سؤاله غير مقبول، مثل: لا تسأل هذه الأسئلة، أو هذا ليس من شأنك؛ فمثل هذه الردود قد تدفع الطفل إلى البحث عن الإجابة من مصادر أخرى قد تكون غير موثوقة، والأفضل تشجيعه بقول: سؤال جميل، وسأشرح لك ما يناسب عمرك.
- تحويل الإجابة إلى فرصة لغرس القيم: بدلاً من الدخول في تفاصيل قد تكون مخيفة أو معقدة، يمكن للوالدين ربط الإجابة بقيم تربوية إيجابية؛ مثل الصبر، والثقة بالله، والرحمة بالآخرين، ومساعدة المحتاجين؛ فبهذا تتحول الأسئلة الصعبة إلى فرص تربوية تعزز البناء القيمي والنفسي لدى الأبناء.
لاتوجد تعليقات