حُرمة ترويع الآمنين في الإسلام
- الأمن مقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية إذ تقوم عليه حياة الناس وتستقيم به مصالح المجتمعات
من مقاصد شريعة الإسلام حفظ النفوس وصيانة الأمن وبناء الطمأنينة في المجتمع؛ فالأمن في الإسلام مقصد شرعي عظيم من مقاصد الشريعة، تقوم عليه حياة الناس وتستقيم به مصالحهم؛ ولهذا شدّد الإسلام في النهي عن كل ما يزعزع أمن المجتمع أو يثير الخوف في قلوب الآمنين، وفي ظل ما تشهده منطقة الخليج من أحداثٍ متسارعة وتوتراتٍ مقلقة، تتجدد الحاجة إلى استحضار القيم الإسلامية العظيمة التي أرستها الشريعة في حفظ الأمن وصيانة الأرواح وحرمة ترويع الآمنين.
إن هذه الأحداث تذكّرنا بحقيقة كبرى، وهي أن الأمن نعمة عظيمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها، وأن المجتمعات التي يشيع فيها الخوف والاضطراب لا يمكن أن تستقيم فيها حياة، ولا أن تنهض فيها حضارة؛ ولهذا فإن الواجب على الجميع -أفرادًا ومجتمعاتٍ ومؤسسات- أن يتكاتفوا لحماية أمن الأوطان وصيانة استقرارها، وأن يقفوا صفا واحدًا في مواجهة كل ما يهدد الطمأنينة أو يثير الفزع بين الناس.تحريم الاعتداء على الإنسان
لقد جاءت الشريعة الإسلامية لحفظ الضرورات الخمس التي تقوم عليها حياة البشر، وفي مقدمتها حفظ النفس؛ ولذلك حرّمت الاعتداء على الإنسان في دمه أو ماله أو عرضه، وجعلت ذلك من أعظم الجرائم، ولم يقتصر الإسلام على تحريم الاعتداء على الأرواح فحسب، بل امتدّ تحريمه ليشمل ترويع الناس وإخافتهم؛ لأن الشريعة تريد أن يعيش المجتمع في ظل السكينة والطمأنينة، لا في أجواء القلق والرعب، وقد عدَّت الشريعة ترويع الناس وإخافتهم من أعظم أنواع الاعتداء والفساد في الأرض، ومن أعظم نعم الله على عباده، نعمة الأمن، كما قال -سبحانه-: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} (قريش:4)، فقرن -سبحانه- الأمن بالطعام؛ لأن به قوام الحياة واستقرارها.حرمة الدماء وترويع الآمنين
لقد شدّد الإسلام في تحريم الاعتداء على الناس بغير حق، وجعل حرمة دم المسلم عظيمة عند الله -تعالى-. قال -سبحانه-: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} (النساء: 93)، بل إن حرمة الدماء ليست خاصة بالمسلمين فحسب؛ بل تشمل كل نفس معصومة؛ إذ يقول الله -تعالى-: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: 32)، ولم يقتصر النهي على القتل والاعتداء المباشر؛ بل شمل مجرد إخافة الناس وترويعهم؛ لأن ذلك يهدد أمن المجتمع ويزرع الرعب في قلوب الأبرياء. كما جاءت السُنَّة النبويَّة بالنهي الصريح عن ترويع الناس، ولو كان ذلك على سبيل المزاح أو اللعب، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحلُّ لمسلمٍ أن يُروِّعَ مسلمًا»، وفي حديث آخر قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يأخذنَّ أحدُكم متاعَ أخيه لاعبًا ولا جادًّا»؛ فإذا كان الإسلام ينهى عن ترويع الإنسان بمزاحٍ عابر، فكيف بمن يتعمّد إخافة الناس وترويعهم وإدخال الرعب إلى قلوبهم؟! ولا شك أنَّ هذا يدل على عظمة الشريعة الإسلامية التي تحمي الإنسان حتى من الأذى النفسي، فضلاً عن الأذى الجسدي.تحريم الاعتداء على المدنيين
من أعظم مظاهر عدل الإسلام وإنسانيته أنه حرّم الاعتداء على المدنيين وغير المقاتلين حتى في زمن الحرب، فقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى امرأة مقتولة في إحدى الغزوات، فأنكر ذلك وقال: «ما كانت هذه لتقاتل»، كما كان - صلى الله عليه وسلم - يوصي قادة الجيوش قائلاً: «اغزوا باسم الله، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأة»، وكان الخلفاء الراشدون يسيرون على هذا النهج؛ فقد أوصى أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - قادة الجيوش قائلاً: «لا تقتلوا امرأة ولا صبيًّا ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تخربوا عامرًا»، وهذا يبيّن أن الإسلام سبق القوانين الدولية المعاصرة بقرون طويلة في حماية المدنيين ومنع استهدافهم.من أنواع الفساد في الأرض
إن ترويع الناس وإخافتهم يدخل في باب الفساد في الأرض الذي حذّر الله منه أشد التحذير، قال -تعالى-: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (البقرة: 205)، كما قال -سبحانه-: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} (المائدة: 33)؛ فكل عمل يؤدي إلى زعزعة الأمن أو نشر الخوف بين الناس يعدّ من الفساد الذي توعد الله فاعله بالعقوبة الشديدة.الأمن نعمة عظيمة يجب حفظها
الأمن في الإسلام نعمة عظيمة يجب حفظها؛ ولذلك فإن الاعتداء على الناس أو ترويعهم يعد جريمة عظيمة في ميزان الشريعة؛ فالإسلام دين الرحمة والعدل والسلام؛ ولذلك حرّم ترويع الآمنين، وشدّد في حماية المدنيين، وجعل الاعتداء عليهم من أعظم الجرائم، ومن تدبّر نصوص القرآن والسُنَّة أدرك أن الأمن مقصد عظيم من مقاصد الشريعة، وأن نشر الخوف بين الناس ليس من أخلاق الإسلام في شيء، بل هو من الفساد الذي جاءت الشريعة لمحاربته.
لاتوجد تعليقات