قراءة متأنية في مضامين خطاب سمو أمير البلاد في العشر الأواخر من رمضان 1447 هـ
- بنى سمو الأمير -حفظه الله- خطابه على ثلاث ركائز متكاملة هي: الوعي واليقظة والثقة
- خطاب وحدة وطنية في ظل الاعتداءات الإيرانية الآثمة التي طالت المجال الجوي الكويتي والأراضي والبنية التحتية، وأدّت إلى سقوط شهداء
- المواطن هو حارس للجبهة الداخلية، ومسؤول عن حماية المجتمع من الفتن والشائعات، واللافت هنا أن سمو الأمير يُلفت النظر إلى أن الحرب المعاصرة لها أبعاد نفسية ومعلوماتية لا تقل خطورة عن البعد العسكري
- قراءة هذا الخطاب تحتاج إلى أكثر من نظرة تحليلية وإنما إلى بصيرة تستنطق النصوص الشرعية، وإلى عين استراتيجية ترصد الرسائل متعددة الاتجاهات، وإلى وعي بالسياق الإقليمي
- قدّم سمو الأمير توصيفًا دقيقًا للاعتداء، حيث وصفه بأنه «اعتداء غاشم من دولة جارة مسلمة صديقة»! وهذا التوصيف بالغ الدلالة من الناحية الشرعية والسياسية معاً
- أكد سمو الأمير حق الكويت الكامل في الدفاع عن نفسها بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وهي رسالة بالغة القوة من دولة عُرفت تاريخيًا بدبلوماسيتها الهادئة
- وجدت الكويت نفسها في قلب هذه العاصفة رغم إعلانها المتكرر للحياد وعدم السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها في أي عمل عسكري
- بدأ سمو الأمير خطابه بوصف رمضان بأنه (مدرسة جامعة للقيم والأخلاق والمبادئ والفضائل)، مشدداً على قيم الصبر والانضباط والتراحم والإيثار
- خصّص سمو الأمير جزءًا كبيراً من خطابه لتحصين الجبهة الداخلية، مؤكداً أن «الكويت خط أحمر، وسيادتها مصونة بإرادة شعبها وبسالة رجاله ونسائه»
- من حكمة سمو الأمير -حفظه الله- أنه ربط أمن الكويت بأمن الخليج كله، مؤكداً أن «أمن دول مجلس التعاون كلّ لا يتجزّأ»، وأن «أي مساس بسيادة دولة عضو هو مساس بالأمن الجماعي»
- لقد وازن الخطاب بمهارة بالغة بين الحزم العسكري والحكمة الدبلوماسية
إعداد: ذياب أبو سارة - وائل سلامة
جاء الخطاب الأميري في، العشرين من رمضان 1447هـ، الموافق التاسع من مارس 2026م على لسان سمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح-حفظه الله ورعاه-؛ ليخاطب شعبه في توقيت بالغ الدقة والرمزية؛ فهي ليالي العشر الأواخر من رمضان؛ حيث تتفتّح القلوب للدعاء والتضرع، ويبلغ الإيمان ذروته في ليلة القدر؛ غير إن هذا الخطاب لم يكن كلمة رمضانية تقليدية من تلك التي اعتاد الناس سماعها في مواسم الخير؛ بل كان خطاب وحدة وطنية في ظل الاعتداءات الإيرانية الآثمة التي طالت المجال الجوي الكويتي والأراضي والبنية التحتية، وأدّت إلى سقوط شهداء من منتسبي القوات المسلحة وطفلة بريئة وضحايا من دول صديقة، لذلك فإن قراءة هذا الخطاب تحتاج إلى أكثر من نظرة تحليلية وإنما إلى بصيرة تستنطق النصوص الشرعية، وإلى عين استراتيجية ترصد الرسائل متعددة الاتجاهات، وإلى وعي بالسياق الإقليمي الذي صدر فيه، وهذا ما نحاول القيام به في هذه القراءة التحليلية العاجلة:
التحوّل من خطاب المناسبة إلى خطاب الأزمة
عادة ما تكون خطابات العشر الأواخر في البروتوكول الخليجي إيمانية الطابع، تُعنى بالوعظ والتذكير بفضائل الشهر الكريم، لكن هذا الخطاب كسر هذا النمط المعتاد ليرسخ وعياً مقصوداً يواكب الحدث؛ إذ تحوّل إلى خطاب طوارئ سياسية وأمنية، وهو ما يعكس حجم التهديد الذي تواجهه دولة الكويت، والعبرة هنا أن اختيار هذا التوقيت بالذات -ليالي العشر الأواخر- لم يكن مصادفة؛ بل كان توظيفاً ذكيا للحظة الإيمانية الأعمق في مواسم الطاعات، لمنح الرسائل السياسية والأمنية بُعداً إيمانيا يضاعف من تأثيرها في النفوس والعقول.
المشهد الإقليمي والتطورات الراهنة
لا يمكن فهم الخطاب بمعزل عن السياق الإقليمي المشتعل؛ فالمنطقة تشهد تصعيداً عسكريًا منذ 28 فبراير 2026، وما تلاه من هجمات إيرانية، طالت أراضي ومنشآت في عدد من دول الخليج والدول المجاورة، وقد وجدت الكويت نفسها في قلب هذه العاصفة رغم إعلانها المتكرر للحياد وعدم السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها في أي عمل عسكري. وإن هذا السياق يجعل الخطاب أشبه بإعلان موقف استراتيجي شامل، لا مجرد كلمة مناسبة، وهو ما يفسّر الحدّة الدبلوماسية غير المسبوقة في لغة سمو الأمير.التأسيس القيمي قبل التوجيه السياسي
بدأ سمو الأمير خطابه بوصف رمضان بأنه (مدرسة جامعة للقيم والأخلاق والمبادئ والفضائل)، مشدداً على قيم الصبر والانضباط والتراحم والإيثار. وهذا التأسيس ليس استهلالاً بلاغيًا عابراً، بل هو تأصيل منهجي عميق في فقه السياسة الشرعية؛ ففي المنهج الإسلامي، لا تنفصل السياسة عن الأخلاق، والحاكم الراشد يُذكّر الأمة بالقيم قبل أن يطلب منها المواقف، وحين يفتتح سمو الأمير بهذا التأسيس القيمي، فإنه يؤصّل لمبدأ: أن الاستجابة الوطنية للأزمة ليست مجرد واجب سياسي، بل هي فريضة أخلاقية ودينية تنبع من صميم معاني رمضان.من العبادة الفردية إلى التعبئة الجماعية
الأعمق في هذا التأسيس أن سمو الأمير جعل الصبر المطلوب ليس صبرًا على الصيام والقيام فحسب؛ بل صبرًا على تحمّل أعباء الأزمة.. والانضباط ليس انضباط النفس في رمضان فقط، بل انضباط المجتمع في وجه الشائعات والفتن، ولا شك أن هذا البعد ينسجم مع قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا}؛ فالآية الكريمة تجمع بين الصبر الفردي والمصابرة الجماعية والرباط الذي هو حراسة الثغور، وتتأكد هذه الفريضة بالقاعدة الأصولية الكبرى: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»؛ فحفظ الدين والنفس لا يتمّان إلا بحفظ البلد الآمن الذي تُقام فيه الشعائر ويُصان فيه الأمن.
ثلاثية: الوعي واليقظة والثقة
لقد بنى سمو الأمير -حفظه الله- خطابه على ثلاث ركائز متكاملة، يمكن قراءة كل واحدة منها في ضوء النصوص الشرعية والمقاصد الكبرى:- الركيزة الأولى: الوعي - ضرورة وطنية وفريضة شرعية
- الركيزة الثانية : اليقظة - واجب على كل فرد
- الركيزة الثالثة: الثقة - خط الدفاع الأول
توصيف العدوان والأبعاد الشرعية والقانونية
قدّم سمو الأمير توصيفًا دقيقًا ومحسوبًا للاعتداء، واصفاً إياه بأنه «اعتداء غاشم من دولة جارة مسلمة صديقة»! وهذا التوصيف بالغ الدلالة من الناحية الشرعية والسياسية معاً؛ فوصف الدولة المعتدية بأنها «جارة مسلمة صديقة» يضاعف من قبح الاعتداء شرعيا؛ لأن حقوق الجوار في الإسلام عظيمة، والاعتداء على الجار المسلم من أشدّ المنكرات؛ كما أنه يؤسّس لحجّة دبلوماسية قوية بأن الكويت لم تكن طرفاً معادياً بأي شكل، وقد أكد سمو الأمير أن الكويت أبلغت إيران مراراً عبر القنوات الدبلوماسية بعدم السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها أو سواحلها في أي عمل عسكري ضدها.. وهذا التوضيح يقطع أي ذريعة، ويؤسّس لموقف قانوني ودولي صلب بأن الاعتداء غير مُسوَّغ بأي حال.
الغطاء الشرعي والقانوني للدفاع
أكد سمو الأمير حق الكويت الكامل في الدفاع عن نفسها بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وهي رسالة بالغة القوة من دولة عُرفت تاريخيًا بدبلوماسيتها الهادئة؛ ولا شك أن هذا الحق القانوني الدولي يتطابق تطابقاً تاماً مع الأصل الشرعي القطعي في قوله -تعالى-: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، فالآية تجمع بين إباحة الدفاع ووجوبه عند الاعتداء، وبين النهي عن التجاوز، وهو ما عبّر عنه سمو الأمير بقوله إن الرد يكون «بما يتناسب مع حجم هذا الاعتداء وشكله»، وهذا التناسب هو عين «فقه الموازنة» في السياسة الشرعية. ويعزز ذلك أيضا الحديث النبوي الشريف: «مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»؛ فشهداء القوات المسلحة والطفلة البريئة الذين ذكرهم سمو الأمير يندرجون تحت مفهوم «شهداء الدفاع عن الديار» في الفقه الإسلامي، وهو ما يمنح الرد الكويتي غطاءً شرعيا قطعيا لا لبس فيه.
الوحدة الوطنية بوصفها مقصداً شرعيا أعلى
خصّص سمو الأمير جزءًا كبيراً من خطابه لتحصين الجبهة الداخلية، مؤكداً أن «الكويت خط أحمر، وسيادتها مصونة بإرادة شعبها وبسالة رجاله ونسائه»، وهذا التأكيد يستدعي أعظم آيات الوحدة في القرآن الكريم: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}. واللافت أن سمو الأمير لم يقصر خطابه على المواطنين فحسب، بل شمل المقيمين على أرض الكويت وضيوفها الكرام، في تكافل يذكّر بالمؤاخاة النبوية بين المهاجرين والأنصار! وهذا الشمول يعكس وعياً بأن الجبهة الداخلية تتضمن كل من يعيش على أرض الوطن، لا المواطنين وحدهم. كما أن ذكر «رجاله ونسائه» يؤكد أن الدفاع عن الوطن مسؤولية مشتركة لا تختصّ بجنس دون آخر، وهو معنى إسلامي أصيل تشهد له مواقف الصحابيات في الغزوات النبوية.التحصين الداخلي قبل المواجهة الخارجية
من الناحية الاستراتيجية، يحمل تأكيد الوحدة الوطنية بُعداً داخليا بالغ الأهمية، وهذا ينسجم مع قاعدة فقهية كبرى مفادها أن تحصين البنيان الداخلي أولى من التوسّع في المواجهة الخارجية؛ فالفرقة - كما يُقرّر الفقهاء - مفسدة أعظم من العدوان الخارجي؛ لأن العدو الخارجي يمكن دفعه بالقوة، أما التفكّك الداخلي فيهدم الأمة من الداخل دون أن تحتاج إلى عدوّ من الخارج.المعادلة المتزنة: حياد + حماية السيادة
لقد وازن الخطاب بمهارة بالغة بين عنصرين يبدوان متناقضين ظاهريا: الحزم العسكري والحكمة الدبلوماسية؛ فمن جهة، أعلن سمو الأمير رفع الجاهزية العسكرية إلى الدرجة القصوى وتشديد حماية المنشآت الحيوية، ومن جهة أخرى، دعا المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته في إدانة العدوان واتخاذ مواقف حاسمة، ولا شك أن مثل هذا التوازن هو عين السياسة الشرعية التي تقوم على القاعدة الفقهية الكبرى: «درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح»؛ فالهدف ليس الحرب لذاتها، بل حماية الأمن والاستقرار بأقل الأثمان، وهذا يشبه ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية: قوة ظاهرة مع حكمة خفيّة، وتنازل تكتيكي يحقق مكسباً استراتيجيا.
الأمن الخليجي الجماعي: عقيدة لا مجاملة
ومن حكمة سمو الأمير -حفظه الله- أنه ربط أمن الكويت بأمن الخليج كله، مؤكداً أن «أمن دول مجلس التعاون كلّ لا يتجزّأ»، وأن «أي مساس بسيادة دولة عضو هو مساس بالأمن الجماعي». وهذا الطرح يتجاوز التضامن الشكلي إلى تأسيس لعقيدة أمنية إقليمية مشتركة، تستمدّ مشروعيتها من مبدأ التناصر في الإسلام.. وبذلك وجه سموه رسائل متعددة الاتجاهات:- رسالة إلى إيران: أن الكويت لا تريد التصعيد، لكنها مستعدة للدفاع؛ وهي رسالة ردع بلغة حكيمة دون إعلان مواجهة مباشرة.
- رسالة إلى المجتمع الدولي: دعوة صريحة لإدانة العدوان واتخاذ مواقف حاسمة، مع تأسيس لموقف قانوني ودبلوماسي يُهيّئ الأرضية للتحرك في الأمم المتحدة.
- رسالة إلى الداخل الكويتي: الوحدة الوطنية وتعزيز الالتفاف حول مؤسسات الدولة.
- رسالة إلى الدول الخليجية: بأن الكويت جزء لا يتجزّأ من منظومة أمن الخليج، لكنها تحافظ على دبلوماسيتها المتوازنة ودورها التاريخي بوصفها وسيطا إقليميا.
البعد الإنساني: خطاب الأب القائد
ولا يمكن إغفال اللغة الأبوية التي اختارها سمو الأمير، حين استهلّ كلامه بعبارات الأخوة والأبوّة، مخاطباً الشعب بلغة العائلة الواحدة. كما خصّ بالذكر الشهداء من منتسبي القوات المسلحة والطفلة البريئة والضحايا من الدول الصديقة، وهذا البُعد الإنساني يدل على أن القيادة تشعر بكل خسارة على المستوى الشخصي، وهو ما يعزّز الثقة ويقوّي الرابطة بين الحاكم والمحكوم؛ كما كان في الخطاب استحضار الذاكرة التاريخية؛ حيث أشار سمو الأمير إلى أن الكويت مرّت عبر تاريخها بمحطات صعبة، وخرجت منها أشدّ صلابة!الخــاتــمــة:
إن هذا الخطاب يمثّل نقلة نوعية في الخطاب السياسي الكويتي والخليجي على حدّ سواء؛ فقد جمع بين الحزم والحكمة، وبين المشاعر الإيمانية الرمضانية والواقعية الاستراتيجية. إنه خطاب حرب لكنه مُسيَّج بلغة السلام، وخطاب أزمة لكنه مبني على الثقة والتماسك؛ كما إنه يعيد صياغة فقه السياسة الشرعية لعصرنا المعاصر في معادلة ثلاثية: قوة مع رحمة، ودفاع مع صبر، ووحدة مع تثبّت، ويؤسّس لمرحلة جديدة في السياسة الخارجية الكويتية قائمة على الحق المشروع في الدفاع عن النفس، مع الحفاظ على النهج الدبلوماسي والقانوني الذي تتميز به الكويت تاريخيا، كما أن هذا الخطاب يُعلّم الأمة درساً بليغاً: أن الأزمات في التصور الإسلامي ليست مجرد أحداث سياسية عابرة، بل هي اختبارات للإيمان والوعي والصدق في الانتماء، وأن العشر الأواخر ليست فقط لزيادة النوافل، بل أيضاً لترسيخ معاني المسؤولية الوطنية والتكافل المجتمعي وحراسة الوطن. حفظ الله الكويت وأهلها وقيادتها، وردّ عنها كيد الكائدين، وأعاد عليها رمضان وقد عمّ الأمن والسلام.
لاتوجد تعليقات