خواطر الكلمة الطيبة .. تنقية الحديث وحماية الشريعة
- خدمة السُنَّة النبويَّة شرفٌ عظيم وحراسة جنابها أمانةٌ جسيمة وقد سخّر الله لها عبر العصور علماء صادقين بذلوا أعمارهم في صيانتها
أستهلُّ حديثي بالكلام عن حادثةٍ عالقةٍ في الذاكرة، وقعت عام 1981م في مسجد الإمام أحمد بن حنبل بدولة الكويت؛ حيث كان يؤمُّ الناس آنذاك الشيخ رجب عودة -رحمه الله-، أحد مشايخ الدعوة السلفية في الكويت، وكان يقيم درسًا علميًّا بعد صلاة العصر يومي الاثنين والخميس، وبينما هو يقرأ من كتابٍ بين يديه، انطلقت من بين الحاضرين كلمةٌ واحدة: «ضعيف»› فتوقّف الشيخ فورًا، وقال بهدوء العالم الواثق: «يا إخواني، هذا الحديث ضعيف?، استغفروا الله، وننتقل إلى الحديث الآخر».
وكان قائل هذه العبارة الشيخ عبدالله السبت -رحمه الله-، فما إن سمع الشيخ رجب تلك الإشارة حتى تراجع دون تردّد؛ وكانت تلك أول مرة أسمع فيها مصطلح «ضعيف»! فسألت عن معناه، فقيل لي: هو ما لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنذ ذلك اليوم أدركت أن السُنَّة النبوية ليست مرتبةً واحدة، بل منها الصحيح والضعيف، وأن التمييز بينهما علمٌ راسخٌ له أصوله وقواعده، يقوم عليه رجالٌ أفنوا أعمارهم في صيانة حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حفظًا للشريعة، وذبًّا عن جنابها.يقظة علمية
لقد كانت تلك الحادثة - وقبلها غيرها - دليلاً على يقظةٍ علميةٍ عند طلبة العلم؛ إذ كانت لديهم عنايةٌ دقيقة بما يُقال في المساجد، وحرصٌ على تنقية السُنَّة مما لا يصحّ، فلا يُنشر حديثٌ ضعيف، ولا يُبنى حكمٌ شرعيٌّ على ما لم يثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الروح النقدية العلمية لم تكن معروفةً على هذا المستوى قبل الاهتمام بصحة الأحاديث في الكويت.الطعن في السُنَّة النبويَّة
ومن المعلوم أن ظاهرة الوضع في الحديث بدأت مبكرًا، منذ القرن الأول الهجري، حين عجز أعداء الإسلام عن النيل من القرآن الكريم - لحفظ الله له - فاتجهوا إلى السُنَّة النبويَّة، فوُضعت الأحاديث، ودُسّ الضعيف والموضوع، بقصد التشويش على الأمة. غير إن الله تعالى قد تكفّل بحفظ دينه، كما قال -سبحانه-: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، ومن الذكر سنّة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهي وحيٌ محفوظ بحفظ الله، قيّض لها رجالاً أفذاذًا في كل عصر، يذبّون عنها، وينقّونها، ويُميزون صحيحها من سقيمها.جهود علماء الحديث
ومن يطالع تاريخ علماء الحديث منذ القرن الأول إلى يومنا هذا، يقف على جهودٍ جبارةٍ غيّرت الواقع العلمي، وأعادت للأمة وعيها بأهمية التثبت، وفي عصرنا الحديث برزت جهود عظيمة في هذا الباب، من أبرزها جهود الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله-، الذي بذل عمره في خدمة السُنَّة، ومن ذلك سلسلته المشهورة: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، التي ضمّت آلاف الأحاديث مع بيان عللها وآثارها على الأمة.تتابع الجهود
ثم تتابعت الجهود، فقام تلميذه الشيخ علي حسن الحلبي -رحمه الله- مع الدكتور القيسي بجمع موسوعة الأحاديث والآثار الضعيفة، وهي موسوعة كبيرة حشدت عشرات الآلاف من الأحاديث والآثار الضعيفة، مع الإحالة إلى مصادرها وبيان درجتها. وهذه الأعمال ليست مجرد جمعٍ علمي، بل هي سدٌّ منيعٌ أمام تسرب الخطأ إلى العقيدة والعبادة والسلوك.نبرة التثبت
ومن ثمار تلك الجهود المباركة أن صارت «نبرة التثبت» حاضرة حتى عند عامة الناس؛ يسألون عن الحديث: أهو صحيح أم ضعيف؟ بل إن بعض الكُتّاب من غير المتخصصين صاروا يتحرّون صحة الحديث قبل نشره. وأذكر أن أحد الكتّاب كان يتواصل معي ليسأل عن درجة الأحاديث التي يوردها في مقالاته، إدراكًا منه أن هذا العلم له أهله، وأن الخوض فيه بغير تثبت مخاطرة عظيمة. وأذكر موقفًا آخر يؤكد أهمية هذا الباب؛ إذ أُلقيت خطبة جمعة تناولت الحج، ووردت فيها أحاديث لم نألفها في كتب السُنَّة المعتمدة، وبعد البحث في مصادر التخريج، تبيّن أن تلك الأحاديث من الضعيف. فعلمت حينها خطورة النقل دون تحقيق، وأن حسن النية لا يُغني عن صحة الدليل.وعيدٌ شديد
إن منطلق هذا الاهتمام كله هو الحديث المتواتر الذي رواه النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، وفي رواية: «إيَّاكُم وَكثرةَ الحديثِ عنِّي! فمن قالَ عليَّ، فليقُلْ حقًّا أو صدقًا، ومن تقوَّلَ عليَّ ما لم أقُلْ، فليتبوَّأ مقعدَهُ منَ النَّارِ»، وهذا وعيدٌ شديد، يشمل الراوي والناقل والناشر إذا لم يتثبت، لأن نشر الحديث دون تحقق قد يوقع في نسبة ما لم يقله النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه، وهو أمر خطير يمس أصل الدين، ولهذا نرى اليوم -بحمد الله- حتى في الخطب الرسمية عنايةً ببيان درجة الحديث، والتنبيه إلى تصحيحه أو تضعيفه. وهذه يقظةٌ علمية تُبشّر بخير، وتدل على أثر تلك الجهود المباركة في ترسيخ منهج التثبت.
شرفٌ عظيم
وفي الختام، فإن خدمة السُنَّة النبويَّة شرفٌ عظيم، وحراسة جنابها أمانةٌ جسيمة، وقد سخّر الله لها عبر العصور علماء صادقين، بذلوا أعمارهم في صيانتها، ونسأل الله أن يبارك في جهود العلماء وطلبة العلم، وأن يجعل أعمالهم خالصةً لوجهه الكريم، وأن يحفظ لهذه الأمة دينها وسنة نبيها -[-، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.أهمية علم الحديث
قال العلامة ابن الصلاح -رحمه الله-: هذا، وإن علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة، يحبه ذكور الرجال وفحولتهم، ويعنى به محققو العلماء وكملتهم، ولا يكرهه من الناس إلا رذالتهم وسفلتهم؛ وهو من أكثر العلوم تولجا في فنونها، لا سيما الفقه الذي هو إنسان عيونها؛ ولذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفي الفقهاء، وظهر الخلل في كلام المخلين به من العلماء» اهـ.، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وإنما صار أكثر، لاحتياج كل من العلوم الثلاثة إليه أما الحديث فظاهر، وأما التفسير، فإن أولى ما فسر به كلام الله تعالى ما ثبت عن نبيه صلى الله عليه وسلم، ويحتاج الناظر في ذلك إلى معرفة ما ثبت مما لم يثبت، وأما الفقه فلاحتياج الفقيه إلى الاستدلال بما ثبت من الحديث دون ما لم يثبت، ولا يتبين ذلك إلا بعلم الحديث» اهـ، وقال الحافظ العراقي رحمه الله: «فعلم الحديث خطير وقعه، كثير نفعه، عليه مدار أكثر الأحكام، وبه يعرف الحلال والحرام، ولأهله اصطلاح لا بد للطالب من فهمه، فلهذا ندب إلى تقديم العناية بكتاب في علمه» اهـ.
لاتوجد تعليقات