رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ 9 مارس، 2026 0 تعليق

عشر قواعد شرعية في النوازل الكبرى

  • يجب النظر إلى عواقب  النازلة ومراعاة المآلات في جميع الأفعال والتصرفات فلا عبرةَ بأحكام النوازل ما لم تستند إلى اعتبار فقه المآلات
  • الحكم على النازلة بمَعزِلٍ عن أسبابها ودوافعها ومقدماتها الفكرية والعقدية هو حكم ناقص أو متعجل لا يُسهِم في الخروج من الأزمة ولا يتصف بالحكمة والمصلحة
 

تحديد الموقف الشرعي من أي حدث، سواء كان كبيرًا أم صغيرًا، هو عبادةٌ يتقرب بها الإنسان إلى ربه، ويجعل منها قربة وطاعة صادقة في دينه، ولتحقيق هذا الموقف الصحيح، يحتاج الإنسان إلى نية خالصة صادقة، وبصيرة نافذة، وتجردٍ كامل للحق مستندًا إلى أدلته وشواهده؛ فالموقف الشرعي ليس مجرد رأي عابر، بل هو انعكاس للفهم السليم للشريعة، واستيعاب عميق لحكمة الله في كل ما يحدث حولنا، ومن هنا تبدأ مسؤولية المسلم في النظر بعين الحق والعدل قبل إصدار أي حكم أو موقف.

وقد انقسم الناس في المواقف الشرعية من النوازل الفقهية والأحداث السياسية الداخلية والخارجية إلى أصناف ثلاثة: - الصنف الأول: يكون حكمه عليها وموقفه منها تابعاً لفكره وتصوراته وحزبيته وانتمائه؛ فهو تعبير عن التوجه الديني أو الميل الفكري الخاص، وهذا الصنف لا تسمع منهم جديداً إلا تكرار الجمل وإطلاق الأحكام. - الصنف الثاني: يكون تابعاً للإعلام الموجه؛ يتقلب بين الآراء والأقوال، ويعيش التناقضات في نقل الأخبار من غير موقف واضح، ولا نظر راجح. - الصنف الثالث: يتجرد في مواقفه، ويتحرى في أحكامه، ويتأمل في تصوراته، ويتثبت في أخباره؛ يستند إلى أصول صحيحة، ويعالج قضايا دقيقة ويحكم على الواقع بأحكام شرعية عادلة وسديدة؛ لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق، ويفصّل في القضايا بعلل وأوصاف منضبطة، لا يخضع للهوى، ولا يكون أسيراً للإعلام، وإنما يفكر باعتدال، وينطق بإحكام.

أصول صحيحة وقواعد متينة

وهذا الصنف الثالث قد استند في أحكامه ومواقفه إلى أصول صحيحة، وقواعد متينة في البحث والنظر في نوازل الأمة وقضاياها الكبرى، ومن هذه القواعد والأصول:

القاعدة الأولى: العلم بالأحكام الشرعية الكلية

        العلم بالأحكام الشرعية الكلية لهذه الحوادث والنوازل؛ فيعلم حكمها الكلي؛ ويجعل هذا الحكم الكلي بمثابة الأصل الذي ترجع إليه الفروع والقاعدة التي تجتمع عليها صور الوقوع، فإذا كانت النازلة هي اعتداء على بلد؛ فهنا لابد أن يعلم قاعدة الشرع في دفع الضرر والخطر وتقديم المصلحة العامة على الخاصة، وإذا كانت النازلة هي تهييج وخروج فلابد أن يعلم أصول الشريعة في تحريم الخروج على الحكام، وإذا كانت النازلة هي فتنة واقتتال؛ فيتعين عليه أولاً أن يستحضر قاعدة الشرع في تحريم الدماء المعصومة، ووجوب تسكين الفتن الثائرة، ومن لم تكن الكليات - عنده -  في وقت وقوع النازلة حاضرةً في الأذهان فلا تنتظر منه أن يكون من أهل الحجة والبرهان.

القاعدة الثانية: النظر الجزئي في النازلة

        النظر الجزئي في النازلة؛ فيتصور واقع النازلة تصورًا دقيقًا؛ فيعلم كيفية وقوعها، ويقف على حيثياتها وملابساتها وظروفها ونطاقها وواقعها؛ فإذا كانت النازلة هي احتلال فلا يتصورها على أنها فتح وانتصار، وإذا كانت فتنة واقتتالا فلا يتصورها أو يصوّرها على أنها تغيير وإصلاح...، ومن لم يحسن تصور النوازل، ويعلم كيفية وقوعها، لا يهتدي إلى أحكامها، ويبقى أسيراً للتصورات المغلوطة والتحليلات المظنونة.

القاعدة الثالثة: الوقوف على أسباب النازلة

        الوقوف على أسباب النازلة ومقدماتها؛ وهذا النظر في الأسباب والمقدمات والدواعي يورث طالبَ الحق العلم المفصل، والنظر المؤصل، والقدرة على التشخيص ووضع الحلول؛ فيجمع في حكمه بين المقدمة والنتيجة، وبين الداء والدواء؛  إذِ الحكم على النازلة بمَعزِلٍ عن أسبابها المادية والمعنوية، ودوافعها النفسية والتاريخية، ومقدماتها الفكرية والعقدية، وذرائعها السياسية والاقتصادية، هو حكم ناقص أو متعجل، ويبقى تنظيراً لا يهدي إلى عمل، ولا يُسهِم في الخروج من الأزمة، ولا يتصف بالحكمة والمصلحة.

القاعدة الرابعة: النظر إلى عواقب الأحداث

         النظر إلى عواقب الأحداث وآثار النازلة، ومراعاة المآلات في جميع الأفعال والتصرفات؛ فلا عبرةَ بأحكام النوازل ما لم تستند إلى اعتبار فقه المآلات؛ ولا فائدة من البيانات والمواقف إذا لم تقم على النظر في العواقب؛ بل هذا النظر في فقه المآلات داخل في الدليل الهادي إلى الحق بإذن الله -تعالى-، (إذا اشتبه عليك الأمر؛ فانظر إلى آثاره وثماره؛ فمن آثارهم تعرفهم)، ففقه المآلات شرط لحصول البصيرة في أحكام النوازل، وهو الحد الفاصل بين التحقق والتعجل.

القاعدة الخامسة: معرفة الأوصاف والعلل

         أن يقف طالبُ العلم بالنازلة على الأوصاف والعلل المؤثرة في أحكام النازلة؛ فالنازلة إذا وقعت، والمحنة إذا بدأت، هي كالصورة المركبة من أعضاء كثيرة وأجزاء عديدة؛ لكن تلك الأجزاء والأعضاء ليست على حد سواء في التأثير في حقيقة هذه الصورة وماهيتها؛ فبعضها تكميلي، وبعضها تبعي، وبعضها أصلي؛ لهذا ينبغي تحديد الأجزاء والأوصاف التي لها تأثير قوي وأصلي في صورة النازلة، فأنت ترى بلداً فيه احتلال، وآخر قد أحاطته الفتنة في الليل والنهار، ثم لا يلتفت إلى هذه الأوصاف ولا إلى هذه الأعضاء عند الكلام على أحكام النازلة؛ وإنما الالتفات إلى سرقات وقعت من بعض الجهات، أو مغالطات صدرت من بعض الصحف والأقلام، فيقع التركيز على الأوصاف التي لا تأثير لها في احكام النازلة الأصولية، ويشتغل النخب بالنظر أو الامتحان بالمواقف، أو بالعلل التكميلية، أو الأوصاف التبعية؛ فهنا يكون الانشغال بالفروع على حساب تضييع الأصول، وعلى طريقة الأصوليين: تعليق الأحكام بالأوصاف غير المؤثرة الطردية لا بالأحكام المؤثرة التعليلية، فيكون أصل الحكم مبنياً على غير علة مناسبة معتبرة؛ لتنتهي أحكام نوازل المسلمين الكبرى إلى تنظيراتٍ فكرية، أو منازعاتٍ علمية، أو مهاتراتٍ حزبية، لتتحول بعد ذلك إلى صراعات جانبية، تذهب بسببها المصالح الشرعية العامة والكلية للمسلمين ليكون الخطأ في النازلة الأولى سبباً إلى نازلة ثانية أو إلى مصيبة أخرى يتعذر رفعهما بالأسباب الحسية المتاحة.

القاعدة السادسة: إعطاء الواقع حكمه من الواجب

         إعطاء الواقع حكمه من الواجب؛ فبعد أن يتصور الواقع تصورًا دقيقاُ، ويدرك الواجب الشرعي إدراكًا تاماً؛ حينئذٍ ينزل الواجب على الواقع، ويلحق الأشياء بنظائرها، ويدرج القضايا الجزئية في الكلية، فيجمع في حكمه بين تصور الواقع وفهم الواجب، وبين التأصيل والتنزيل، وبين الحكم والفتوى، وبين التدليل والتعليل، وبين تخريج المناط وتحقيقه، والإشكالية في هذا الباب عندما تكون عناية الباحث بالواقع من غير معرفة مفصلة بالواجب، أو العكس بأن يكون مُلماً بالواجب من غير تصور دقيق للواقع، فتقع العداوة بسبب هذا الانتقاص بين الواجب والواقع.

القاعدة السابعة: الاعتناء بفقه الترجيح والتقديم

       الاعتناء بفقه الترجيح والتقديم؛ فيقدم في كل قضية ما هو أكثر خيراً وأقل شراً؛ فيدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما، ويجلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما؛ ويقدم الضروري على الحاجي، والكلي على الجزئي، والعام على الخاص، والدفع على الرفع، والقطعي على الظني، والكثرة على القلة، والموجود على المفقود، والواقع على المتوقع، ويختار في كل ولاية دينية ودنيوية، أو سياسة شرعية، أو تراتيب إدارية الأصلح لتلك الولاية؛ فالمصلحة تارةً تقوم بأهل الدين الكامل، وتارة قد تتحصل بأهل الدين الناقص بحسب الأحوال والمقامات والظروف والمصالح.

القاعدة الثامنة: التفريق في الأحكام

       التفريق في الأحكام بين حال الاضطرار وحال الاختيار، وأن يفرق بين حال التمكين وحال الاستضعاف، وحال العلم وحال الجهل، وحال الضرورة وحال السعة؛ وبين حال أن يكون للباطل غلبة وسطوة وهيمنة وبين أن يكون لأهل الحق كلمة ودولة؛ فلكل زمانٍ حكم، ولكل حالٍ واجب، ولكل زمانٍ رجال؛ فما ينبغي التعميم والإطلاق.

القاعدة التاسعة: الاعتناء بواجب الوقت

       الاعتناء بواجب الوقت؛ وتعيين هذا الواجب؛ فإن الفتنة الكبرى عندما تقع النازلة أو المحنة ويكون واجب الوقت في حفظ ضروري أو دفع صائل أو مراعاة أمر كلي، أو حفظ جزئي معتبر، ثم تراهم قد انشغلوا بغير واجب الوقت؛ من خلافات قائمة، ومصالح مظنونة، أو مشاريع موهومة، أو مغريات سياسية مذمومة.

القاعدة العاشرة: التعبير عن حقيقة النازلة

        أن التعبير عن حقيقة النازلة والتبليغ عن حكم الشرع فيها منوطان بشرطين: القدرة والمصلحة؛ لأن التكليف بالواجب الشرعي العلمي والعملي مشروط بالممكن من العلم والقدرة، ومنوط بالمصلحة؛ لهذا تارة تكون المصلحة في البيان والتفصيل، وتارة تكون المصلحة في الإطلاق وعدم التخصيص، وتارة ثالثة في السكوت وعدم الكلام؛ فالعالم الربانيّ ليس إذاعةً متنقلة، ولا وسيلةً محضة؛ العالم ينطق بالشرع، ويلتفت إلى المصلحة، ويراعي أحوال المخاطبين، ويتفرس رجال الفتنة، ويعلم نتائج الغفلة، ويدرك عواقب الفُرقة؛ فيتكلم حيث يصلح الكلام، ويسكت حيث لا يصلح المقام إلا بالسكوت. فهذه عشرة كاملة، وأرجو أن تكون نافعة، وفي ميزان حسناتي باقية، كتبتُها في عصر الجمعة بعد أن سألني السائل عما يجري في دولة أفغانستان كنازلة؛ فأردت بها نصيحةً عامةً.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك