المنهج الشرعي في مواجهة الشدائد والمحن
- وحدة الصف خلف القيادة والالتزام بالتوجيهات الرسمية والتعاون المجتمعي تعكس وعيًا جماعيًا يسهم في تقليل آثار الأزمات والمحن
- الصبر ليس موقفًا سلبيا بل وعيٌ وتسليمٌ وثباتٌ ومجاهدة وهو من أعظم أسباب المعية الإلهية والتوفيق
- المسباح: المجتمع الواعي المتوكل على الله والمتخذ للأسباب بحكمة هو المجتمع القادر على تحويل المحنة إلى منحة والأزمة إلى فرصة لتقوية الإيمان وتماسك الصفوف
- الشدائد والمحن سُنَّة ربانية ماضية لا تنفك عن الأفراد ولا المجتمعات وهي ليست دليل سخط بالضرورة بل قد تكون باب تمحيص وتزكية
- رسوخ الإيمان بالقدر يحقق الطمأنينة ويمنع الانهيار عند الشدائد ويحرر الإنسان من القلق المفرط والخوف المبالغ فيه
- الدعاء والذكر والاستغفار وسائل شرعية لرفع البلاء وتخفيفه وتعزيز الطمأنينة وربط القلب بالله
- السلطان: العلماء في الملمات يسدّدون ولاةَ الأمر ببيان الحكم الشرعي ويهدّئون الناس ويربطونهم بالله تعالى ويغرسون فيهم الثبات وحسن التوكّل
- التثبت من الأخبار وعدم الانسياق وراء الشائعات والرجوع إلى الجهات المختصة وأهل العلم من أهم وسائل حفظ الأمن والاستقرار
- المنهج الشرعي يقوم على الجمع بين الثقة بالله والتخطيط المحكم فالإعداد والتدبير من صميم التوكل وليس مناقضًا له
- النجدي: من واجب المسلم عند المحن اجتناب ما حرم الله تعالى مِنْ دماءٍ وأموالٍ وأعْراض وغيرها ففي الفتن يحصل العدوان عليها ويتهاون الكثير فيها
- الناشي: الهدف الأساسُ للإعلام هــو تمكــيـن المجتـمـع لمواجهــة الأزمات بروحٍ واعيةٍ بعيدًا عن الإحباط والحفاظ على وحدته وترسيخًا لثقته بقدرته على تجاوز المحن
- التعاون والتراحم ومساندة المتضررين يُحول الأزمة إلى فرصة لتعزيز وحدة الصف وتقوية الروابط الإيمانية والإنسانية
- الإعلام المسؤول عنصر حاسم في إدارة الأزمات من خلال رفع الروح المعنوية وتعزيز ثقة المجتمع بنفسه وقدرته على تجاوز المحن
- الشدائد تدعو إلى التفتيش في النفس وتصحيح المسار وتقوية الصلة بالله تعالى والتوبة من أعظم أسباب رفع البلاء
- إذا اجتمع الإيمان الصحيح والوعي الرشيد والعمل المنظم فإن المحنة تصبح منطلقًا لإصلاح أعمق وتربية أرسخ ومجتمع أكثر تماسكًا
انطلاقًا من المسؤولية الشرعية، وقيامًا بواجب البيان الذي أخذه الله -تعالى- على أهل العلم، كما قال -سبحانه-: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ}، وقال -جل وعلا-: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}؛ فإنَّ بيان الحكم الشرعي عند وقوع النوازل، واشتداد الفتن، من أعظم الواجبات على أهل العلم؛ إذ به تهتدي الأمة إلى الحق، وتنجلي عنها الشبهات، وقد قال النبي -[-: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، وعليه؛ لابد من توضيح الموقف الشرعي من الأحداث الجارية، من خلال نصوص الكتاب والسنة، وقواعد الشريعة المقررة، مع بيان أقوال أهل العلم المعتبرين، تحقيقًا للحق، وإبراءً للذمة، ونصحًا للأمة، وقيامًا بواجب البلاغ والبيان، كما قال -تعالى-: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}.
أولاً: سُنَّة الابتلاء ماضية
سُنَّةُ الابتلاءِ ماضيةٌ لا تتخلّف، وحكمةُ الله فيها بالغةٌ لا تتبدّل، فما من أمةٍ ولا فردٍ إلا ويجري عليه قدرُ الابتلاء، قال الله -تعالى-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ}، فهذه سنّةٌ ربانيةٌ جارية، لا يحيد عنها أحد. والابتلاء ليس علامةَ سخطٍ بالضرورة، بل قد يكون دليلَ عنايةٍ ورفعة؛ إذ به تُمحَّص القلوب، وتُرفع الدرجات، وتُكفَّر السيئات، ويتميّز الصادق من المدّعي، وعند الابتلاء تظهر حقائق الإيمان، وتنكشف معادن الرجال، ويتجلّى أثر العلم والبصيرة، فمن وعى هذه السنّة اطمأنّ قلبه، وعلم أن الشدائد مراحل، وأن العسر يعقبه يسر، وأن معية الله للصابرين، فلا يجزع عند المحنة، ولا يغترّ عند المنحة، بل يسير إلى ربّه بين صبرٍ وشكر، مستمسكًا بحبل اليقين، عالمًا أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.ثانيًا: الإيمان بالقضاء والقدر
الإيمان بالقضاء والقدر ركنٌ عظيم من أركان العقيدة الإسلامية، وهو أحد أركان الإيمان الستة التي بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث جبريل المشهور حين قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، والإيمان بالقدر أصلٌ عمليٌّ عظيم ينعكس أثره مباشرةً على استقرار النفس وطمأنينة القلب، في أوقات الشدائد. والإيمان بالقدر يعني التصديق الجازم بأن كل ما يقع في الكون فهو بعلم الله -تعالى- وحكمته وعدله، قال -تعالى-: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (الحديد: 22)، وقال -سبحانه-: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا} (التوبة: 51)، فالمؤمن يوقن بأن ما يجري في الحياة ليس خارجًا عن إرادة الله -تعالى-، بل هو جارٍ وفق حكمةٍ عليا قد تخفى عليه في لحظتها، لكنها لا تخلو من الخير والمصلحة. ومن أعظم ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر أنه يمنع الانهيار النفسي عند وقوع المصائب؛ لأن المؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس -رضي الله عنهما-: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك»، فالمؤمن الذي يعلم أن أجله ورزقه مكتوبان فلا يعيش أسير القلق المستمر، ولا تسيطر عليه المخاوف المبالغ فيها؛ لأنه يعلم أن الأمر كله بيد الله.ثالثًا: الصبر في مواجهة الشدائد
أمرنا الله -تعالى- بالصبر، وجعله من أعظم أسباب العون والمعيّة الإلهية، فقال -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 153)، فقرن الصبر بالصلاة، وجعلهما معًا زادَ الطريق في مواجهة الشدائد، لما فيهما من تثبيتٍ للقلب، وتقويةٍ للعزيمة، وربطٍ للعبد بربِّه في لحظات الضعف والاضطراب، ثم أكّد -جلّ وعلا- أن الحياة دار ابتلاءٍ وتمحيص، فقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة). فالصبر هنا ليس مجرّد تحمّلٍ سلبيّ، بل هو وعيٌ بحقيقة الانتماء إلى الله، وتسليمٌ لحكمه، وثقةٌ بوعده، واستحضارٌ لمرجعية الآخرة في قلب الحدث، وبمفتاح الصبر تُفتح مغاليق الأمور، وبه تُحتمل المشاقّ، وتُستدام مسيرة الإصلاح والبناء، فهو خيرُ عُدَّةٍ في زمن الشدّة، والصبر خُلُقٌ يُكتسب ويُنمَّى بالتدرّب والمجاهدة؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من يتصبّر يصبّره الله، وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر»، فبقدر استعدادك النفسي والإيماني يكون صبرك على ما يعترض طريقك من مشكلاتٍ وابتلاءات، وبقدر رسوخ هذا الخُلُق في قلبك تكون قدرتك على الثبات، ومواصلة السير بثقةٍ ويقين.
رابعًا: مراجعة النفس والتوبة
حصول الشدائد فرصة لتذكير الأمَّة بالعودة الصادقة إلى الله- عزوجل-، وحُسن الصلة به، واللجوء إليه؛ فالذنوب من أسباب تنزّل العقوبة والابتلاء، والتوبة سبب لتنزّل الرحمة والفرج، قال الله -تعالى-: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} (الشورى: 30)، وقال -سبحانه-: {فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام: 43)، فمن أفضل الأعمال عند نزول الشدائد هو التضرع إلى الله -تعالى- والاشتغال بعبادته، قال -سبحانه-: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} (البقرة: 45)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «العبادة في الهرج كهجرة إلي»، فعدَّ العبادة عند الفتن واختلاط الأمور بمنزلة الهجرة إليه، والسبب في ذلك أنَّ الناس يغفلون عن العبادة، ويشتغلون عنها، فالصلة بالله- عزوجل -تعمر القلب بالطمأنينة، وتملؤه بالراحة، وتزيل عنه الخوف، وتذهب الوحشة من النفوس، ويستنزل بها نصر الله -تعالى-.خامسًا: الدعاء عبادة عظيمة
الدعاء عبادة عظيمة، جعل الله لها أثرًا كبيرًا في حياة المسلم؛ فهو يرفع البلاء ويخفف المصائب في الدنيا، ويؤجر عليه العبد جزاءً عظيمًا في الآخرة، قال -تعالى-: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (غافر: 60)، وقال -تعالى-: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (البقرة: 186)، وقال -تعالى-: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} (النمل: 62)، ولهذا أمر - صلى الله عليه وسلم - عند الشدائد الإسراع إلى ما يدفعها بمشيئة الله -تعالى- وقدرته من الصلاة، والدعاء، والذكر، والاستغفار، والتوبة، والإحسان، والصدقة، فإن هذه الأعمال الصالحة تعارض الشدائد، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يردُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ».سادسًا: فقه الأخذ بالأسباب
جسّد النبي - صلى الله عليه وسلم - في سيرته أكمل صور التوازن بين صدق التوكّل وحُسن التدبير، فكان إيمانه العميق بالله لا ينفكّ عن عملٍ دؤوبٍ وأخذٍ مُحْكَمٍ بالأسباب؛ وقد قرر القرآن هذا الأصل العظيم بقوله -تعالى-: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} (الأنفال:60)، فأمر بالإعداد وبذل الوسع، لا بالاكتفاء بالتمنّي وانتظار النتائج، وقال -سبحانه-: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ} (الملك: 15)، فدلّ على أن الإيمان بالقدر لا يُلغي السعي، بل يوجّهه ويضبطه، وتبرز الهجرة النبوية مثالًا بديعًا في إدارة الأزمات؛ إذ أحكم - صلى الله عليه وسلم - التخطيط باختيار وقت الخروج سرًّا، وانتقاء الرفيق، والمكث في الغار، والاستعانة بدليل خبير، وتمويه الطريق، ثم لما أحدق الخطر قال مطمئنًا: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (التوبة: 40)، فاجتمع التخطيط البشري الدقيق مع اليقين الإيماني المطلق، فلا الإعداد أضعف توكّله، ولا توكّله منعه من الإعداد، وهكذا يتبين أن اتخاذ التدابير الوقائية، والتخطيط المحكم، وبذل الأسباب المشروعة، كل ذلك من صميم الدين، لا ينافي التوكّل، بل هو تمامه وكماله.سابعًا: التكافل والتكاتف الاجتماعي
التكافل في الإسلام مبدأٌ عقديٌّ وأخلاقيٌّ يؤسس لعلاقةٍ وثيقة بين أفراد المجتمع، برباط الإيمان والأخوّة؛ فإذا غاب تآكلت القيم، وحلّت المصلحة محلّ الرحمة، وقد لخّص النبي -صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى بقوله: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلِمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته»، فقرن بين خدمة الخلق ومعونة الخالق، وجعل قضاء حوائج الناس طريقًا إلى عون الله وتوفيقه، وعند اشتداد الأزمات يتجلّى صدق هذا الأصل؛ فتتآزر القلوب، ويغدو الألم مشتركًا والعطاء متبادَلًا، فتتحول المساجد إلى منارات إغاثة، والمؤسسات إلى جسور رحمة، مصداقًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من نفّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة»، وقد جسّد الصحابة -رضي الله عنهم- هذا الخُلُق يوم آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار، فآثر الأنصاري أخاه المهاجر على نفسه، وقاسمه ماله ومسكنه، تحقيقًا لقوله -تعالى-: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (الحشر: 9)، فكان ذلك ثمرة تربيةٍ إيمانيةٍ غرست في النفوس معنى المسؤولية الجماعية حتى صار الشعور بأحوال الآخرين جزءًا من الهوية الإيمانية. فالتكافل -إذًا- هو وعيٌ بالواجب، واستجابةٌ عمليةٌ له؛ إغاثةُ ملهوف، وإسنادُ عاجز، وإطعامُ جائع، وتأمينُ خائف، واستشعارٌ بأن حاجات المجتمع تكليفٌ لا ترف، وفرضُ أخوّةٍ لا منّة، كما شبّه -صلى الله عليه وسلم - المؤمنين بالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.
ثامنًا: الوعي والبصيرة ومواجهة الشائعات
تزداد أهمية الوعي والبصيرة في أوقات الأزمات؛ إذ تصبح المجتمعات أكثر عرضة للشائعات، والأخبار المضللة، والمعلومات غير الدقيقة، وفي هذه اللحظات الحرجة، قد تتحول الأخبار الكاذبة إلى فتنة تهدد أمن المجتمع واستقراره، وقد تثير الهلع أو القلق غير المبرر بين الناس، وقد حذر الله -تعالى- من الانسياق وراء الأخبار دون تمحيص فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنبأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} {الحجرات: 6)، فالآية تدل على وجوب التثبت قبل نشر أو تصديق أي خبر، خاصة في أوقات الاضطراب؛ لأن الكلمة الواحدة قد تؤدي إلى نتائج وخيمة على الأفراد والمجتمعات. وقد حذَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد التحذير من نقل الشخص لكل ما يسمعه كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدّث بكل ما سَمِع»، قَالَ الإمام النَّوَوِيّ:-رحمه الله-: «فإنَّهُ يَسْمع فِي العادة الصّدْق والكذب؛ فإذا حدَّث بكُلِّ مَا سَمع فقدْ كَذَب لإِخْبَارِه بما لمْ يَكُنْ، والْكذب الإِخْبَار عن الشَّيْء بِخلاف ما هو ولا يُشْتَرَط فِيه التَّعَمُّد»، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:»بئس مطية الرجل زعموا»؛ ولذلك حرص سلفنا الصالح على التثبت والحذر من الإشاعات:قال عمر - رضي الله عنه -: «إياكم والفتن! فإن وقع اللسان فيها مثل وقع السيف».رأي العلماء والمشايخ
ظروف استثنائية ونوازل جسام
قال رئيس اللجنة الشرعية بجمعية إحياء التراث الإسلامي الشيخ ناظم سلطان المسباح: إن منطقتنا تمرُّ بظروف استثنائية ونوازل جسام، تقتضي من المسلم يقظةً في الفكر، وبصيرةً في الموقف، والتزامًا بحدود الشرع الحنيف؛ ولاسيما في ظل التجاذبات الدولية والصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، وما يترتب عليه من تداعيات تمسُّ بلدنا الغالية الكويت؛ بحكم موقعها الجغرافي وحساسيتها الاستراتيجية. ومن ثمَّ، فإن الواجب الشرعي والوطني يقتضي بيان جملةٍ من الأصول والواجبات في هذه المرحلة، أوجزها فيما يأتي:- أولاً: الاعتصام بالله وحسن التوكل عليه: إن أول ما يجب تجديده في القلوب، هو الإيمان الجازم بأن مقاليد الأمور كلها بيد الله وحده، وأن ما ينزل بالأمة من شدائد إنما هو ابتلاء وتمحيص، يوجب الرجوع إلى الله -تعالى- بالتوبة الصادقة، وكثرة الاستغفار، وتعميق معاني التوكل والرضا. قال -تعالى-: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}. فالتوكل الحق ليس تواكلاً، بل هو اعتمادٌ قلبيٌّ على الله مع أخذٍ بالأسباب المشروعة.
- ثانياً: لزوم الجماعة وطاعة ولي الأمر: في أوقات الأزمات تشتد الحاجة إلى وحدة الصف، ويحرم شرعًا كل ما يفضي إلى التفرق أو الافتئات على مؤسسات الدولة. إن مصلحة الكويت العليا تقتضي الالتفاف حول قيادتها السياسية، ومساندة مواقفها الرسمية المتزنة التي ترمي إلى تجنيب البلاد والعباد ويلات الصراعات، وإن وحدة الكلمة وتماسك الجبهة الداخلية هما خط الدفاع الأول في مواجهة أي تهديد خارجي.
- ثالثاً: الحذر من الفتنة الطائفية واستيراد الصراعات: إن من أخطر ما تفرزه النزاعات الإقليمية محاولة نقلها إلى الداخل عبر بوابة الاستقطاب الطائفي أو المذهبي؛ ومن هنا أُحذِّر من الانجرار وراء خطاب التحريض، أو تحويل ساحتنا المحلية إلى ميدان لتصفية حسابات خارجية؛ فالمجتمع الكويتي نسيج واحد، وأمنه الفكري والاجتماعي مسؤولية مشتركة، والمسلم الكيّس الفطن يدرك أن سياسة (فرّق تسد) من أقدم أدوات الإضعاف والاختراق.
- رابعاً: التثبت في نقل الأخبار (فقه الإشاعة): في زمن تسارع المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي، تتكاثر الشائعات وتنتشر الأراجيف التي تزعزع الطمأنينة وتخدم أجندات خفية، والواجب الشرعي يقتضي التثبت والتحقق، والكفَّ عن نشر كل ما يُتداول دون تمحيص، وردَّ الأمور إلى أهلها من جهات الاختصاص، عملًا بقوله -تعالى-: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}؛ فحفظ الأمن المعلوماتي جزء من حفظ الأمن العام.

دور العلماء
ثم بين الشيخ المسباح دور العلماء في هذه النازلة قائلاً: تقع على عاتق العلماء والدعاة في مثل هذه الظروف مسؤولية عظيمة، تتجلى في أمورٍ ثلاثة: 1- بثُّ السكينة: بطمأنة الناس، وتذكيرهم بسنن الله في الابتلاء والتداول، والبعد عن خطاب التهويل أو التأجيج العاطفي غير المنضبط. 2- الترشيد: بتوجيه طاقات الشباب نحو ما ينفع، وتعزيز روح المسؤولية، والحفاظ على أمن الوطن واستقراره. 3- النصيحة: ببذل النصح لولاة الأمر والمجتمع بالحكمة والموعظة الحسنة، بعيدًا عن التشهير أو الأساليب التي تثير الأحقاد وتُوغر الصدور. نسأل الله العظيم أن يحفظ الكويت وأهلها من كل سوء، وأن يجنبنا والمسلمين شرور الفتن والحروب، ما ظهر منها وما بطن، وأن يوفق ولاة أمورنا لما فيه خيري البلاد والعباد، وأن يديم على وطننا نعمة الأمن والإيمان والاستقرار.موقف المسلم في الشدّة والأزمات
وعن موقف المؤمن في هذه الابتلاءات والشدائد بين الشيخ: د. محمد الحمود النجدي أمورا مهمة كما يلي:أولاً: الرُّجوع إلى الكتاب والسّنّة
فمن الناس مَنْ يرَى الأمُور بنظرةِ العقل، ومنهم بنظرةِ العاطفة الجيّاشة، الحاصِلة تحت تأثير الحدَث، ولا يستقيم لنا الأمرُ حتى يكونَ هناك ميزانٌ منْضبط، ومعيار لا يتغيّر، يَضبط الأمور، ويَهدي للتي هي أقومُ؛ ألا وهو كتاب الله -تعالى-، الذي لا يأتيه الباطل منْ بين يديه ولا مَن خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد، كما قال -تعالى-: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (الإسراء: 9)، وقال -تعالى-: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} (الأنعام: 104)، وقال -تعالى- :{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} (النساء: 174)، فما أحْوجَنا إلى هذا النور العظيم، في زمنٍ كقِطع اللَّيل المظلِم! وقال - صلى الله عليه وسلم -: «تركتُ فيكم ما لنْ تَضِلوا ما تمسكتُم بهما: كتاب الله، وسُنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -»؛ فهذه وقفة انضباط وبصيرة في الفِتن والأزمات.ثانياً: مواجهة الفِتن بالتقوى
كان من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أهمَّه أمرٌ أو أحزنه، يقول: «بادرُوا بالأعْمال الصّالحة، فستكون فتنٌ كقِطع الليل المظلِم، يُصبح الرجل مؤمناً، ويُمسي كافراً، ويُمْسي مؤمناً، ويصبح كافرًا، يبيع دِينه بعرَض من الدُّنيا»، والعمل الصالح؛ وذِكْر الله- سبحانه-، وسيلةٌ للثبات عندَ الفتن التي يضطرب فيها الإنسان، ويتشكَّك منْ أمرها، فيُمْسي على حالٍ، ويُصبح على أخرى، ويرى وكأنَّه في حُلْم؛ قال الله -تعالى-: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا}(النساء: 66)، وقال -تعالى-: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فسبّح بحمد ربك وكن من الساجدين (98) واعبدْ ربك حتّى يأتيك اليقين} (الحجر)، لذلك عند فِتنة القتال، ولقاء أعداء الله مِن المشركين؛ يقول -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} (الأنفال: 45)، وقال -تعالى-: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة: 45)، فالأعمالُ الصّالحة والعبادة، حصانةٌ لنفس المَرء، وحماية له مِن الظروف البيئيَّة المحيطة به، حتى لا تؤثِّر فيه.ثالثاً: اجتنابُ ما حَرّم الله -تعالى-
من واجب المسلم عند المحن اجتناب ما حرم الله -تعالى- مِنْ دماءٍ وأموالٍ وأعْراض وغيرها، ففي الفتن؛ يحصل العدوان عليها، ويتهاون الكثير فيها، قال -صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ دماءَكم وأموالكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ؛ كحُرْمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهرِكم هذا»، وهل هناك أشدُّ مِن حُرْمة الكعبة والشّهر الحرام ويوم عرَفة؟! والدّماء هي أوَّل ما يقضي الله -تعالى- فيه منْ حُقُوقِ العِباد، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «لا يزالُ الرجلُ في فُسْحةٍ مِن دِينه، ما لَم يُصِبْ دماً حراماً»، وسواءً كان دماً لمسلِمٍ، أو لذِمِّي، أو مُستأمن، وتشتدُّ الحرْمة بالنّسبة للمسلِم؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لزَوالُ الدنيا أهونُ على الله؛ مِن قتْلِ رجل مسلِم»، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «لحُرْمةُ المُؤمن أعظمُ عند الله مِنْ حُرْمة الكعبة، مَاله ودمه».
رابعا: معرفة الأحْكام الشّرعية
لابد من العلم في مثل هذه المواطن ومعرفة الأحكام الشرعية والأحْوال الحاصلة، بالرُّجوع لعلماء المسلمين الربانيين؛ فإنَّ المَرء على قدْر فِقهه، ومعرفته بدِينه، وتقوى الله في قلْبه، يفقه الأمورَ، وتتّضح لديه حقائق الحوادث؛ قال الله -تعالى-: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء: 83)، فإذا تغيَّرت الأحوال، واضطربت الأمورُ، فلا تحكم على شيءٍ مِن تلك الفتن أو من تغيُّر الحال إلا بعد تصوُّره، قال الله -تعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (الإسراء: 36)، والقاعدة تقول: الحُكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره، ولا يُمكن الحُكم على الأمور بالاعتمادِ على تحليلات أو تقاريرَ وبيانات، أو نشرات أو أخبار شائعات، وإنما بنُقُول المسلمين العُدُول الثقات.خامسًا: حفظُ الأمن
فالأمنُ مطلبٌ شَرعي، وهو مِنْحة إلهية، ونعمةٌ ربّانيّة، كما قال -تعالى-: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (قريش)، وقال -تعالى-: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (الأنعام: 82)، وهذا ما بيَّنه النبي -صلى الله عليه وسلم - في قوله: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»، فدلّ الحديث على أهمية الأمن بأنواعه المختلفة: الأمن المادي، والأمن النفسي، والأمن الصِّحي، والأمن الغذائي في حياة الناس، وقدَّم الأمنَ بمعنى عدم الخوف من التَّعدِّي على غيره؛ لأنه أساس لتحقُّق غيره، وما عداه مُرتَّبٌ عليه؛ فالأمن مهم جدًا في حياة الناس؛ فمن دونه يلحق الناس ضررٌ وحَرَج، وضيق وألم، وخوفٌ واضْطراب، ويختل توازن الحياة عموماً؛ فالمحافظة على أمْنِ بلادنا قُربةٌ وعبادةٌ نتقرَّب بها إلى ربِّنا، كيفَ لا والضّروريات الخمس التي هي مقاصد الشريعة تقتضيها؟!الإعلام: مهنية، ومسؤولية، وثقة
- من جانبه أكد رئيس قطاع الإعلام والتدريب م. سالم الناشي أن الإعلام في أوقات الأزمات يختلف جذريًا عن أوقاته العادية؛ فالظروف أكثر حساسية، والناس متلهفون للأخبار، ما يفرض علينا تقديم إعلام يتناسب مع طبيعة الظروف الطارئة؛ ولذلك يجب أن يلتزم الإعلام وقت الأزمات بأعلى درجات المهنية، مع مراعاة الجانب الأخلاقي والإنساني، وتغليب المصلحة العامة وتماسك المجتمع، من خلال تقديم الخبر بشفافية ودقة، مع شرح الملابسات والظروف المحيطة، انطلاقًا من المسؤولية الاجتماعية واحترام المصداقية.
التأثير الإيجابي
- وأكد الناشي ضرورة أن يكون للإعلام دور إيجابي على الأفراد من خلال رفع الروح المعنوية والنفسية، وبث الطمأنينة والثقة، والتعامل بمهنية ومصداقية، مع مواكبة الأحداث كافة، وبيان الواقع وتوضيحه للمجتمع أولًا فأول، مع العمق والشمول في تغطية الأزمة وجوانبها المختلفة بعيدًا عن التهويل الذي يؤدي إلى الفزع والهلع، أو التهوين الذي يؤدي إلى غياب القرار السليم في التعامل السليم مع الحدث.
مساعدة المجتمع
- وفي ختام كلمته، شدد الناشي على أن الهدف الرئيس للتناول الإعلامي لأي أزمة، يجب أن يتضافر المجتمع لمواجهتها والتغلب عليها، وغرس قيم الاستعداد والأمل، بعيدًا عن نشر الإحباط أو الانقسام؛ لضمان وحدة المجتمع وتعزيز ثقته في قدرته على تجاوز المحن.

دور العلماء في وقت الشدائد
وعن دور العلماء في وقتِ الملمات والشدائد، بيَّن مدير إدارة الكلمة الطيبة الشيخ: د. خالد سلطان السلطان أنَّ دور العلماء في الشدائد عظيمٌ جليل، ومنطلقُنا في ذلك قولُ الله -تعالى-: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ}؛ فهؤلاء الذين «يُذيعون» فئةٌ موجودة في كل مجتمع، تسارع إلى تلقّي الأخبار زمن الأحداث، وقد تكون تلك المعلومات ناقصة، أو غير مكتملة، أو مضطربة، أو حتى سرّية، ثم تبادر إلى نشرها بين الناس، فينشأ عن ذلك خوفٌ وهلَعٌ واضطراب، وهذا شبيهٌ بالدور الذي كان يقوم به المنافقون في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي فئة لا ينقطع وجودها، وإن اختلفت صورها وأسماؤها، ويُلحق بهم من في قلبه مرض، كحبّ الشهرة أو طلب السبق الإعلامي، فينشر ما لا يحسن نشره، عبر وسائل الإعلام أو وسائل التواصل، دون تثبّتٍ ولا اعتبارٍ للمآلات، فيكون في ذلك زعزعةٌ للأمن، وإدخالٌ للخوف على الناس، وهو أمرٌ منهيٌّ عنه شرعًا.المنهج القويم
وأكد د. السلطان أنَّ الله -سبحانه- و-تعالى- بيّن المنهج القويم بقوله: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ}، ففي حياة النبي -صلى الله عليه وسلم - وكان هو وليّ الأمر، والمرجعَ في البيان والحكم، ومن بعده يُردّ الأمر إلى كتاب الله وسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأولو الأمر بعده صنفان: ولاةُ الأمر من الأمراء والرؤساء، وأولو الأمر من العلماء؛ بفهم الكتاب والسُنّة على منهج السلف الصالح، فهم أهلُ الاستنباط والنظر، القادرون على تقدير المصالح ودرء المفاسد، قال -تعالى-: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}، أي: الذين يتتبّعون الأمر بعلمٍ وبصيرة، ويستخرجون حكمه على وجهه الصحيح، فيعلمون ما يُنشَر وما يُؤخَّر، وما يُقال وما يُكتَم، وفق ميزان الشرع والمصلحة، وهذا يدلّ على أن أمر الأمن والخوف لا يُترك لكل أحد، بل يُحال إلى أهل العلم والرأي.الدور الكبير للعلماء
- وأضاف د. السلطان، من هنا يظهر الدور الكبير للعلماء في أوقات الأزمات؛ فهم يسدّدون ولاةَ الأمر ببيان الحكم الشرعي، ويهدّئون الناس بمواعظهم وإرشادهم، ويعلّمونهم كيف يتصرّفون، ويربطونهم بالله -تعالى-، ويغرسون فيهم الثبات وحسن التوكّل، فلا يُرى في مثل هذه المواطن أثبتُ قلبًا، ولا أرشدُ رأيًا، من عالمٍ راسخٍ في العلم، ممتلئٍ يقينًا بكتاب الله وسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
دورٌ كبيرٌ في مجتمعه
- وختم د. السلطان تصريحه قائلاً: العالم له دورٌ كبيرٌ في مجتمعه، في السلم كما في الحرب، في الرخاء كما في الشدة، في المحن كما في أوقات الاستقرار؛ يقوم بالموعظة، ويربط القلوب بالله -عزوجل-، ويذكّر بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرته، ويغرس في النفوس الإيمان واليقين، حتى يبقى المجتمع متماسكًا، ثابتًا، مطمئنًّا.
الإنابة والرجوع إلى الله -تعالى-
قال الشيخ عبدالعزيز ابن باز -رحمه الله-: على المؤمنين جميعًا أن يتقوا الله ويراقبوه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وإذا ما حلّت بهم نازلةً من النوازل فعليهم أن يُنيبوا إلى الله ويرجعوا إليه ويفتشوا في أنفسهم عن أسباب ما حصل؛ لأن الله يقول: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} {الشورى:30)، وعليهم أن يتوبوا إلى الله مما حصل منهم من نقص في الطاعات أو اقتراف للسيئات؛ فإن التوبة من أسباب رفع المصائب، وعليهم أن يصبروا ويحتسبوا أجر ما حصل لهم من مصائب عند الله، قال -تعالى-: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ {156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} {البقرة).
الفقه الشرعي في الأزمات
إذا نزلت بالأمَّة أزمة فإن الفقه الشرعي يرشد إلى: التثبت من المعلومات، الالتزام بالإجراءات الوقائية، التعاون المجتمعي، الدعاء والرجوع إلى الله، التخطيط المدروس لا الارتجال؛ فالمؤمن ليس فوضويًا، ولا متواكلًا، ولا مذعورًا، بل: هادئ القلب، واعي العقل، منظم السلوك.بيان جمعية إحياء التراث الإسلامي حول:
الأحداث الراهنة وواجب المسلم تجاهها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، تمرّ منطقتنا بظروف بالغة الحساسية، وأجواء من الأزمات والحروب، مما يستدعي منا جميعا اللجوء إلى الله، وأن نترجم إيماننا سلوكاً وطمأنينة وثباتا، بعيدًا عن الخوف والجزع والشائعات، موقنين أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه كما قال -تعالى-: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}؛ فتسكن قلوبنا تجاه الأقدار، والمحن. وإن من واجبنا أيضا أن نحافظ على الهدوء والطمأنينة، وأن نغرس في نفوس الجميع حسن الظن بالله، ونذكّرهم بأن {الله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين}، وأن القلوب إنما تطمئن بذكره -سبحانه-، كما قال -تعالى-: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.- وعلى الآباء والأمهات - خاصة - واجب عظيم في تربية أبنائهم على الثبات والسكينة، وشرح معنى الإيمان بالقضاء والقدر لهم، وربطهم بالدعاء والقرآن، حتى يتربى الجيل على الثقة بالله والتسليم له.
- وقد حذر الله -تعالى- من نشر الشائعات وترويج الأخبار غير الموثوقة! لما في ذلك من بثّ الخوف بين الناس، قال - تعالى-: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ}؛ فالأصل أن تُستقى المعلومات من الجهات الرسمية المختصة، وأن يكفّ المسلم لسانه وقلمه عما لا يتحقق من صدقه، وأن يجتهد في بثّ الأمل والطمأنينة.
- وفي خضمّ هذه النوازل، يتأكد لزوم التوكل الصادق على الله، والإكثار من ذكره ودعائه، والرجوع إليه بالصلاة وسائر العبادات؛ فإن ذكر الله يسهل الصعب، وييسر العسير ويخفف المشاق، ولا يُذكر على شدة إلا زالت، ولا على كربة إلا انفرجت، كما قرره أهل العلم، ويُشرع للمسلم أن يُلحّ في الدعاء بحفظ النفس والأهل والوطن وسائر بلاد المسلمين، مستيقناً أن الأمر كله بيد الله، وأن ما عنده لا يُنال إلا بطاعته.
- كما ندعو الجميع إلى التكاتف والتراحم والتعاون، وأن يكونوا صفًا واحدًا خلف قيادتنا الحكيمة ملتزمين بتوجيهاتها، تعزيزا لروح المسؤولية الجماعية؛ فالمسلم في الأزمات قدوة في الثبات، ورمز في الصبر، وصوت في إصلاح ذات البين، كما نسأل الله -تعالى- أن ينزل سكينته على قلوبنا، وأن يحفظ وطننا وبلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجنبنا أسباب الخوف والاضطراب، إنه خير الحافظين وأرحم الراحمين.
إحياء التراث تتلقى رسائل الدعم والتضامن
- تلقت جمعية إحياء التراث الإسلامي عددًا من رسائل الدعم والتعاطف في الأزمة الأخيرة من جمعيات ومؤسسات خيرية وإنسانية حول العالم؛ حيث عبّرت هذه المؤسسات عن تضامنها مع دولة الكويت ومؤسساتها في مواجهة الأزمة الراهنة من خلال إرسال هذه الرسائل إلى سفارة دول الكويت في تلك البلدان، وأكدت هذه الجمعيات أن هذا الموقف يعكس الامتنان والاعتراف بالدور البارز الذي تضطلع به الكويت في العمل الخيري ودعم المجتمعات الإنسانية في شتى بقاع العالم.
- وأكدت هذه الجمعيات أن مساندة الكويت في هذه الظروف الصعبة ما هو إلا رد للجميل وصنائع المعروف التي قدمتها الدولة عبر تاريخ طويل من الدعم والمبادرات الإنسانية، معتبرة هذا الدعم واجبًا إنسانيًا ودينيا يحث عليه الشرع ويكرّس قيم التكافل والتعاون بين الشعوب.
- وقال ممثلو الجمعيات الخيرية العالمية: إن الكويت تُعد نموذجًا رائدًا في مجال العمل الخيري والإغاثي؛ حيث أسهمت مبادراتها ومساعداتها الإنسانية في تحسين حياة الملايين في مناطق مختلفة حول العالم، من خلال برامج التعليم والصحة والإغاثة والتنمية المستدامة، وتابعوا بأن مساندة الكويت في الأزمة الراهنة رسالة واضحة بأن المعروف لا يضيع، وأن العمل الخيري الذي تقدمه الدولة يجد صدىً عالميا يستحق الثناء والتقدير.
أسماء الجمعيات الخيرية التي أرسلت خطابات الدعم والمساندة
1- مؤسسة التنوير الإسلامي - نيجيريا. 2- منظمة البرّ - بنين. 3- الجمعية الوطنية للإغاثة ومحو الأمية - النيجر. 4- منظمة التنمية لخدمة المجتمع - مالي. 5- جمعية الإحسان الخيرية - موريتانيا. 6- مؤسسة الفرقان التعليمية والخيرية - تايلاند. 7- مؤسسة اللجنة الخيرية المشتركة - إندونيسيا. 8- جمعية منابع الخير - كمبوديا. 9- جمعية الارتقاء الثقافي - سراييفو. 10- مؤسسة العرفان بالمعروف - ألبانيا. 11- جمعية السبيل للثقافة والرعاية - موريتانيا. 12- جمعية إحياء التراث الإسلامي - السنغال. 13- منظمة الإشراق للتنمية والإعمار - السودان. 14- منظمة التنمية الخيرية -السودان. 15- جمعية أنصار السنة المحمدية - سيريلانكا. ١٦- هيئة الإغاثة - شرق إفريقيا. ١٧- منظمة الرأفة الإنسانية غانا. ١٨- جمعية التوفيق الخيرية - الصومال.
لاتوجد تعليقات