رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. أمير الحداد 9 مارس، 2026 0 تعليق

مكارم الأخلاق  .. ويُؤثرون على أنفسهم!

(أبو فراس) بدأ يرتاد مسجدنا منذ شهر تقريبًا، يصلي في الصف الأول، في الجهة اليمنى خلف الإمام، ولكنه كثيرا ما يتنازل عن مكانه لغيره ممن يأتي متأخرا؛ فيبتعد أكثر عن الإمام، قررت أن أكلمه، في أول فرصة، وبالفعل وبعد صلاة العشاء، سألني عن قوله -تعالى-: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (الإسراء:78)، أجبته: - لدي ملاحظة يا أبا فراس، رأيتك أكثر من مرة تتنازل عن مكانك في الصلاة لغيرك، لم ينكر ملاحظتي، قال: - نعم، من باب المحبة والإيثار -قالها مبتسمًا-، ولزيادة المودة مع الإخوان. - هذه نية طيبة، ولكن الإيثار لا يكون في أعمال البر والتقرب إلى الله؛ بل في أمور الدنيا. استغرب صاحبي مقولتي! - دعني أبين لك، يقول الله -تعالى-: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران:133)، ويقول -تعالى-: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} (البقرة:148)، ويقول -تعالى-: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (الحديد:21)، ويقول -سبحانه-: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} (المطففين:26)، هذه الآيات كلها تحث على التنافس والتسابق، في أمور الآخرة، مغفرة الله، والجنة، والفوز بالآخرة، وفي الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه» (متفق عليه). قاطعني: - ذات مرة دخلت المسجد وقت أذان العصر، لم يكن المؤذن موجودا، فلم يؤذن أحد، وصلينا العصر دون أذان! لا أدري لم تحرجنا جميعا من رفع الأذان؟ - هذا يحدث في كثير من المساجد، يتحرج الناس من رفع الأذان والتقدم للإمامة إذا تأخر المؤذن والإمام، مع ما في هذا العمل من أجر عظيم، لنرجع إلى موضوعنا. - فالإيثار لا يكون في أعمال الآخرة، مثل: الأذان، والتبكير إلى الصلاة، والصف الأول، وحفظ القرآن، والصدقات، إلخ، وإنما في نيل الدنيا، ومع ذلك الحديث عندما جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني مجهود (ضعيف متعب جائع)!، فأرسل إلى بعض نسائه - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: والذي بعثك بالحق نبيا ما عندي إلا ماء! ثم أرسل إلى أخرى؛ فقالت: مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك! فقال - صلى الله عليه وسلم -: «من يُضيف هذا الليلة رحمه الله؟» فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله؛ فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: «هل هناك شيء؟» قالت: لا، إلا قوت صبياني، فقال الأنصاري: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأضيئي السراج وأريه أنا نأكل فإذا أهوى ليأكل قومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضيف فلمّا أصبح غدا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لقد عجب الله من صنيعكما الليلة» . وفي الإيثار يقول الله -تعالى-: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} (الإنسان). قاطعني: - والله هذه أول مرة  أفهم المعنى  الصحيح (للإيثار)، لم أكن أعرف الفرق بين الحالين! - كلنا نتعلم كل يوم، حتى قراءة الفاتحة بصورة صحيحة، نتعلمها! والأنصار ضربوا أروع الأمثال في الإيثار، وشهد الله لهم بذلك كما في آيات الحشر, {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9). في تفسير السعدي: من جملة أوصاف الأنصار الجميلة أنهم {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} وهذا لمحبتهم الله ولرسوله أحبوا أحبابه، وأحبوا من نصر دينه, {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا} أي: لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم الله من فضله وخصهم به من الفضائل والمناقب التي هم أهلها، وهذا يدل على سلامة صدورهم وانتفاء الغل والحقد والحسد عنها. وأخبر أن الأنصار لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا. وقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي: ومن أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميزوا بها على من سواهم، الإيثار، وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحاب النفس من الأموال وغيرها، وبذلها للآخر مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة ،والخصاصة وهذا لا يكون إلا من خلق ذكي، ومحبة الله -تعالى- مقدمة على محبة شهوات النفس ولذاتها، ومن ذلك قصة الأنصاري الذي نزلت الآية بسببه، حين آثر ضيفه بطعامه وطعام أهله وأولاده وباتوا جياعا، والإيثار عكس الأثرة، فالإيثار محمود، والأثرة مذمومة؛ لأنها من خصال البخل والشحّ، ومن رزق الإيثار فقد وقي شحّ نفسه {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، ووقاية شح النفس، يشمل وقايتها الشح، في جميع ما أمر به فإنه إذا وقي العبد شح نفسه، سمحت نفسه بأوامر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ففعلها طائعًا منقادًا منشرحًا بها صدره وسمحت نفسه بترك ما نهى الله عنه، وإن كان محببا للنفس، وتدعو إليه، وتتطلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل الفلاح والفوز، بخلاف من لم يوق شح نفسه، بل ابتلي بالشحّ ،بالخير الذي هو أصل الشر ومادته. وفي إثبات مكانة الأنصار التي وصلوا إليها بالايثار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمنى أن يكون منهم كما في الحديث: عن عبدالله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا؛ إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال: «يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟». كلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أَمَنُّ. قال: «ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». قال: كلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أَمَنُّ. قال «لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا. أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وتذهبون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك