شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان… الثالث عشر من شعب الإيمان: الإيمان بوجوب التوكل على الله-عزوجل-(2)
- تحقيق مقام التوكل بعد بذل الأسباب يجعل المؤمن هادئ النفس مطمئن القلب ينتظر الفرج من عند الله وكُلَّه شوق إليه
- بذل أسباب السلامة في الدنيا جزء من التوكل وكذلك بذل أسباب السلامة في الآخرة فالمؤمن يعمل لدنياه ويعمل لأخراه
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، فقد عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
- أسباب كراهة الرُقية والكيّ مع التوكل: قال ابن حجر : أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة: أحدها - قاله الطبري والمازري وطائفة: إنه محمول على من اعتقد اعتقاد الطبائعيين، في أن الأدوية تنفع بطبعها، كما كان أهل الجاهلية يعتقدون، وقال غيره: الرقى التي يحمد تركها، ما كان من كلام الجاهلية، وما الذي لا يعقل معناه، لاحتمال أن يكون كفرا، بخلاف الرقى بالذكر ونحوه، وتعقبه القاضي عياض وغيره بأن الحديث يدل على أن للسبعين ألفا مزية على غيرهم وفضيلة انفردوا بها عمن شاركهم في أصل الفضل والديانة، ومن كان يعتقد أن الأدوية تؤثر بطبعها، أو يستعمل رقى الجاهلية ونحوها فليس مسلما؛ فلم يسلم هذا الجواب.
- ثانيها - قال الداودي وطائفة: إن المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء، وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا، وهذا اختيار ابن عبد البر.
- ثالثها - قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث؛ من غفل عن أحوال الدنيا وما فيها من الأسباب المعدّة لدفع العوارض؛ فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله، والرضا بقضائه؛ فهم غافلون عن طب الأطباء ورُقى الرقاة، ولا يحسنون من ذلك شيئا، والله أعلم.
- رابعها - أن المراد بترك الرقى والكي، الاعتماد على الله في دفع الداء، والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك، لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة، وعن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وإلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه؛ قال ابن الأثير: هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء هم خواصّ الأولياء.
النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في أعلى مقامات التوكل
ولا يَرِدُ على هذا وقوع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلًا وأمرًا؛ لأنه كان في أعلى مقامات العرفان، ودرجات التوكل، فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله؛ لأنه كان كامل التوكل يقينًا، فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئا، بخلاف غيره ولو كان كثير التوكل، لكن من تَرَكَ الأسباب، وفَوَّضَ وأخلص في ذلك، كان أرفع مقاما. قال الطبري: قيل: لا يستحق التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف من شيء البتة، حتى السبع الضاري والعدو العادي، ولا من لم يسع في طلب رزق ولا في مداواة ألم، والحقُّ، أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض؛ لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعًا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر -صلى الله عليه وسلم - في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشِّعب، وخندق حول المدينة، وأَذِن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادَّخَر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال الذي سأله: أعقل ناقتي أو أدعها؟ قال: «اعقلها وتوكل»، فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل، والله أعلم» انتهى كلام ابن حجر -رحمه الله تعالى-.تفويض الأمر إلى الله -تعالى-
- قوله: «وجملة التوكل تفويض الأمر إلى الله -تعالى-، والثقة به مع ما قدر له من التسبب، ففي الصحيحين أيضًا من حديث الزبير - رضي الله عنه -: «لأن يأخذ أحدكم حبله، ثم يأتي الجبل، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيستغني بها، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»، وقال سهل بن عبد الله: «التوكل حال النبي -صلى الله عليه وسلم - والكسبُّ سنته، فمن بقي على حاله، فلا يتركن سنتَّه»، أي أن التوكل حاله - صلى الله عليه وسلم - القلبي والإيماني، والكسب سنته الفعلية العملية، وفي حديث الزبير - رضي الله عنه - «حثٌّ على التعفف، وتفضيل الكسب والسبب على البطالة، وجمهور المحققين -كابن جرير وأتباعه- على أن السبب لا ينافي التوكل؛ حيث كان الاعتماد على الله لا على السبب».
- قوله: وفي صحيح البخاري من حديث المقداد بن معديكرب: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يديه، قال: وكان داود لا يأكل إلا من عمل يديه»، وفي هذا الحديث يوضح النبي -[- أن أفضل طعام يأكله الإنسان هو الذي يأكله نتيجة كسبه وعمله، سواء كان نوع العمل حقيرًا أم عظيمًا، سواء أكان مقدار الأجر كثيرًا أم قليلًا، بل الذي عليه مدار الأمر أن يكون حلالًا لا شبهة فيه.
حال الأنبياء -عليهم السلام-
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: كان آدم عليه السلام حرّاثًا، ونوح نجّارًا، وإدريس خيّاطًا، وإبراهيم ولوط زرَّاعيْن، وصالح تاجرًا، وداود زرَّادًا، وموسى وشعيب ومحمد -صلوات الله عليهم- رعاة، وأما الآثار.. فروي أن لقمان الحكيم قال لابنه: يا بني استعن بالكسب الحلال؛ فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقةٌ فى دينه، وضعفٌ فى عقله، وذهاب مروءته، وأعظم من هذه الخصال استخفاف الناس به. وقيل لأحمد بن حنبل: ما تقول في رجل جلس في بيته أو مسجده وقال: لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي»، وقال حين ذكر الطير: «تغدو خماصًا وتروح بطانًا»، أي وقع من الطير سعي وحركة.ذم الجلوس في المسجد الجامع للتسول
- قوله: «وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبدالله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد بن نصير قال: حدثني الجنيد قال: سمعت السري يذم الجلوس في المسجد الجامع، ويقول: جعلوا المسجد الجامع حوانيت ليس لها أبواب»، «يذم الجلوس في المسجد الجامع»: يقصد الجلوس أمام أبواب المساجد للتسوّل، «ويقول: جعلوا المسجد الجامع حوانيت ليس لها أبواب» أي: دكاكين ليس لها أبواب.
- قوله: (وبه أنبأنا البيهقي بإسناده عن أبي بكر الصديق قال: دينك لمعادك، ودرهمك لمعاشك، ولا خير في امرئ بلا درهم)، وفي هذه العبارة يحث أبو بكر الصديق على المحافظة على الدين؛ فهو ما ينفع في الآخرة، والسعي للعمل، فهو ما ينفع في الحياة الدنيوية.
- قوله: (وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد الخواص قال: أنبأنا إبراهيم بن نصر المنصوري قال: سمعت إبراهيم بن بشار -خادم إبراهيم بن أدهم- قال: سمعت أبا علي الفضيل بن عياض يقول لابن المبارك: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام، كيف ذا وأنت بخلاف ذا؟ فقال ابن المبارك: يا أبا علي أنا أفعل ذا لأصون بها وجهي، وأكرم بها عرضي، وأستعين بها على طاعة ربي، لا أرى لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به. فقال له الفضيل: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا!).
أهمية العمل والتجارة
هنا يُبيِّنُ ابن المبارك أهمية العمل والتجارة، وذكر لها فوائد شتى منها: (1) صيانة النفس عن السؤال. (2) المحافظة على العرض والكرامة. (3) الاستعانة بها على طاعة الله. (4) المسارعة في الخيرات والحرص على الصدقات. (5) سد حاجة المعوزين.أثر التوكل على سلوك المسلم
- تحقيق مقام التوكل بعد بذل الأسباب، يجعل المؤمن هادئ النفس، مطمئن القلب، ينتظر الفرج من عند الله وكُلَّه شوق إليها.
- التعلق التام بالله -تعالى-، والثقة به، وعدم التأثر بالأسباب المادية.
- برد اليقين يجده المؤمن بقلبه والسكينة تملأ جوارحه، وهو يخوض غمار هذه الحياة متوكلا على الله معتمدا على فضله وعطائه ومواهبه التي لا تعد ولا تحصى، بخلاف غير المؤمن الذي يحفه القلق من كل جانب.
- بذل أسباب السلامة في الدنيا جزء من التوكل، وكذلك بذل أسباب السلامة في الآخرة جزء من التوكل؛ فالمؤمن يعمل لدنياه ويعمل لأخراه.
لاتوجد تعليقات