من صفات الدعاة الصدق والتجرد وعدم الغدر
- في حديث طويل لابن عباس-رضي الله عنهما- في الصحيحين، حوار عقلي جرى بين عظيم الروم -ملك بيزنطة الشهير بـ(هرقل)-، وأحد زعماء المشركين العرب آنذاك وهو أبو سفيان الأموي الذي أسلم فيما بعد رضي الله عنه ، وهو حوار يستحق فعلاً أن تدرس دلالاته العميقة، وها هنا محاولة مقتضبة للحديث عنه بالقدر المناسب للمقصود من المقال.
يقول أبو سفيان: فكان أول ما سألني عنه (يعني هرقل): كيف نسبه فيكم؟
أبو سفيـان: هو فينا ذو نسب.
هرقل: فهل كان من آبائه من ملك؟
أبو سفيــان: لا.
هرقل : فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قطُّ قبلَه؟
أبو سفيـــان: لا.
هرقل: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟
أبو سفيـان: بل ضعفاؤهم.
هرقل: أيزيدون أم ينقصون؟
أبو سفيــان: بل يزيدون.
هرقل: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟
أبو سفيـــان: لا.
هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
ابو سفيان: لا.
هرقل: فهل يغدر؟
أبو سفيــــان: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، ولم تمكنّي كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة.
هرقل: فهل قاتلتموه؟
أبو سفيــان : نعم.
هرقل: فكيف كان قتالكم إياه ؟
أبو سفيان: الحرب بيننا وبينه سِجال، ينال منا وننال منه.
هرقل : ماذا يأمركم؟
أبو سفيـان : يقول اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة.
الصدق
- هذا حاصل الاستجواب بين عظيم الروم وعظيمٍ للمشركين آنذاك من العرب، وخلاصته أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكُن كذَّابًا، واشتُهر بالصِّدق، وهذا ما يجعله ذا مصداقية عالية عند الناس، فالصادق عاقل ذو إيمان؛ فلا يكذب على الله، ويَصْدُق الناس، وهذه من أهم صفات الداعية التي يجب عليه أن يلزمها ولا تفارقه بأي حال من الأحوال،
التجرد
- كما أن الصادق المخلص في دعوته لا ينشد مجدًا لنفسه، بل هو متجرد من كل حظوظ نفسه، قاصدا بدعوته وجه الله -تعالى.
إقامة العدل
- وفي جوابه أن ضعفاء الناس هم أكثر أتباعه، فيه دلالة على أن الداعية الناجح يسعى لإقامة العدل بما يبطل الفوارق القائمة على علوِّ الناس بعضها على بعض؛ فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، ومنها أن الناس أمام القانون الإلهي وهو شريعته الخالدة سواء.
يزيد أتباعه
- وعن إجابته عن أن أتباعه يزيدون أم ينقصون؟ فيه دلالة أيضًا على نجاح الداعية في دعوته، ولاسيما إن كان ما يحمله هو المنهج الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فالحق من طبيعته أن قوته ذاتية؛ فهو كالمغناطيس الجاذب، ولو قصّر أهله ما قصّروا وفرطوا ما فرطوا.
لا يغدر
- كذلك في إجابته أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغدر؛ فهذه أهم صفة من صفات دعاة الحق، -أتباع الرسل عليهم السلام-؛ فلا يكون من هديهم الغدر.
الدعوة إلى التوحيد
- وفي إجابته أنه يأمرهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وينهاهم عن عبادة الأوثان، ويأمرهم بالصلاة والصدق والعفاف؛ فإن كل هذا من مبادئ دعوة الرسل وأتباعهم، ومن خالف هذا المنهج فشل في دعوته، ولم يكن على الهدى والصراط المستقيم.
28/10/2019
لاتوجد تعليقات