رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 22 أكتوبر، 2019 0 تعليق

اجعل لك تميزًا عند الله

 

د. سلام نجم الدين الشرابي

     ازداد الاهتمام في الفترة الأخيرة بالتخصص، بل والتخصص الدقيق، فغدا من لا يتميز في علم ما أو عمل لا يجد له مكاناً مرموقًا في الحراك المجتمعي والثقافي والسياسي أيضاً، لذلك يعمد الناس للبحث عما يمكن أن يستثمرونه في ذاتهم؛ بغية الوصول إلى التميز في أمر ما، ولعلنا نلحظ كثرة الدورات المتعلقة بتطوير الذات، وتنميتها التي تهدف في غالبيتها إلى مساعدة الفرد على اكتشاف نفسه، واكتشاف مواهبه وقدراته، ومن ثم العمل على تطويرها لاستثمارها الاستثمار الأمثل.

     وكما هو الأمر في المجال المهني والدراسي هو كذلك في المجال التعبدي، فكل منا تتوق نفسه إلى نوع من العبادات عدا الفرائض التي لا بد من تأديتها، فمنّا من يعشق قيام الليل ويجد فيه السعادة والأمان والاطمئنان، ومنّا من يأنس بالدعاء فتجده سريع اللجوء إلى الله في السراء والضراء، وهناك من تشغف روحه لقراءة القرآن وتدبر معانيه، وآخرون تساعدهم ذاكرتهم على حفظ كتاب الله فتسير كلماته في ذهنهم وقلوبهم كالجدول بسلاسة رقراقة، ومنّا من يستطيع مقاومة العطش والجوع وهو يستحضر الأجر الكبير للصائم، ومنّا من يستمتع بالعطاء فيبذل ماله ما بين زكاة وصدقة لا تعرف يساره ما تقدم يمينه... ومنّا ومنّا...

     وكل ما سبق عبادات يتقرب فيها العبد من ربه، وتأديتها تختلف من شخص لآخر وفق قدراته وحبه لها تمامًا، كما هو الحال في المواهب والقدرات وكما نحاول أن ننمي مواهبنا ونرعاها لنحولها إلى ممارسة مهنية، علينا أن نقوم أيضًا بالاهتمام بقدراتنا وميولنا في الاتجاه التعبدي فنستكشف أنفسنا، وننظر في أي مجال من العبادات نستطيع أن نؤديه بالأداء الأمثل ونتميز به علنا نكون ممن يعرف عند الله بأنه قوّام أو صوّام أو متصدق أو من أهل القرآن، فنحظى بالرد على الملائكة يوم القيامة إذا نادوا: أين الصائمون؟ أين القائمون؟ أين الحافظون؟ فعن سهل - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم يقال: أين الصائمون؟ فيقومون فإذا دخلوا أغلق» متفق عليه أي رواه البخاري ومسلم.

      وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة»، فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم» متفق عليه.

     إن المواهب ثروة بشرية كامنة واكتشافها وتنميتها ضرورة لنجاح الفرد والمجتمع كله، وكما هي بهذه الأهمية في الأمور الدنيوية هي كذلك في الأمور الدينية، فما نستثمره في أنفسنا في المجال التعبدي نحصد أثره في الدنيا والآخرة، وكما نرقى بالتخصص المفضي إلى التميز في المناصب الدنيوية نزداد علواً ورفعة ورضى من الله. إن تميزنا في المجال التعبدي نرجو منه آن نحظى بمنصب أخروي؛ فالمؤمن الفطن لا يقف طموحه عند دنيا فانية، وإنما الآخرة هي هدفه الأعلى، فلنبدأ من الآن في اكتشاف إمكانياتنا وقدراتنا لننميها، ونعمل على تطويرها حتى نجعل لنا تميزاً عند الله، وما أروعه من تميزاً.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك