معركة باطن الإثم أخطار تهدد الدعوة من الداخل
قد يكون الدعاة إلى الله نجحوا في إضفاء كلمة اﻹسلامية على كثير من مجاﻻت الحياة وبعض سلوكاتهم، وهذا نصف ما أمرنا به من التخلق بقوله -تعالى-: {وذروا ظاهر اﻹثم وباطنه}، ولكن تبقى معركة كبرى لا يزال وطيسها متأججاً، وهي معركة باطن اﻹثم، من أمراض القلوب، من الغل، والحسد، والحقد، والكبر، والعلو، والنفاق، والرياء، وكيف تحطم تلك اﻷوغار والحزازيات عشرات، بل مئات اﻷعمال التي أنجزتها اﻷبدان.
سبق الصحابة -رضي الله عنهم- غيرهم بما في قلوبهم، كما قال أبوبكر بن عياش: «ماسبق أبوبكر الصديق رضي الله عنه بكثرة صيام وﻻ صلاة، ولكن بشيء وقر في صدره؛ فقيل ما الذي وقر في صدره؟ قال: حب الله والنصح للمسلمين».
بنوا دولة في خضم عشر سنين من عمر الزمن ﻻ مثيل لقيامها على مر التاريخ تناهز فارس والروم، بضعف إمكانيات ومحدودية قدرات، ولكن معهم قلوب طاهرة {إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم}، قال ابن مسعود رضي الله عنه : «إن الله نظر في قلوب العالمين؛ فوجد أطهرها قلب محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فاصطفاه لرسالته، ثم نظر في قلوب العالمين؛ فوجد أطهرها قلوب أصحابه فاصطفاهم لصحبة نبيه».
تقدموا وتأخرنا، وفتحت لهم اﻷبواب وأغلقت دوننا، واحتضنتهم السماء واﻷرض ونبذتنا؛ ﻷنهم بذلوا من قلوبهم وبخلنا. ضرب العلم النافع بجذوره في قلوبهم وأعمالهم وقصرنا. اتهموا أنفسهم مع اﻹنجاز، واغتررنا بثناء وشهرة وأضواء دون إنجاز يضرب بعمقه في خارطة العالم، بل الفضائح الأخلاقية كل يوم تتجدد وتحسب على العمل الإسلامي بأسره وما يستره الله أكثر من المعايب والنقائص.
معركة باطن اﻹثم معركة حية نابضة متجددة بعدد اﻷنفاس مادمت حيا، مطالب بزكاة نفسك اﻷمارة بالسوء، المثخنة بجراح أسهم الشيطان، وحتى اﻷنفاس اﻷخيرة شعارك فيها ليس بعد...ليس بعد... حتى خروج الروح كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر حياته: «إني إلى اﻵن أجدد إسلامي، وما أراني أسلمت إسلامًا جيدا».
بعضنا يرى أنه قمة في اﻻلتزام، والعلم، والعمل، والبذل، والدعوة على مستوى الفرد والجماعة، وهذا سبب الخذﻻن، ومن هنا تأتي الهزائم: {قل هو من عند أنفسكم}.
نظرة محاسبة ووقفة ومراقبة ومرابطة حقيق بها من كان متلبسا بالطاعة، يحرس قلبه من اﻷمراض و الجراح؛ ﻷنه يؤثر بقلبه، ويسير بقلبه وعلى قدر طهارة القلب تكون بركة السير واﻷثر .
ﻻ أحد أكبر من أن يهزم في تلك المعركة في بعض الجوﻻت؛ ولذلك الحذر الحذر، والحرص الحرص، والحراسة الحراسة، حتى ﻻ تكون حصوننا مهددة من الداخل!
كياننا ينهار من الداخل بـ{أنا خير منه}،أو {أنى يكون له الملك علينا}، أو {ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة}، أو {ﻷقتلنك}... داء اﻷمم الحسد... النابع من النظر إلى النفس والعلو بها، قال -تعالى-: {تلك الدار اﻵخرة نجعلها للذين ﻻ يريدون علوا في اﻷرض وﻻ فسادا}؛ لنطهر قلوبنا حتى يرحمنا الله في تعبدنا له وفي دعوة الناس.
لاتوجد تعليقات