الضابط الخامس عشر – الضوابط الفقهية للأعمال الوقفية – العين التي يصحّ وقفها، كلّ عينٍ تجوز عاريتها
باب الوقف من الأبواب المهمة التي من الأهميّة تقرير ضوابطه، ذلك أنّ عامّة أحكام الوقف اجتهاديّة؛ فلا مناص من الانطلاق في تقريرها من أصول الشريعة العامّة، الضابطة لباب المصالح والمنافع على وجه الخصوص، ثمّ من القواعد الفقهيّة الكلّيّة، ثم يترجم كلّ ذلك على هيئة ضوابط خاصة بباب الوقف، وهو ما سنتناوله في هذه السلسلة المباركة إن شاء الله، واليوم مع الضوابط المتعلّقة بالعين الموقوفة، ومنها العين التي يصحّ وقفها، كلّ عينٍ تجوز عاريتها.
معنى الضابط
كلُّ عينٍ فيها نفعٌ يصحّ أن تُعارَ من أجله، وطلباً له، يصحّ أن تكون وقفًا، والواقع أنّ في تقرير هذا الضّابط على هذا النّحو فيه شيءٌ من الاستباق؛ لأنّ صورته ومضمونه لا يكتمل إلّا بما بعده، لكنّنا نعجّل به؛ لأنّ تقديم وصف العين التي يصحّ وقفها لا بدّ منه في البدايات، والمقرّر في هذا الضّابط هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه الله-؛ فقد جاء في (الاختيارات): «...ولو وقَفَ منفعةً يملكها، كالعبد الموصى بخدمته، أو منفعةَ أمّ ولدِه في حياته، أو منفعةَ العين المستأجرة؛ فعلى ما ذكره أصحابُنا: لا يصحّ».
ليس فيه فقه!
قال أبو العباس: وعندي هذا ليس فيه فقه؛ فإنّه لا فرق بين وقف هذا ووقف البناء والغراس، ولا فرق بين وقف ثوب على الفقراء يلبسونه، أو فرس يركبونه، أو ريحان يشمّه أهل المسجد، وطِيبُ الكعبة حكمُه حكمُ كسوتها؛ فعُلِمَ أنّ الطِّيبَ منفعةٌ مقصودةٌ، لكن قد يطول بقاءُ مدّة التطيّب، وقد يقصُر، ولا أثر لذلك، ويصحّ وقف الكلب المعلَّم والجوارح المعلّمة، وما لا يُقدَر على تسليمِه، وأقرب الحدود في الوقف: أنّه كلُّ عينٍ تجوز عاريتها».
وقد عُدّ هذا على شيخ الإسلام من التوسُّع؛ فقد أوردَ المرداويُّ هذا الضابط عن شيخ الإسلام، فقال: «فأدخلَ في حدّه أشياءَ كثيرةً لا يجوز وقفُها عند الإمام أحمد، والأصحاب...»، إلّا أنّه سيتبيّن من خلال عرضنا للضوابط الآتية في العين الموقوفة أنّ قول شيخ الإسلام -رحمه الله- له حظٌّ قويّ، ورجحانٌ بيّن.
التأبيد
وقد اشترطَ أهل العلم في الوقف التأبيد، ومعناه أن تكون العين الموقوفة يمكن استيفاء النّفع منها مع بقاءها، إلّا أنّه سيتبيّن أنّ ذلك ليس شرطًا على الصّحيح.
والمقصود بهذا الضابط: كلُّ عين: العين هي المال.
تجوز عاريتها: أي فيها منفعةٌ يمكن أن تُعطى من أجلها؛ فدخل في ذلك كلُّ مالٍ له منفعةٌ يمكن أن تستوفى منه، بصرف النّظر كان منقولاً أم غير منقول، يبقى أو يُستهلَك، ويبقى أمدًا طويلاً أو قليلاً.
وأخرج بقيد الجواز: العين التي لها منفعةٌ يحرُم استيفاؤها، أو تحرُم إعارتُها من أجل استيفائها، كمن أعار دارَه لمن يرتكب فيها فاحشةً، أو يشرب خمراً.
وكلّ عينٍ يمكن استيفاء النّفع منها مع بقاءها، وكانت مباحة النّفع أصلاً؛ فهذا الضّابط يدلّ على صحّة وقفها من باب أولى، وسيتّضح المزيد في الضوابط الآتية -إن شاء الله.
قال الموفّق: «كلُّ مملوكٍ أُبيح الانتفاعُ به، يجوز بيعُه، إلّا ما استثناه الشرع، من الكلبِ وأمّ الولدِ، والوقف، وفي المدبر والمكاتَب والزيت النجس اختلاف؛لأنّ الملك سببٌ لإطلاقِ التصرّف، والمنفعةُ المباحة يباح له استيفاؤها؛ فجاز له أخذ عوضها، وأُبيح لغيره بذل ماله فيها، توصُّلًا إليها، ودفعًا لحاجته بها، كسائر ما أبيح بيعه».
فإذا كان الملك سبباً لإطلاق التصرُّف، فلا شيء يمنع من بيع كلّ مملوكٍ إلّا ما استثناه الشّرع، ولا من إجارته إلّا ما استثناه الشّرع، وكذلك إعارته، ومثل ذلك وقفُه.
التطبيقات
يجوز وقف الكلب المعلّم؛ لأنّ منفعته مباحة؛ ولما كان كذلك فقد صحّت إعارته، وصحّ وقفه.
يصحّ وقف الحيوان، ولا يشكل على ذلك أنّه منقولٌ، وأنّه لا يتأبّد؛ لأنّه تصحّ إعارته لإباحة نفعه.
لا يصحّ وقف ما لا يُقدَر على تسليمه
معنى الضابط
كلُّ عينٍ يصحُّ وقفُها في ذاتها، لكنّها كانت لا تقع عند إنشاء عقد الوقف تحت قدرة الواقف، وكان عاجزاً عن تسليمها بأيّ وجهٍ من وجوه العجز؛ فإنّ وقْفها لا يصحّ ولا ينعقد.
وفي الجملة؛ فإنّ أهل العلم لهم في ضبط العين التي يصحُّ وقفها طريقتان، هما:
الأولى: بالحصر والعدد، وهذه طريقة الإمام ابن حزم -رحمه الله-، قال: «مسألة: والتّحبيس -وهو الوقف- جائزٌ في الأصول من الدُّور والأرضين بما فيها من الغِرَاس والبِنَاء إن كانت فيها، وفي الأَرْحَاء، وفي المصاحف، والدفاتر.
ويجوز أيضا في العبيد، والسّلاح، والخيل، في سبيل الله -عزّ وجلّ- في الجهاد فقط، لا في غير ذلك، ولا يجوز في شيء غير ما ذكرنا أصلاً، ولا في بناءٍ دون القَاعَة».
الثانية: بالصِّفة والحدّ، وهو قول العامّة من أهل العلم؛ فهم يضبطون ما يصحّ وقفه بضابطٍ معياريٍّ ولا يحصرون ما يصحّ وقفه في أشياء معدودة.
وقد اختلف أهل العلم في هذا الضّابط على قولين:
الأوّل: ما صحّ بيعُه، وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه، وهذا قول الجمهور من أهل العلم من الأئمّة الأربعة.
الثاني: كلُّ عين تصحّ عاريتها، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه الله-.
وأمّا من جهة ضبط أهل العلم لشروط العين الموقوفة؛ فقد ضبطوها بضوابط واشترطوا فيها شروطاً، منها أنْ تكون تلك العين مقدوراً على تسليمها.
وقد اختلفوا في اشتراط ذلك على قولين:
الأوّل: أنّ القدرة على التسليم ليست شرطاً في صحّة الوقف؛ فيصحّ وقْف المعدوم والضائع والمسروق، وإلى هذا نحا الإمام مالك -رحمه الله-، واختاره شيخ الإسلام.
الثاني: أنّ وقْف ما لا يُقدر على تسليمه لا يصحّ، وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفيّة والشافعيّة والحنابلة.
أمّا قول المانعين فهو جارٍ على قياس الشريعة وقاعدتها الماضية في عامّة العقود، وهو المنع من إيراد عقدٍ على معدومٍ، أو غير مقدورٍ على تسليمه؛ فإنّ هذا هو الأصل في عامّة العقود، لكن الحقّ أنّ قول القائلين بالجواز والصحّة فيه قوّة ووجاهة، ومستنده ما هو معروفٌ في الشريعة من التخفيف في عقود التبرّعات، وعدم محاكمتها بالضرورة إلى كلّ ما يشترط في عقود المعاوضات.
وبكلِّ حالٍ فقد جريتُ في إيراد هذا الضابط على قول الجمهور بالمنع؛ إذ إنّ كلًّا من القولين له حضوره ووجاهته، ولا يمتنع أن يكون الترجيح في هذه المسألة بالتفصيل؛ فإنّ تصحيح وقْف المعدوم والمجهول وما لا يُقدر على تسليمه إذا كان معلَّلاً بكونه من عقود التبرّعات، ولا يُشترط فيها ما يُشترط في المعاوضات؛ فإنّ هذا التبرُّع إذا انقلبَ ضرراً على بعض الجهات، كالجهة الموقوف عليها، أو الجهة المتولِّية له إذا قُدر على تسليمه لاحقًا؛ فإنّ القول ببُطلان وقْفه قبل القدرة على تسليمه يكون متّجهاً.
وأمّا إذا كان وقفُه لا تبعةَ على أحدٍ فيه، كوقف مسروقٍ مثلاً؛ فإنّ وقفه لعلّه أن يكون سبباً في توبة سارقِه وإعادتِه له ليوضَع في مكانِه، ومثله المغصوب؛ فالمسألة محلّ نظرٍ بحسب الواقعة، لاسيما أنّ من المرجّحات في باب الوقف؛ الإفتاء بما هو أنفع له غالباً، والله أعلم.
التطبيقات
لا يصحّ وقف الحمل استقلالاً، ويجوز تبعاً لأمه، والسبب في عدم الصحّة هو أنّ الواقف لا يملك الحمل الموجود وقت الوقف؛ لأنه لا يقدر على تسليمه للجهة الموقوف عليها؛ ولأنّ الوقف تمليكٌ منجَّزٌ لمنفعة الموقوف -أو عينه على قولٍ-، وهو متعذّر في الحمل.
لا يصحّ وقفُ الطّير في الهواء ولا السمك في الماء ولا البعير الشارد؛ إذ لا يمكن قبض شيء من ذلك عادةً، وما لا يُقدر على تسليمه لا يصحّ وقفُه كما تقدّم.
لا يصحّ وقفُ المغصوب ممّن لا يقدر على انتزاعه من الغاصب؛ لأنه ليس في حيازته ولا يقدر على تسليمه، وما لا يقدر على تسليمه لا يصحّ وقفه.
لا ينعقدُ وقفُ دارٍ سيبنيها، أو أرضٍ سيشتريها، للعلّة نفسها السابقة، وهذه مسألة يجتمع فيها انعدامُ الموقوف حالَ الوقْف وعدم القدرة على تسليمه بالضرورة.
لاتوجد تعليقات