أبرز الطعون المعاصرة في الجامع الصحيح للبخاري (4)
الشبهة السادسة: أن الجامع الصحيح فيه عدد من الأحاديث المعلقة، والمعلق من قسم الأحاديث المردودة:
ويمكن الجواب عن هذا بما يلي:
- أولاً: أن الأحاديـث المعلقة ليسـت مـردودة علىالإطلاق؛ فمنهـا المقبـول، ومنهـا المـردود، والحكـم فـي ذلـك راجـع إلـى الإسـناد، هـل هـو متصـل أم لا؟ فـإذا كان إسـناد الحديـث المعلـق متصلا؛ فهو مقبـول صحيـح، وإذا كان منقطًعـا؛ فهـو مـردود ضعيـف، وسـيأتي توضيـح ذلـك، والتفصيـل فيـه.
- ثانيًــا: أن الأحاديــث المعلقــة فــي الجامــع الصحيــح ليســت كلهــا مرفوعــةً إلــى النبــي صلى الله عليه وسلم؛ فهنــاك نســبة كبيــرة منهـا هـي آثـار موقوفـة علـى الصحابـة والتابعيـن، أدخلهـا البخـاري فـي الجامـع فقًهـا منـه، للاسـتفادة مـن أقوالهـم والاسـتئناس بهـا، ومـن المعلـوم أن شـرط الإمـام البخـاري فـي جامعـه يتعلـق بالأحاديـث المرفوعـة المسـندة لا بالآثـار الموقوفــة، ويؤيــد ذلــك اســم كتابــه (الجامــع الصحيــح المســندالمختصــر مــن أمــور رســول الله - صلى الله عليه وسلم - وســنَنِه وأيامــه)، وأكـد ذلـك ابـن حجـر بقولـه: «المقصـود مـن هـذا التصنيف بالــذات هــو الأحاديــث الصحيحــة المســندة، وهــي التــي ترجـم لهـا، والمذكـور بالعـرض والتبـع: الآثـار الموقوفـة، والأحاديث المعلقـة، نعـم والآيـات المكرمـة؛ فجميـع ذلـك مترجـم بـه، إلا أنهـا إذا عدت بعضهـا مـع بعـض، وعدت أيضا بالنسـبة إلـى الحديث؛ يكـون بعضهـا مـع بعـض، منهـا مفسِّـر، ومنهـا مفسَّـر؛ فيكـون بعضهـا كالمترجــم لــه باعتبــار، ولكــن المقصــود بالــذات هــو الأصــل»، ولـو أسـند الإمـام البخـاري هـذه الآثـار المعلقـة فـي جامعـه؛ لخـرج بذلـك عـن شـرطه؛ ولهـذا علقهـا مـع كونهـا صحيحـة حتـى يخـل بشـرطه.
- ثالثًــا: أن عــددًا مــن الأحاديــث المعلقــة فــي الجامــع الصحيــح جـاءت موصولـة فـي الكتـاب نفسـه؛ فمـن عـادة الإمـام البخـاري أنـه يعلـق الحديـث فـي موضع ويصلـه في موضـع آخـر طلبًـا للاختصار، وعـدم التكـرار، وفـي هـذا يذكـر ابـن حجـر: «أنـه يُـورده معلًقـا؛ حيـث يضيـق مخـرج الحديـث؛ إذ مـن قاعدتـه أنـه يكـرر إلا الفائـدة؛ فمتـى ضـاق المخـرج واشـتمل المتـن علـى أحـكام؛ فاحتـاج إلـى تكريـره؛ فإنـه يتصـرف فـي الإسـناد بالاختصـار خشـية التطويـل».
وقــال أيضــا: «وربمــا ضــاق عليــه مخــرج الحديــث؛ حيــث لا يكـون لـه إلا طريـق واحـدة؛ فيتصـرف حينئـذ فيـه؛ فيـورده فـي موضع موصـولا وفـي موضـع معلًقـا».
- رابعـا: أن الأحاديـث المعلقـة التـي لـم توصـل داخـل الصحيـح، علـى نوعيـن:
النوع الأول: ما أورده البخاري بصيغة الجزم، وهذا الغالب الأعم فيه أحاديثُه صحيحة، وسبب تعليق هذا النوع من الأحاديث يبينه لنا ابن حجر بقوله: «السبب في كونه لم يوصل إسناده، إما لكونه أخرج ما يقوم مقامه؛ فاستغنى عن إيراد هذا مستوفى السياق، ولم يهمله، بل أورده بصيغة التعليق طلبًا للاختصار، وإما لكونه لم يحصل عنده مسموعا، أو سمعه وشك في سماعه له من شيخه، أو سمعه من شيخه مذاكرة فما رأى أنه يسوقه مساق الأصل، وغالب هذا فيما أورده عن مشايخه».
النـوع الثانـي: مـا أورده البخـاري بصيغـة التمريـض، وفيه الصحيـح علـى شـرط غيـره، وفيـه الحسـن، وفيـه الضعيـف المنجبِـر، وفيـه الضعيـف الـذي ينجبـر، وهـو قليل جدا،بـل نـادر، وهـذا الأخيـر يبيـن ضعفـه الإمـام البخاري نفسـه.
- خامًسـا: أن المعلقـات فـي الجامـع الصحيـح للبخـاري، قـد وصلهـا الحافـظ ابـن حجـر فـي كتـاب أسـماه (تغليـق التعليــق)، وبيــن أن هــذه المعلقــات موصولــة فــي كتــب السـنة الأخـرى سـوى الجامـع الصحيـح.
- سادسـا: لـو سـلمنا جـدلا أن الأحاديـث المعلقـة فـي الجامـع الصحيــح كلهــا ضعيفــة؛ فــإن ذلــك لا يمنــع الوثــوق بالجامــع الصحيــح، ويقلــل مــن شــأنه، وذلــك لأمــور منهــا:
أولهـا: أن أغلـب هـذه المعلقـات فـي تراجـم الأبـواب، لا فـي أصـل الكتـاب ومتنـه.
ثانيهــا: أن نســبة الأحاديــث المعلقــة إلــى الأحاديــث الموصولــة لا تــكاد تذكــر.
ثالثهـا: أن أكثـر هـذه المعلقـات خـارج شـرط البخـاري فـي صحيحـه؛ فلا تحسـب عليـه؛ لأنـه كمـا سـبق، غالبهـا آثـار موقوفـة علـى صحابـة وتابعيـن، وليسـت مسـندة كمـا شـرط البخـاري.
لاتوجد تعليقات