الضابط الحادي عشر – الضوابط الفقهية للأعمال الوقفية – الضوابط المتعلقة بالعين الموقوفة ( الوقف لا يُملَّك)
باب الوقف من الأبواب المهمة التي يجب تقرير ضوابطه؛ ذلك أنّ عامّة أحكام الوقف اجتهاديّة؛ فلا مناص من الانطلاق في تقريرها من أصول الشريعة العامّة، الضابطة لباب المصالح والمنافع على وجه الخصوص، ثمّ من القواعد الفقهيّة الكلّيّة، ثم يترجم كلّ ذلك على هيئة ضوابط خاصّة بباب الوقف، وهو ما سنتناوله في هذه السلسلة المباركة -إن شاء الله-، واليوم مع الضابط الأول من الضوابط المتعلّقة بالعين الموقوفة وهو أن الوقف لا يملك.
معنى الضابط
العين الموقوفة بعد ورود عقد الوقف عليها، تخرج عن ملك الجميع، ولا تكون ملكاً لأحد بعينه، إلّا لله -سبحانه وتعالى- وحده، وليس هذا عند جميع أهل العلم، وقد أشرنا إلى خلافهم مجرّد إشارة سابقاً، ونلخّص الآن مذاهبهم على نحو مختصرٍ، في تأثير الوقف على ملك العين الموقوفة، فنقول: اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأوّل
تبقى رقبة العين الموقوفة ملكاً للواقف، لكن ليس له حقّ التصرف فيها، وإليه ذهب الإمام مالك، واستدلّوا له بحديث النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- لعمر بن الخطّاب -رضي الله عنه-: «احبس أصلها، وسبِّلْ ثمرتها»، قالوا: ليس في كلام النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ما يدلّ على زوال الملك بعد ذلك التّحبيس.
القول الثاني
تنتقل الملكيّة إلى الموقوف عليه، وهو أرجح الروايات عن أحمد، واستدلّوا له: بأنّ الوقف تصرُّف يصلحُ لأن يكون من آثاره زوالُ الملك، كالهديّة والهبة، ولأنّه لو لم يكن تمليكاً للعين وإنما للمنفعة فقط، لكان عقداً جائزاً غير لازم، كالعارية وإباحة السُّكنى، فلمّا كان لازماً علمنا أنّه لم يلزم إلا لانتقال الملك.
القول الثالث
تكون الملكيّة لله -تعالى-، وهو أرجح الأقوال عند الشافعيّة، وإليه ذهب الصاحبان من الحنفيّة، وهو رواية عن أحمد.
وهذا القول الأخير هو الأرجح والأقوى.
وهناك صيغ أخرى لهذا الضابط، منها: لا تمليك في الوقف، ورقبة الوقف لا تُمْلَك، والوقف يقتضي زوال الملك، والوقف بعد لزومه لا يقبل الملك.
صلةٍ مباشرةٍ
وهذا الضابط ذو صلةٍ مباشرةٍ بالجواب عن السؤال: هل للوقف شخصيةٌ اعتباريّة؟ وقد تمّ تفصيل ذلك في ضابطٍ مستقلّ للجواب عنه، بقي أنْ نذكّر بأنّ معنى قول أهل العلم إنّ الوقف يصير ملكًا لله -تعالى-، معناه تحديداً: انفكاك الوقف عن اختصاص الآدميّين، وإلّا فالأشياء كلّها ملكٌ لله على الحقيقة، من قبل وقفها ومن بعده.
التطبيقات
1- الموقوف عليه لا يملك الوقف، فلا يجوز له بيعه.
2- إذا حلف لا يهب لفلان، فوقف عليه، لم يحنث على القول الراجح؛ لأنّ الوقف لا يُمْلَك، والهبة تقتضي ملك الموهوب.
3- لا يجوز أن يورث الوقف؛ لأن الإرث لا يكون إلا فيما هو مملوك.
4- لا يجوز لمتولِّي الوقف رهنه؛ لأنّه لا يملكُه.
5- إذا وُقفت الدور فلا تجب الزكاة في غلّاتها؛ لأنها ليست مملوكة للواقف ولا للموقوف عليه، والزكاة إنما تجب في المال المملوك.
6- الوقف لا تُستحق به الشفعة؛ لأن الموقوف عليه لا يملك الوقف على الراجح؛ فليس بشريك في الملك، والشفعة إنما تثبت للشريك.
لاتوجد تعليقات