رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 15 يناير، 2019 0 تعليق

الضوابط الفقهية في الأعمال الوقفية – الضابط الرابع – بذل المال لا يجوز إلا لمنفعةٍ في الدّين أو الدّنيا


باب الوقف من الأبواب المهمة التي من الأهميّة تقرير ضوابطه؛ ذلك أنّ عامّة أحكام الوقف اجتهاديّة؛ فلا مناص من الانطلاق في تقريرها من أصول الشريعة العامّة، الضابطة لباب المصالح والمنافع على وجه الخصوص، ثمّ من القواعد الفقهيّة الكلّيّة، ثم يترجم كلّ ذلك على هيئة ضوابط خاصّة بباب الوقف، وهو ما سنتناوله في هذه السلسلة المباركة -إن شاء الله-، واليوم مع الضابط الرابع: بذل المال لا يجوز إلا لمنفعةٍ في الدّين أو الدّنيا.

 

 هذا ضابطٌ مهمٌّ، يحكم عقود المعاوضات والتبرُّعات جميعاً؛ لأنّ بذل المال قد يكون بعِوَض، أو بغير عِوض، والثاني: هو التبرُّع، ولا يجوز شيءٌ من ذلك، إلّا لتحصيل منفعة، أو دفع ضررٍ، في دين الإنسان أو مصالح دنياه.

تأكيد معنى ضابطٍ آخر

     وفي الواقع: فإنّ هذا الضّابط العام، نوردُه زيادةً في تأكيد معنى ضابطٍ آخر هو: «لا يصحّ وقف ما لا يُنتفع به»، وقد كان الكلام فيه منصبًّا على مسألة وقف المنافع، وعلاقتها بشرط التأبيد في الوقف، وإن كنّا أشرنا في شرحنا له إلى أنّ وقف ما لا يُنتفع به، لا يجوز.

     والآن نؤكّد بهذا الضابط العامّ على أنّ بذل المال بأي نوع من أنواع البذل لا يجوز؛ لأنّ تضييع المال بلا منفعةٍ حرامٌ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنّ الله حرّم عليكم عقوق الأمّهات، ومنعًا وهات، ووأدَ البنات، وكرِه لكم قيل وقال، وكثرةَ السؤال، وإضاعةَ المال».

     قال الحافظ: «وإضاعة المال، الأكثرُ حملوه على الإسراف في الإنفاق، وقيّده بعضُهم بالإنفاق في الحرام، والأقوى أنّه ما أُنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعاً، سواء كانت دينيّة أم دنيويّة؛ فمُنع منه؛ لأنّ الله -تعالى- جعل المال قياماً لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح، إمّا في حقّ مُضَيِّعِها، وإما في حقّ غيره، ويستثنى من ذلك كثرة إنفاقه في وجوه البِرّ لتحصيل ثواب الآخرة، ما لم يفوّت حقًّا أخرويًّا أهمّ منه.

كثرة الإنفاق

والحاصل في كثرة الإنفاق ثلاثة أوجه:

- الأوّل: إنفاقُه في الوجوه المذمومة شرعاً؛ فلا شكّ في منعه.

- والثاني: إنفاقُه في الوجوه المحمودة شرعاً؛ فلا شكّ في كونِه مطلوبا بالشرط المذكور.

- والثالث: إنفاقُه في المباحات بالأصالة، كملاذّ النفس؛ فهذا ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقَدْر ماله؛ فهذا ليس بإسراف. والثاني: ما لا يليق به عُرفًا، وهو ينقسم أيضا إلى قسمَيْن:

- أحدهما: ما يكون لدفع مفسدةٍ، إمّا ناجزة، أو متوقّعة؛ فهذا ليس بإسراف.

-  والثاني: ما لا يكون في شيءٍ من ذلك؛ فالجمهور على أنّه إسراف، وذهب بعض الشافعيّة إلى أنّه ليس بإسراف، قال: لأنّه تقوم به مصلحة البدن، وهو غرضٌ صحيحٌ، وإذا كان في غير معصية؛ فهو مباح له، قال ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن يمنع ما قال».

بذل المال

     وقال شيخ الإسلام: «بذل المال لا يجوز إلا لمنفعة في الدين أو الدنيا، وهذا أصلٌ متفقٌ عليه بين العلماء، ومن خرج عن ذلك كان سفيهًا وحُجِر عليه عند جمهور العلماء الذين يحجرون على السّفيه، وكان مبذّرًا لماله، وقد نهى الله في كتابه عن تبذير المال، {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا}(الإسراء: 26)، وهو إنفاقه في غير مصلحةٍ، وكان مضيّعًا لماله، وقد نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال في الحديث المتفق عليه، وقد قال الله -تعالى- في كتابه: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً}(النساء: 5)، وصرفُ المال فيما لا ينفع في الدّين، ولا الدّنيا من أعظم السَّفَه؛ فيكون ذلك منهيًّا عنه في الشّرع».

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك