رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 30 ديسمبر، 2018 0 تعليق

الدور التكاملي في العمل الخيري بين الحكومة والجمعيات الخيرية


الجمعيات الخيرية مظهر حضاري لا يتوفر إلاّ في مجتمع يحب الخير ويسعى إليه ويبثه، بل ويوطد أركانه ويثبت أطنابه، وقد استطاعت الكويت أن تتقلد مكانة مرموقة في مجال العمل الخيري على مستوى العالم، حتى استحقت تكريمًا دوليًا خاصًا من قبل هيئة الامم المتحدة بتسميتها (مركزًا للعمل الانساني) وإطلاق لقب (قائد العمل الانساني) على سمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد، وتعمل الجمعيات الخيرية الكويتية جنبًا إلى جنب مع القيادة السياسية على تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية في حالات الكوارث والنكبات والحروب والمجاعات التي تنتشر حول العالم بغض النظر عن الدين أو الوطن أو الجنس أو اللون إلى جانب إيصال الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب وخدمات صحية وتعليمية إلى المجتمعات الفقيرة.

     وقد أدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل دورًا بارزًا في حماية العمل الخيري، ولا سيما بعد التطور الواضح، والزيادة الكبيرة التي شهدتها المؤسسات الخيرية الكويتية خلال السنوات الأخيرة، والتي تعد خير شاهد على جهود الوزارة وعلى اهتمام الدولة بهذا القطاع المهم والمؤثر، كما ساهمت جهود الوزارة في زيادة ثقة المجتمع الكويتي في الجمعيات الخيرية حتى ازدادت إيراداتها، وانعكست إيجابيًا على صورة تلك المؤسسات في الداخل والخارج، وساهمت الضوابط المنظمة لهذا القطاع في حمايته من أي مسيء.

مسؤولية ضخمة

     ولا شك أن الجمعيات والمؤسسات الخيرية الكويتية عليها مسؤولية ضخمة للحفاظ على هذه المكانة التي تبوأها العمل الخيري الكويتي، وهي مدعوة وبقوة للعمل باستمرار على الحفاظ على هذه الصورة بيضاء نقية، والسعي الدؤوب لحماية هذا القطاع بكل السبل والأسباب الممكنة، ومن هذه الأسباب ما يلي:

العمل وفق القوانين والأنظمة

     فالدولة تنظم العمل الخيري من خلال عـدد مـن الأنظمة أو بإقرار قوانين خاصة يعمل في إطارها وعلى هدي أحكامها، وبقدر ما يعتقد بعضهم أن القوانين قد تكون معوِّقة لحرية الجمعيات والهيئات أو داعية للتدخل في شؤونها بقدر ما تكون في غالب الأمر حامية للعاملين عليها أو المتبرعين الذين يضعون أموالهم بين أيدٍ أمينة تُحسِن التصرف.

     وإن حصول الجمعيات والمؤسسات الخيرية على الشرعية لجميع أنشطتها الخيرية لدى وزارات الشؤون الاجتماعية أو الخارجية، أو وفق ما تحدده القوانين والضوابط المنظمة لهذا القطاع أمرٌ ضروري لاكتساب الشرعية والعمل في العلن، فحب الخير وحده لا يكفي، والنوايا الطيبة ليست سياجًا للحماية، ولكن العمل بشفافية كاملة هو الضمان، والعمل ينبغي أن يكون علنيًا وليس سريًا، وتنظيمات المجتمع هي من أجل المجتمع والعمل لصالحه.

الشفافية

فالشفافية مطلوبة في كل شيء بداية من تبيان الأهداف ونبل المقصد ووصولاً إلى تنفيد المشروعات على الأرض. إن الأمر المهم الذي قد يثير قلق المتبرعين أو المانحين هو: إلى أيـن نــوجه الأمــوال أو كيف توظّفها؟ وهل تحقق الغرض منها أم لم يتحقق؟

وهنا يأتي دور التقارير الخاصة بالإنجازات سواء كانت تقارير عن مشروعات بعينها أم تقارير عامة فئوية كانت أم سنوية، التي يجب أن تعكس النشاطات والأعمال. إن عملية التواصل مع الجهات المانحة وجمهور المتبرعين عملية مهمة لكسب المصداقية.

     وقد يفسر بعضهم الشفافية بمفهوم سطحي بمعنى تدخل الآخر في الأعمال، أو تدخل كل من له مصلحة أو غيره في تفاصيل الأشياء؛ إن ذلك الأمر مربك للعمل وللعاملين وكأنهم موضع اتهام مستمر. ولكن المقصود بالشفافية هو اطِّلاع من يهمهم الأمر على طبيعة الأعمال بجانب نشر التقارير المعبرة.

التنظيم الإداري الجيد

     إن العمل الأهلي الخيري لم يعد عملاً تلقائيًا، ولكنه دخل مرحلة الاحتراف، ومن ثم فالأخذ بالأسلوب العلمي في الإدارة والاستعانة بالكفاءات الإدارية الواعية أضحى أمرًا أساسيًا، فالتنظيم الإداري يعني تنظيمًا إداريًا للأعمال التطوعية والهيئات الإدارية، وكيفية اتخاذ القرار وانتظام الجلسات واللجان، ورسم السياسات ووضع الخطط والبرامج، وعلى صعيد العاملين يعني عناصر قادرة لها رؤية وتقوم بالعملية التنفيذية باتباع الأساليب الإدارية الحديثة في التخطيط والتنظيم والإدارة، وأداء الأعمال من ناحية إعداد المشاريع وتنفيذها، وما يتعلق بالمتابعة والتقييم وإعداد التقارير، والقيام بأعمال الدعوة والإعلام، وربط الصِّلات مع المنظمات الأهلية والأطر الرسمية في داخل المجتمع، ودعوتها للمشاركة في الأعمال إلى جانب المحافظة على الجودة الشاملة في تنفيذ البرامج والمشروعات.

الاستقلالية

الاستقلالية لا تعني التقوقع أو الانغلاق على النفس، بل تعني الانفتاح ولكن باستقلالية في رسم السياسات وفي أخد القرار، وهذه الاستقلالية تنبع من الشعور بالمسؤولية تجاه احتياجات المجتمع والجماهير المستفيدة.

     والاستقلالية تعني عدم الارتباط بحزب معين، أو توجه سياسي يطغى على العمل الخيري ويصبح محسوبًا على فئة دون أخرى، فيكون الولاء ليس للخير وحده والمصلحة العامة، ولكن للطائفة أو الحزب، فتعلو وتهبط وتتلون حسب توجهات الطائفة أو الحزب، ويُفقدها ذلك الموضوعية في رسم البرامج واتخاذ القرارات.

والاستقلالية تعني التحرر من فرض توجهات معينة تتعارض مع أهداف الجمعية أو الهيئة، فتكون أعمالها خالصة لتحقيق الصالح العام وخدمة أفراد المجتمع الذين تستهدف المؤسسة خدمتهم.

وضوح الأهداف

     العمل الخيري كما سبق الإشارة إليه، لم يعد عملاً تلقائيًا تحدوه النوايا الحسنة فحسب، بل هو عمل علمي لابد أن تكون له مجموعة من الأهداف العليا، أو قل الاستراتيجيات التي يسعى إلى تحقيقها والسير في فلكها، وهذه الأهداف العامة لابد أن تكون محددة وواضحة السمات، بحيث لا يكون هناك أهداف خفية أو غير مرئية أو مستترة.

     وفي العمل لابد من ترجمة الأهداف العليا أو الاستراتيجيات إلى أهداف عملية، وللتعامل مع هذه العملية تكون البرامج والمشاريع، وأخيراً يكون تحديد الجمهور المستهدف وغايات هذه البرامج والمشاريع، ولابد لأهداف العملية أو الأهداف الخاصة بالبرامج والمشاريع أن تكون واضحة ومحددة وسهلة القياس.

إن عملية وضوح الأهداف سمة علمية، ولا تكون مجرد أهداف مكتوبة، ولكن تكون معلنة يتشربها جمهور المتطوعين والعاملين كي يسعى الجميع لتحقيقها، وليتسنى للشركاء أو منظمات المجتمع الأخرى التعاون والتنسيق معها في تحقيقها.

البعد عن الصراعات

     إن القائمين على العمل الخيري أو الجمعيات هم في الأساس متطوعون، أو أناس آلَوا على أنفسهم العمل الخيري من أجل خدمة مجتمعاتهم أو الفئات المستهدفة بالخدمة، كما أن العاملين هم عنصر فاعل في أداء الأعمال، ومن ثَم فإن جمهور المتطوعين الذين رسموا السياسات والأهداف حري بهم الاتفاق والبعد عن الصراعات، وقد تكون الصراعات على بعض المناصب من هياكل الإدارة أو من موقع اتخاذ القرار، وهذه الصراعات قاتلة ومدمرة للعمل، وتبعد عن نبل المقصد وحلٌّ ذلك يكمن في إعمال الشورى وتعميق أسلوب الحوار للاتفاق ودحض كل ما من شأنه بعث الفرقة والاختلاف. النقاش الحر واتباع الأسلوب الأمثل في الإدارة ينأى بالعمل ومؤسساته عن مغبة الصراع، قد يكون بين العناصر في الإدارة من قد يشوِّه الصورة أو يبتعد عن قصد عن الهدف المرجو، فالحوار هنا والمصداقية تلفظ تلك العناصر وتنقي العمل من الشوائب، إن العناصر العاملة تُعدّ في الأساس عناصر متطوعة، فالمتطوع العامل أصبح سمة لجمهور العاملين في الجمعيات والمؤسسات الخيرية. وبالرغم من حصول العامل على أجر وعده متفرغاً لأداء الأعمال، غير أن سمة التطوع هي عنصر النجاح في أداء الأعمال حيث يتحلى العامل بروح التطوع، ويتفاعل مع الأعمال، ليس بمنظور الموظف، ولكن بمنظور القانع بأداء الخدمات والعامل على تحقيق الأهداف.

     وتجدر الإشارة إلى أنه قد تكون أو توجد بين جمهور العاملين بعض الصراعات الوظيفية أو اختلاف في الرؤية، وهنا تأتي مهمة الإدارة فبجانب إعمال الشورى والاستماع للرأي الآخَر تكون مسألة العمل في فريق مع وضع الأهداف نُصبَ الأعين ليتم الابتعاد عن المسائل الشخصية وجوانب الصراع المختلفة التي تعد أسوأ الأشكال المدمرة. والمطلوب أن يكون هناك تنافس شريف من أجل إعمال المصلحة العامة، وليــس التنـافس الــذي يؤدي إلى صراع يدمر ولا يبني.

تكامل لا تنافس

     أخيرًا: فإن الكويت أصبحت أنموذجًا رائدًا في إدارة وصناعة العمل الخيري والإنساني، وذلك عبر منظومة متكاملة من القوانين واللوائح والنظم التي تشرف عليها مؤسسات الدولة ممثلة في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ووزارة الخارجية، والتزام المؤسسات الخيرية، بالحفاظ على هذه المنظومة المتميزة والرائعة يدل على الإحساس بالمسؤولية والوعي المتميز، فالسعادة لا تتم، والسفينة لا تسير، إلاّ إذا عملت الأطراف جميع بوصفها فريقا واحدا يسعى لرفعة هذا القطاع والحفاظ على مكتسباته في ظل عالم يموج بالفتن ويتربص به وبالقائمين عليه.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك