أبناؤنا والألعاب الألكترونية.. ضوابط ومحاذير
تمثل عملية (اللعب) جزءا لا يتجزأ من نمو الطفل وتعلمه واكتسابه للمهارات المختلفة؛ فالوقت الذي يقضيه في اللعب هو بالنسبة له كوقت العمل الجاد للراشدين، وتبقى على الوالدين مسؤولية اختيار الألعاب المناسبة للطفل والتأكد من خلّوا من المخاطر أو مخالفتا للقيم الأخلاقية التي يتربى عليها.
والألعاب الإلكترونية (Video Games) من أنواع اللعب التي برزت في أعقاب ثورة الاتصالات في العالم في الربع الأخير من القرن العشرين، وقد وردت إلى المجتمعات المسلمة، ولاقت انتشارًا واسعًا بين أبنائنا؛ فاللعبة الإلكترونية ليست تسلية بريئة..! بل هي وسيلة إعلامية تتضمن رسائل مشفرة ومرمزة يهدف المرسل من خلالها تحقيق أهداف وغايات ثقافية وسياسية ودينية؛ فقواعد اللعبة تفرض على اللاعب تقمص الأدوار المفروضة عليه والانغماس في واقع معين من الحرب الفكرية أو العسكرية أو الثقافية أو الأيديولوجية، كما تكمن الخطورة أيضا في إمكانية تقريب اللاعب بين الخيال والواقع إلى درجة أنه يحاول تطبيق مضامين هذه الألعاب في حياته اليومية؛ مما يعني تنميط السلوك على النحو الذي يرغب فيه صانعو هذه الألعاب؛ فما درجة الأمان والفائدة التي تتمتع بها تلك الألعاب؟ وما المخاطر والمحاذير التي يجب على المربين أن ينتبهوا لها ويحترزوا منها في تلك الألعاب؟
أهم المخاطر
بعض الآباء يتركون أبناءهم يمارسون الألعاب الإلكترونية بتوسع، واثقين أنها أكثر أمنًا من التجول العشوائي على الانترنت، أو الدخول إلى المواقع المحرمة أو مواقع التعارف والدردشة مثلاً، ولكن ما لا يعلموه أنها – في جانبها السلبي - تحمل خطورة هذه المواقع نفسها وتأثيرها؛ لذلك لابد من المتابعة الدائمة من الآباء والأمهات.
وفي إحدى الدراسات المتخصصة عمل مجموعة من الباحثين استطلاعات في بعض مدراس الأطفال في الدول العربية لمعرفه مدى تأثير الألعاب الإلكترونية على الأطفال فوجدوا أن لها تأثيرًا كبيرًا على الأطفال الذكور أكثر من البنات، كما رصدت عددًا من السلبيات مثل:
وقت الطفل
- أنها تسبب ضياع قدر كبير من وقت الطفل، وبمرور السنوات قد تتسب في افتقاد الطفل لقيم التعامل الجيد مع الوقت طوال حياته؛ مما يؤثر عليه في دراسته ومستقبله.
إدمان الطفل
- إدمان الطفل للألعاب الإلكترونية - ولاسيما ألعاب القتال والمعارك -، يحفز السلوك العدواني للطفل بسبب ما يراه من مشاهد عنف (سرقة وقتل واختطاف ومؤامرات) متكرر في الألعاب.
الأنانية وحب الذات
وجد المتخصصون أن للألعاب الإلكترونية أثرا في تغير سلوك الطفل إلى الأسوأ؛ حيث إنها تدفعه للأنانية وحب الذات، وربما تدفعه للسرقة للحصول على هذه الألعاب وإصداراتها الحديثة من الأسواق، أو لشراء الأجهزة التي يتمكن بها من اللعب بهذه الألعاب؛ حيث إنها تكون بمثابة الإدمان له.
السلوك العدواني
تعمل الألعاب الإلكترونية -بتخطيط من صانعيها- على زرع السلوك العدواني في شخصية الطفل، الذي لا يعي -لصغر سنه- مدى خطورة هذه الألعاب على السلوك والقيم والتقاليد والدين؛ فيتنام السلوك العدواني لدى الطفل جرّاء تكراره لهذه الألعاب، وتجعله فردا يميل إلى الجريمة والقتل بطريقة لاشعورية، وقد يحدث اصطدام بينه وبين أقرانه أو حتى مع الكبار.
العزلة والانطواء
طبيعة هذه الألعاب تفرض على الطفل الجلوس منفرداً لأوقات طويلة، ومع مرور الوقت تجعله يميل إلى العزلة الاجتماعية والانطواء على نفسه؛ مما يؤثر سلبًا على نموه وتفاعله الاجتماعي السليم.
التحصيل الدراسي
إذا لم توضع الضوابط المناسبة كمًّا وكيفا لهذه الألعاب؛ فإنها غالباً ما تؤثر سلبًا على تحصيل الطفل الدراسي، وعلى تنمية هواياته وقدراته الإبداعية في كليهما.
الهوية الإسلامية
تؤثر هذه الألعاب سلبًا على بناء الهوية الإسلامية للأبناء، فأغلبية الأطفال يقلدون أبطالهم المفضلين في الألعاب الإلكترونية، ويتقمصون شخصياتهم الدخيلة التي تكون مؤسسة على مبادئ وقيم تخالف قيم الإسلام الأصيلة؛ مما يؤثر على تكوين شخصياتهم وفكرتهم عن أنفسهم، وقدرتهم على فهم الواقع والتفاعل معه وفق المنهج الإسلامي الصحيح.
فوائد وميزات
وهل هناك ميزات ينتفع بها الطفل من خلال هذه الألعاب الإلكترونية؟
يقتضي الإنصاف ألا نغفل عدداً من المميزات التي يكتسبها الطفل خلال ممارسته للألعاب الإلكترونية التي تكون في صورة مهارات وخبرات تعلم جيدة، شريطة أن تحاط بالضوابط التي تقيه مساوئها، ومن أهم هذه الفوائد:
التكنولوجيا الحديثة
تعمل هذه الألعاب على تعليم الطفل كيفية التعامل مع التكنولوجيا الحديثة كالكمبيوتر والإنترنت والأجهزة الإلكترونية، وغيرها من التقنيات الحديثة والعصرية التي أدخلت الطفل عالم التكنولوجيا الرقمية والعالم الافتراضي، كما أنها جعلته أكثر إصرارا على تحقيق النجاح والفوز والوصول إلى الطموح؛ فخسارته في الألعاب وإصراره على الفوز يولد فيه الإرادة على تحقيق النجاح والفوز في مجالات الحياة كلها، وقبول التحديات التي يواجهها؛ مما يؤثر إيجابيًا على حياته القادمة.
حماية الأبناء
أيضاً تسببت هذه الألعاب التي يزاولها الأبناء عادةً في نوادي اللعب المؤتمنة (The Blay (Staion أو على أجهزة الكمبيوتر الشخصي داخل المنزل في حماية الأبناء من اللعب في الشارع وما فيه من مخاطر، وبذلك حققت ميزتان: الاطمئنان على الابن أثناء لعبه، فضلا عن توفير فرصة جيدة لإعادة الروابط العائلية، ولاسيما في الأُسَر التي يستطيع فيها الآباء الدخول إلى عالم الأبناء ومشاركتهم في ألعابهم الإلكترونية؛ مما يؤدي إلى قضاء وقت أطول بين أفراد العائلة وتقوية الترابط بينهم.
وأخيراً: فإنّ الأبناء نعمة كبيرة من الله -تعالى- ومسؤولية يحاسبنا الله عليها يوم القيامة؛ ولذلك لا يصح أن ننظر إلى تلك الألعاب على أنها وسيلة ممتازة تريحنا من شغب الأبناء لساعات عدة..! ولكن لابد من الوعي والتدقيق فيما يصل إلى سمع الأبناء وبصرهم، مع السماح لهم بمسايرة الجيد من التقنيات الحديثة ما لم تخالف ثوابتنا التي نربيهم عليها.
استشارة: ضبط علاقة الأبناء بالألعاب الإلكترونية
- كيف يتمكن المربي من ضبط علاقة الأبناء بالألعاب الإلكترونية؛ بحيث يستفيدون منها ويتجنبون مخاطرها؟
- شدة العناية بالتربية الإيمانية، وتعزيز العقيدة الإسلامية لدى الأبناء التي تربي فيهم الاعتزاز بالإسلام ورفض التقليد لما سواه.
- على المربي أن يحافظ على علاقة دافئة مع الأبناء تقوم على الحب والاحترام المتبادل، الأمر الذي يؤدي بالأبناء إلى تقبل ما يقدمونه لهم من توجيهات وما يلزمونهم به من ضوابط، فيما يتعلق بالألعاب وغيرها.
- العناية بالتربية الفكرية للأبناء التي تبني تصوراتهم عن كل جوانب الحياة بناء صحيحا وفق المنهج الإسلامي؛ مما يمكّنهم من التمييز بين ما يقبلونه وما يرفضونه من لعبات أو مواد مسموعة أو مقروءة.
- على المربي ألا يغفل عن دوره في مراقبة ما يصل إلى الأبناء من هذه الألعاب الإلكترونية؛ فيقبل النافع، ويرد الضار منها، ويختار لهم الألعاب المفيدة التي تحفزهم على الإبداع، على أن يقوم بتحديد وقت معين لمزاولة هذه الألعاب، ولا تكون متاحة كله اليوم.
- تشجيع الأبناء على مزاولة الرياضة بانتظام وإشراكهم في أحد الأندية الرياضية.
- غرس حب القراءة في نفس الطفل مبكرًا، وتوفير الكتب الملونة الجذابة لهم في المنزل، ولا مانع من إلحاقهم بأقرب مكتبة عامة لهم.
- تربية الطفل على الاهتمام بتنمية الهوايات مثل الرسم أو الأشغال اليدوية؛ حيث تمثل الهوايات منفذاً جيدًا لتفريغ طاقتهم، وزيادة قدرتهم على التخيل والابداع.
لاتوجد تعليقات