رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: ياسر برهامي 6 أغسطس، 2018 0 تعليق

هل تكون سراجًا منيرًا؟!

لا يشك متأملٌ في واقع المجتمع، بل المجتمعات العربية والإسلامية أن انحسارًا في الالتزام بالدين قد حدث في هذه المجتمعات، بعد الانتشار القوي الذي حدث منذ عقود عدة، وكذلك مستوى الملتزمين في العلم والعمل، والسلوك والدعوة قد انخفض؛ حتى صار الاهتمام بقضايا العلم الشرعي وحضور الدروس وقراءة الكتب العلمية، ونشر المفاهيم الإسلامية في المجتمع، والالتزام بالأخلاق الإسلامية في أولويةٍ متأخرةٍ!

 

     وربما اكتفى الواحد بقراءة (بوست) قصير أو سماع مقطع -لا ينبغي أن يزيد على دقائق معدودة-، في الوقت نفسه الذي لم يعد غريبًا أن تجد ملتحيًا -أو منتقبة- يقفز مِن على كرسيه مع الصياح عند تسجيل أو ضياع هدف في مباراةٍ! مع كون هذا مما يزيد الاكتئاب والإحباط في نهاية الأمر!

ومع ذلك صار هذا الأمر سِمَةً عامة بدرجةٍ كبيرةٍ؛ فضلا عن مشاهدة المسلسلات والأفلام، التي لا مانع أن يُقْنِع الشخص نفسه بأنها إسلامية أو تاريخية؛ ليستمر نزيف العمر مع راحة الضمير!

     وأما إذا نظرنا إلى المساجد في صلاة الفجر وباقي الصلوات؛ فسنجد أمرًا مؤلمًا بالنظر إلى نوعية الحضور؛ فلا نكاد نجد النسبة الأكثر إلا مَن هم فوق الـ60 أو نحوها، ولا نجد مِن شباب الأُمَّة مَن يحرص على ذلك؛ ولا شك أن هذا ينبئ بخطرٍ كبيرٍ على مستقبلنا وهويتنا.

أسباب التقصير

     والداعي إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- الذي ينبغي دائمًا أن يسأل نفسه عن أسباب التقصير لا يصح أن يحتج بالقَدَر قبْل أن يَبذل ما في وسعه للإصلاح؛ فنوح -عليه السلام- دعا إلى الله سِرًّا وجهارًا، وليلًا ونهارًا، ألف سَنَة إلا خمسين عامًا حتى يبلغ رسالة ربه؛ فعند ذلك لم يضره أنه لم يؤمن مِن قومه إلا قليل.

الإجابة الجاهزة

     ولكن عند أبسط محاسبة للنفس في ضعف أثر النور في المجتمع، وتحول الملتزمين إلى نخبةٍ مستقلةٍ منعزلةٍ؛ نجد الإجابة الجاهزة: إنها سِمَةُ جيلٍ مُبْتَعِد؛ إنها طبيعة شباب أخرق! والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد قال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ  النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلاَنِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ» (متفق عليه)، وهذا يصح منا لو أدَّينا ما علينا أولًا مِن داخِلِنا، ثم ما علينا مِن إصلاح في المجتمع حولنا، في أُسَرِنا وأولادِنا، وأقارِبِنا وجيرانِنا، وزملائِنا ومَن نُعامِلهم، وليس القبول بالعزلة الشعورية المَرَضِيَّة القاتِلة للدعوة!

إهمال النفس

أما مع إهمال النفس في التكوين الضروري للشخصية، فإننا لو التزامنا الدعوة، وقمنا بالفعاليات المتعددة، بينما المكون المنير الداخلي ضعيفً؛ فستقوم صورة الدعوة دون حقيقتها وثمراتها، وستكون صورة العمل دون حقيقته، ويكون شكل العلم دون حقيقته.

شخصية المسلم

     إن المُكَوِّن المنير في شخصية المسلم الذي يؤثر فيمَن حوله، أحيانًا بمجرد النظر في وجهه، كما قال عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - أول ما رأى وجه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعن عبد الله ابن سلام - رضي الله عنه - قال: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ» (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

كلماتٍ معدودة

     وأحيانًا بمجرد سماع كلماتٍ معدودة، كذلك الصحابي -ضماد الأزدي - رضي الله عنه - الذي أسلم بمجرد أن سمع أول «خطبة الحَاجَة» مِن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبْل أن يقول غيرها: «إِنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، فقال: «أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ! وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ -لجة البحر-، هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الْإِسْلَامِ» (رواه مسلم). وأسلم قبْل أن يسمع المزيد، وقصص الدعوة إلى الله بالكلمات اليسيرات ممَن حصل في قلبه النور أكثر مِن أن تُحصى!

نصيب الإنسان مِن الوحي

     إن هذا المكون المنير في الشخصية هو في المقام الأول نصيب هذا الإنسان مِن الوحي كتابًا وسُنَّة، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الشورى:52)، وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} (الأحزاب:45-46).

     فبقدر اقتراب الإنسان من الوحي المنزل، وأخذ نصيبه منه؛ يحصل له النور في قلبه الذي كالزجاجة الصافية؛ فيخرج منها النور لينير للناس؛ ويصل النور إلى قلوبهم فيهتدون {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (النور:35).

العلوم الأجنبية

     أما أنواع العلوم الأجنبية -مهما بلغت!- ما لم تكن معينة على الوصول إلى الوحي؛ فهي تظلم القلب الإنساني حتى لو أنارت عقله، وحققت أنواع الرفاهية المُبَاحَة أو المُحَرَّمة، أو -على الأقل- تترك القلب في ظُلُمَاته في أخطر القضايا المصيرية للإنسان حول أصل الوجود ونهايته وغايته، والحكمة مِن وجوده، وأنماط الحياة التي لابد أن يلتزم بها الإنسان ليسعد وينجو مِن الشقاء، قال الله -تعالى-: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (الروم:6-7).

علم الآخرة

     فمهما بلغ العلم إذا لم يكن معه علم الآخرة؛ فإنه ليس علمًا، وإن مِن أكثر العلوم إظلامًا للقلب: الفلسفة، وعلم الكلام، والتقليد الأعمى، وألغاز المقامات، والإشارات التي يزعم أصحابها أنها طريق التهذيب والتزكية، وأما ما يُنشر في الإعلام مِن معلوماتٍ حول الكرة، والفن، والمُمَثِّلين والممثلات، وأنواع الطعام والشراب، وأخبار الرؤساء والكبراء والملوك، وأخبار الناس في العالم وحكاياتهم، وكذا القصص البشري الخيالي والخرافي، وغير ذلك؛ فهي من أكثر أسباب الظلمة انتشارًا.

العبادة والذِّكْر

     ثم المكون الثاني المنير في الشخصية المسلمة هو: العبادة والذِّكْر «وأعظمه الصلاة» {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} (العنكبوت:45)، ثم الصوم، والصدقة، والحج والعمرة، والأذكار والأدعية -الموظفة وغير الموظفة-، وقراءة القرآن، مع التدبر على الرأس مِن ذلك كله؛ فبدون العبادة والذكر سيكون أثرنا في المجتمع مِن أضعف ما يمكن، وأثرنا في الدعوة إلى الله سيكون مقتصرًا على الشكل، وكذا في كل الأنشطة.

السلوك والخُلُق

     المكون الثالث المنير للشخصية المسلمة: السلوك والخُلُق؛ فبقدر حب العبد لربه، وخوفه ورجائه، وتوكله، وشكره وحمده، وصبره، وافتقاره إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- يكون أثره في الناس بالهداية، وجذب قلوبهم إلى حب الله وطاعته، وبقدر ما يكون في قلبه مِن الكِبْر والعُجْب، واتباع الشهوات، وحب الرياسة والجاه الذي يظهر بسببه السخرية مِن الناس والاستهزاء بهم، والتعالي عليهم، بقدر ما يُطْفَأ النور الذي يتكلم به حتى ولو كان حقًّا خالصًا.

فهلا كنا سُرُجًا منيرة، نأخذ نصيبنا مِن السراج المنير - صلى الله عليه وسلم - قبْل أن نتهم الجيل والأجيال والمجتمعات بعدم الاستجابة؟!

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك