أهمية إجلال أهل العلم وتقديمهم
كان من أحوال السلف الصالح توقير العلماء، واحترام أهل الفضل، قالت عائشة -رضي الله عنها-: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم.رواه أبو داود في سننه، والبزار في مسنده ولقد حث الإسلام على توقير العلماء وإجلالهم؛ ففي سنن أبي داود عن أبي موسى الأشعري، قال: قال النبي[: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه».
يقول الإمام سفيان الثوري -رحمه الله تعالى-: إذا رأيت الشاب يتكلم عند المشايخ، وإن كان قد بلغ من العلم مبلغاً، فآيس من خيره؛ فإنه قليل الحياء، وقوله: «إذا رأيت الشاب يتكلم عند المشايخ»، يعني المشايخ العلماء الذين هم أكبر منه في العلم وفي السن، ثم مع ذلك تراه يتكلم بين يديهم؛ فإذا سأل الشيخ سؤالاً يبادر هو إلى الجواب، ولا يراعي هذا الضابط، أو لا يراعي هذا الأدب، يقول: إذا رأيت الشاب يتكلم عند المشايخ وإن كان قد بلغ من العلم مبلغاً فآيس من خيره؛ فإنه قليل الحياء. أي: لا تضع فيه أملاً بأنه يأتي منه خير؛ لأن هذا قليل الحياء، ولو كان عنده حياء لاستحيا أن يتكلم في حضور من هم أكبر منه.
الإمام خلف والإمام أحمد
- وقال خلف: جاءني أحمد بن حنبل يسمع حديث أبي عوانة؛ فاجتهدت أن أرفعه، والإمام أحمد هو إمام أهل السنة والجماعة؛ فاجتهد خلف في أن يجلس الإمام أحمد على مكان مرتفع؛ فالإمام أحمد أبى إلا أن يجلس جلسة المتعلم منخفضاً عند المحدث خلف، يقول: فاجتهدت أن أرفعه بأن ألح عليه أن يرتفع في المجلس فأبى، وقال: لا أجلس إلا بين يديك، أُمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه.
القاضي أحمد بن إبراهيم المالكي
وكان القاضي أحمد بن إبراهيم بن حماد المالكي مع كونه كبير القضاة، إلا أنه كان يتردد إلى الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي يسمع من تصانيفه، واتفق مجيء شخص لاستفتاء الطحاوي عن مسألة والقاضي عنده، أي أن الرجل جاء يسأل الإمام الطحاوي في مجلسه وكان كبير القضاة موجوداً في هذا المجلس؛ فلما سأل الرجل الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى- عن هذه المسألة قال الطحاوي: مذهب القاضي -أيده الله- كذا وكذا. ولم يقل: مذهبي. وإنما حكي مذهب القاضي الجالس في المجلس؛ فقال له السائل: ما جئت إلى القاضي، إنما جئت إليك!؛ فقال: يا هذا! هو كما قلت؛ فأعاد السائل؛ فقال له القاضي: أفته -أيدك الله- برأيك؛ فقال له الطحاوي : إذاً حيث أذن القاضي أيده الله أفتي ثم أفتاه.
توجوا أكبركم
وعن حكيم بن قيس بن عاصم أن أباه أوصى عند موته بنيه فقال: اتقوا الله! وتوجوا أكبركم؛ فإن القوم إذا توجوا أكبرهم خلفوا أباهم، وإذا توجوا أصغرهم أزرى بهم ذلك في أكفائهم؛ فقوله: «اتقوا الله وتوجوا أكابركم»، يعني: راعوا حق الكبير وقدموا الكبير. «فإن القوم إذا توجوا أكبرهم» يعني: جعلوه سيدهم (خلفوا أباهم) يعني: قاموا مقام أبيهم في حسن الفعال. «وإذا توجوا أصغرهم أزرى بهم ذلك في أكفائهم»؛ فالأكفاء سوف ينظرون إليهم بازدراء؛ فعدم احترامك للكبير يجعل من يراك من بعيد ينظر إليك بازدراء؛ لأن في هذا نسبة لك إلى سوء الأدب، وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: «البركة مع أكابركم، البركة مع أكابركم».
الفضل بن موسى وعبد الله بن المبارك
وعن الفضل بن موسى قال: انتهيت أنا وعبد الله بن المبارك إلى قنطرة؛ فقلت له: تقدم. وقال لي: تقدم؛ فحاسبته فإذا أنا أكبر منه بسنتين. يعني أنهما -حتى يحسما الخلاف- ظلا يحسبان عمر كل منهما، قال: فحاسبته فإذا أنا أكبر منه بسنتين؛ فيفهم من ذلك أن الذي تقدم هو الأكبر.
الحسن وعلي
وعن يعقوب بن سفيان قال: بلغني أن الحسن وعلياً ابني صالح كانا توأمين، خرج الحسن قبل علي، يعني أنهما توأمان ولدا في وقت، ومعلوم أنه لا يخرج التوأمان في وقت واحد، وإنما يكون هناك فرق بينهما، قد يكون دقائق أو أكثر أو أقل، ومع ذلك يقول هنا: بلغني أن الحسن و علياً ابني صالح كانا توأمين، خرج الحسن قبل علي -أي أنه أكبر منه بدقائق- فلم ير قط الحسن مع علي في مجلس إلا جلس علي دونه، ولم يكن يتكلم مع الحسن إذا اجتمعا في مجلس مراعاة لهذا الفارق البسيط في السن بينهما، وهو عبارة عن لحظات؛ لأنهما توأمان، فالله المستعان.
إذا تكلم الحدث
وعن إبراهيم بن أدهم -رحمه الله تعالى- قال: إذا تكلم الحدث -يعني: صغير السن- في الحلقة عندنا أيسنا من خيره، وقلنا: هذا لا يفلح؛ لأنه سيء الخلق قليل الحياء، وقال عبد الله ابن الإمام أحمد -رحمهما الله تعالى-: رأيت أبي إذا جاء الشيخ والحدث من قريش أو غيرهم من الأشراف لم يخرج من باب المسجد حتى يخرجهم؛ فيكونوا هم يتقدمونه، ثم يخرج من بعدهم، وقال المروزي : رأيته جاء إليه مولى ابن المبارك؛ فألقى إليه مخدة وأكرمه. يعني: عظم الإمام وأحمد مولى ابن المبارك وخادمه، أو عبده تعظيماً لابن المبارك نفسه. يقول: رأيته -يعني الإمام أحمد - جاء إليه مولى ابن المبارك فألقى إليه مخدة وأكرمه، وكان إذا دخل عليه من يكرم عليه يأخذ المخدة من تحته فيلقيها له، وقال المروزي : كان أبو عبد الله -يعني الإمام أحمد رحمه الله- من أشد الناس إعظاماً لإخوانه ومن هم أسن منه، لقد جاءه أبو همام راكباً على حمار؛ فأخذ له أبو عبد الله بالركاب، ورأيته فعل هذا بمن هو أسن منه من الشيوخ، وكان بكر بن عبد الله المزني يقول: إذا رأيت من هو أكبر منك فعظمه، وقل: إنه سبقني إلى الإسلام والعمل الصالح، وإذا رأيت من هو أصغر منك فعظمه وقل في نفسك: إني قد سبقته إلى الذنوب.
إجلال حامل القرآن وتقديمه
وأيضاً من هذه الحقوق حق حامل القرآن؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا في الحديث الصحيح أن خيرنا هم أهل القرآن، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»؛ فهذا بيان لطبقة عليا من طلبة العلم، وأن أشرف طلبة العلم وخير العلماء والمتعلمين من كان تعلمه وتعليمه في القرآن الكريم؛ لأن خير الكلام كلام الله؛ فكذا خير الناس بعد النبيين من اشتغل بكلام الله -عز وجل- مريداً بذلك وجه الله -سبحانه وتعالى-؛ فلأهل القرآن شرف عظيم بهذه الشهادة على لسان رسول الصادق المصدوق[، وذلك في قوله: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».
فضائل أهل القرآن
وقد خص الشرع الشريف أهل القرآن بكثير من الفضائل؛ فإنهم يتقدمون بحسب اهتمامهم بالقرآن الكريم، وبحسب حظهم من حفظ كتاب الله -سبحانه وتعالى-؛ فهذا الرسول صلى الله عليه وسلم حينما استعرض قوماً، وكان بصدد تأمير أمير عليهم؛ فسألهم عما يحفظ كل منهم؛ فلما رأى أحدهم قد قرأ سورة البقرة قال له: «أنت أميرهم»؛ فأمَّره لحفظه سور البقرة. وقال صلى الله عليه وسلم : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، رواه مسلم. وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «كان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاورته كهولاً كانوا أو شباباً». رواه البخاري. أي: كان القراء -حفاظ القرآن- هم الذين يقدمهم عمر، بغض النظر عن سنهم، سواء أكانوا كهولاًُ أم شباباً ما داموا حافظين للقرآن؛ فكان يشكل منهم مجلس مشورته ومصاحبته.
وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن لله أهلين قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته»، وكان صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، ثم يقول: «أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟» أي: يجمع بينهما في الدفن، ويقدم أحدهما قبل الآخر، وهذا التقديم يتم على أساس حفظه للقرآن الكريم؛ فكان يقول: «أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإن أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد». رواه البخاري .
أعظم الناس حقاً
والقاعدة أن الحرمة تتضاعف بتعدد جهات الانتهاك، أي أن بعض المعاصي إذا حصلت في المخالفة من جهة واحدة فهذا ذنب، ويتعاظم هذا الذنب، وهذا الوزر إذا تعددت جهات الانتهاك؛ فمثلاً: لو أن إنسانا له جار، فله حق الجوار وله حق المسلم، ولو كان قريباً فله حق زائد وهو حق الرحم؛ فأذية مثل هذا الجار لا يكون وزرها مثل أذية الشخص الأجنبي أو الجار الكافر، وهكذا؛ فكل ما مضى من كلام كان تمهيداًً وتوطئة لأعظم الناس حقاً في المسلمين، وهم أهل العلم وأهل البصيرة في الدين؛ فهم يشتركون مع كل من مضى في هذه الحقوق: حق الإسلام، وحق كبر السن، وحق حمل القرآن الكريم، ثم بعد ذلك حق العلم الذي شرفهم الله -سبحانه تعالى- به؛ فإن هذه الحقوق جميعاً -ولاسيما حق العلم- تفرض علينا التزامات تجاههم، وحينما نتكلم عن أهل العلم؛ فنحن لا نقصد زمناً معيناً أو مكاناً معيناً، وإنما نقصد جميع أهل العلم ابتداء من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- إلى عصرنا الذي نعيشه؛ فللعلماء حرمة وحقوق وآداب ينبغي أن نلتزمها معهم.
لاتوجد تعليقات