رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: عبدالوهاب السنين 5 يوليو، 2018 0 تعليق

القدوة الحسنة وأهميتها في بناء المجتمع ونهضته

 لقد ترك لنا ديننا الحنيف ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، إرثاً خُلُقيّاً متكاملاً، كان وما يزال منهجاً حياتياً واضحاً يحفلُ بالصّور التي فيها مصلحة الفرد والمجتمع معاً، وقد سهّل لنا الإسلام الطريق لسلوك هذا المنهج الواضح، وجعل هذا المنهج صالحاً لكلِّ زمانٍ ومكان، والدليلُ على ذلك كون الإسلام خاتم الأديان، ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، قال الله -تعالى-: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة:3)، كما جاء هذا المنهج واضحاً بسيطاً بعيداً عن اللبس والغموض والتعقيد، خالياً من الرِّيَبِ والشكوك «الحلالُ بيِّنٌ، والحرامُ بيِّن» (البخاري (52) مسلم (4051) وما علينا سوى إعمالِ عقولنا لسلوك الطريق الصحيح: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (البلد:10).

 

التربية والأخلاق والسلوك

     وقضية التربية والأخلاق والسلوك من القضايا التي اعتنى بها الدين الإسلامي أيما اعتناء؛ فالإنسان ما هو إلا سلوك، الإنسان ما هو إلا أخلاق، والإنسان بلا أخلاق، وبلا تربية، يُصبح إما مادة لا قيمة لها ولا اعتبار، كالشجر، والحجر وغيرها، أو شيئا ضار، كالحيوان، وسائر البهائم، التي ربما لا تنفع في وجودها، أو ربما تكون نافعة في جانب، وضارة في جانب آخر، ولهذا حث الإسلام، وحث الشرع الحكيم على: تهذيب السلوك، و تهذيب الأخلاق، وتهذيب ما يقوم به الإنسان من تعاملات مع نفسه وغيره.

حاجة ماسّة

     وحاجتنا للأخلاق حاجة ماسّة على جميع المستويات، وفي كل زمان ومكان، داخل الأسرة، في العمل، في المدرسة، في الشارع، كأفراد وكجماعات؛ فلولا الأخلاق ما استطاع الإنسان أن يتعايش مع الناس، ولولا التربية والسلوك والأدب ما استطاع الإنسان أن يبيع ويشتري، ولولا السلوك والأخلاق والتربية ما استطاع الإنسان أن يتزوج، وأن يتملك، وأن يقوم على أداء واجباته، والمطالبة بحقوقه.

رسالة القدوة الحسنة

وفي هذا المقال سنبدأ بالرسالة المهمة، وهي رسالة تربوية يحتاج إليها الإنسان الذي يوضع في مقام المسؤولية، يوضع في مقام التوجيه، يوضع في مقام الإرشاد، ونعني بها: (رسالة القدوة الحسنة).

     والقدوة الحسنة جاءت في القرآن في قوله -عز وجل-: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ}(الممتحنة: 4)، وكذلك في قوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}(الممتحنة: 6)، وقال كذلك -عز وجل- وهو يتكلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}(الأحزاب: 21)، وقال كذلك: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}(الأنعام:90)، وهو يتكلم -عز وجل- عن الأنبياء؛ لهذا نقول: لا يكون المسلم حقًا مسلمًا، إلا إذا كان حاملًا لهذه الأخلاق الطيبة المباركة: أخلاق الأنبياء، وسلوك الأنبياء.

قضية رئيسة

     والقدوة الحسنة قضية رئيسة للشباب خاصة، وللناس عامة، وتعد من أكبر أسباب النجاح في الحياة وأهمها؛ فوجود شخصية متميزة يؤثر تأثيرا كبيرا لفترة طويلة؛ فشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم أنتجت ذاك الكم الهائل من الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم-، وكذلك عندما ننظر إلى الإمام أحمد بن حنبل، والإمام مسلم وأئمة السنة، وكذلك أئمة الفقه؛ حيث كانت القدوة الحسنة، الإمام أبو حنيفة الذي تتلمذ وتأثر به الإمام مالك، وتبعه الشافعي، وتبعه الإمام أحمد بن حنبل، متأثراً بهذه السلسلة العظيمة، وأيضا هناك سلسلة أصحاب العقائد، من أمثال الإمام الجويني، وابن تيمية، وتبعه ابن القيم، وابن كثير، وابن رجب الحنبلي، والإمام الذهبي؛  فوجود القدوة الحسنة ذات أثر عظيم لبناء الشخصية الإسلامية التي نريد.

نظرة الناس للقدوة الحسنة

     والناس تنظر إلى القدوة الحسنة أفعالا أكثر مما تنظر إليها أقوالا، وهذا مما يؤثر في نفوسهم؛ ولهذا قالت عائشة -رضي الله عنها- للتابعي حين جاء يسأل عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقالت له: «أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ»؟ قال: «نَعَمْ» قالت: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» يعني: النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فالقرآن قول الله -عز وجل- وكلام الله -تعالى-، هذا هو القرآن، وأما الخُلق فهو: العمل؛ ولهذا يقول بعض العلماء عن السلوك والأخلاق، وعن الأدب، يقول: هي قيمةٌ أخلاقية تبقى في الإنسان ولا تزول، بينما العلم قد يزول، قد يذهب حين يتقدم الإنسان بالعمر، يتقدم بالسن قد يزول عنه العلم ويرتفع عنه العلم؛ لأن العلم هو حفظ، وأما القيمة الأخلاقية والأدب والسلوك يبقى ثابتا في الإنسان لا يتغير.

قبول الناس للإسلام

     وهذا الأمر كان من أعظم أسباب قبول الناس للإسلام، وحين ننظر إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، وهم يدعون إلى الله -عز وجل- في المدينة المنورة، لاشك كانت لهم أخلاق عالية، وكان لهم قبولًا بين الناس حتى في غير المجتمع المدني، يعني: بين اليهود وغيرهم، وبين الأعراب البادية، كان لهم نظرة خاصة حين رأوا هذا المجتمع المدني الذي تطور في أيام قليلة جدًا، وأصبح مجتمعا راقيا في تعامله، حتى بعض المستشرقين حين تكلم عن هذه الأخوة العظيمة، التي حصلت بين المهاجرين والأنصار؛ فقال: هذه الأخوة لم نر مثلها من قبل، ونحن نقول: لن ترى مثلها بعد؛ لأنها الأخوة الربانية التي جاء بها الإسلام في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وهو خير العصور.

سبب القبول عند الناس

     لذلك إذا كان المسلم حقًا داعيًا إلى الخير عليه أن يتأكد دائمًا أن سبب قبوله عند الناس مرتبط بأخلاقه، مرتبط بسلوكه، مرتبط بدينه، وحتى يكون قدوة نقول: في هذا كله لابد أن يتمثل هذه القدوة بأعماله، أو تُرى هذه السلوكيات بأعماله؛ فما الفائدة من مسلم يدعو إلى الخير وهو لا يعلم شيئا عن: التوحيد؟! هذا ليس بقدوة، ولا يعرف مداخل الشرك، ما الفائدة أن يكون في منصب، أو يكون في جاه وهو متجرد من صفات الأنبياء في أخلاقه؟! ما الفائدة أن يكون الإنسان قادرًا على الكلمة، وقادرًا على التعبير وهو لا يُحسن التطبيق؟! ما الفائدة أن يُحسن العلاقة مع الناس وهو لا يُحسن العلاقة مع الله؟

كيف نحقق القدوة الحسنة؟

نقول: هي في ثلاثة أمور:

أولًا: في علمك

     أن تتعلم؛ لأنه يستحيل أن يكون الإنسان قدوة ما لم يكن عنده شيء من العلم، نحن لا نطلب أن يكون عالمًا في كل شيئا، لا، وإنما الجاهل، لا يصلح أن يكون قدوة، الجاهل لا يصلح أن يُقتدى به وإنما يتعلم، يعرف شيئا من القرآن، يعرف شيء من السنة، يعرف شيئا من الأخلاق التي تحلى بها النبي صلى الله عليه وسلم ، يعرف شيئا كذلك من سيرة الصحابة الأكارم في أخلاقهم وفي سلوكهم وفي تعاملهم إلخ.

     والعلم لاشك أنه مفتاح لكل شيء، إن أردت أن تفتح بابًا فعليك بالعلم، والعلم هو مدخل للأخلاق والسلوك والأدب، وهو مدخل كذلك للمعارف جميعها وكل ما يحتاج إليه الإنسان، العلم هو الذي يستطيع أن يرتقي به الإنسان، سواء في مراتب الدنيا أم حتى في مراتب الآخرة؛ ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: «أَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا» حسن الخلق يرتقي حتى تصبح له مكانة عالية عند الله.

 ثانيًا: الحرص على العمل

     كذلك نقول من الصفات التي يتحلى بها القدوة الحسنة: «أن يحرص على العمل» والعمل لا شك أنه السر؛ فالناس تنظر إلى عملك، تنظر إلى أخلاقك وسلوكك؛ فالعمل من الأمور التي لا تنفك عنها القدوة، كيف أعرف أنك رجل حسن وأنك رجل خيِّر إذا لم أر فيك العمل.

ثالثًا: الأدب والأخلاق

      من الأمور التي يحتاج إليها القدوة، الأدب، والأخلاق؛ فهي الطريق القويم، لينال الإنسان مرتبة القدوات، ولهذا يصعب على المسلم أن يعمل عملا وهو لا يقوم بتمثله، كان الإمام أحمد -رحمه الله- إذا حدَّث بحديثٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قام على العمل به أولًا، روى حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه احتجم وأعطى الحجام دينارًا؛ فقام الإمام أحمد واحتجم وأعطى الحجام دينارًا مما يدل على الخلق في أنك تعمل بما تقرأ، وأن تؤدي هذه الأخلاق كما كان يؤديها النبي صلى الله عليه وسلم.

هذه رسالة أهديها لأبنائي، وأود أن أهديها لكل من يحتاج إليها في المجتمع سواء كان عاملًا في وظيفة أم كان ربًا للأسرة أم كان مسؤول في مجال من المجالات العامة .

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك