«احفظ الله يحفظك» شعبان باب الخير إلى رمضان
قال الله -تعالى- في سورة آل عمران: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}(آل عمران: 133)، وقال -تعالى-: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ}(المطففين: 26)، ومن رحمة الله أن أتانا شهر شعبان، شهرٌ يسبق رمضان، من خلاله يستعد الإنسان المسلم ويهيئ نفسه لاستقبال هذا الشهر العظيم.
فعلى المرء المسلم الحريص على أن يدخل رمضان بهمة عالية أن يبدأ في شعبان بتلاوة القرآن، وأن يصوم أيامه، وأن يقوم لياليه، وأن يعود نفسه على الصدقات وصلة الأرحام، وأن يحافظ على الأذكار والعبادات القلبية، فمن الخسارة كل الخسارة، أن نعلم أن: بـ«سبحان الله وبحمده» مئة مرة في اليوم تُمحى خطايانا ولو كانت مثل زبد البحر، لكننا قد لا نرددها كأننا بلا خطايا.
تعرف إلى الله في الرخاء
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تعرَّف إلى الله في الرَّخاء، يعرفكَ في الشِّدَّةِ»، وعند الترمذي والحاكم، قال صلى الله عليه وسلم : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْكَرْبِ؛ فَلْيُكْثِرْ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ». «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» هكذا قال الله -عز وجل- في الحديث القدسي، وأعظم الشدائد: عند الموت.
شهر يغفل عنه الناس
في سلسلة الأحاديث الصحيحة أن أسامة بن زيد سأل نبيه صلى الله عليه وسلم «قُلْت: يَا رَسُول اللَّه، لَمْ أَرَك تَصُومُ مِنْ شَهْر مِنْ الشُّهُور مَا تَصُوم مِنْ شَعْبَان, قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاس عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَان, وَهُوَ شَهْر تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَال إِلَى رَبّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».
حال السلف في شعبان.
هذا الشهر حرص السلف الصالح على أن يُخرجوا زكاة أموالهم فيه؛ ليستعد الفقير ويشتري حاجته لرمضان، قال أنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه : كانَ المُسلِمُون إذا دَخَلَ شَعبَانُ أَخَرجُوا زَكاةَ أَموالِهم تَقوِيَةً لِضَعِفِيهم على الصوم. قال ابن القيم -رحمه الله-: «إنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَضَرَتْ لَهُ فُرْصَةُ القُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ؛ فَالْحَزْمُ كُلُّ الحَزْمِ فِي انْتِهَازِهَا وَالمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا، وَالْعَجْزُ فِي تَأْخِيرِهَا وَالتَّسْوِيفِ بِهَا» ثم قال: «وَاللهُ -سُبْحَانَهُ- يُعَاقِبُ مَنْ فَتَحَ لَهُ بَاباً مِنَ الخَيْرِ فَلَمْ يَنْتَهِزْهُ: بِأَنْ يَحُولَ بَيْنَ قَلْبِهِ وَإِرَادِتِه، فَلَا يُمَكِّنُهُ بَعْدُ مِنْ إِرَادَتِهِ عُقُوبَةً لَهُ قَالَ -تَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}(الأنفال: 24).قال -تعالى-: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} (فاطر32).
شهر تفتح فيه الخيرات
وعموما فشهر شعبان، شهر تفتح فيه الخيرات، تنزل فيه البركات، وتترك فيه الخطيئات، وتكفر فيه السيئات؛ فينبغي لكل مؤمن لبيب ألا يغفل في هذا الشهر، بل يتأهب فيه لاستقبال شهر رمضان، بالتطهر من الذنوب، والتوبة عما فات وسلف فيما مضى من الأيام؛ فيتضرع إلى الله -تعالى- ويقبل عليه في شهر شعبان، ولا يسوف ويؤخر ذلك إلى غده؛ لأن الأيام ثلاثة: أمس وهو أجل، واليوم وهو عمل، وغدا وهو أمل؛ فلا تدري هل تبلغه أم لا؟ فأمس موعظة، واليوم غنيمة، وغدا مخاطرة. وكذلك الشهور ثلاثة: رجب فقد مضى وذهب فلا يعود، ورمضان وهو منتظر لا ندري هل نعيش إلى إدراكه أم لا؟ وشعبان وهو واسطة بين شهرين؛ فليغتنم الطاعة فيه. قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه، قيل هو عبد الله بن عمر بن الخطـاب -رضي الله عنهما-: «اغتنم خمسا قبل خمـس: شبابك قبل هرمك، وصحتـك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».
اطرقوا أبواب الجنان
فإن شهر شعبان بمنزلة البوابة التي تدخلنا إلى شهر رمضان؛ ولأن رمضان هو شهر تفتح فيه أبواب الجنة، كما أخبرنا الحبيب رضي الله عنه بقوله: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين» (البخاري).
فأين المشمرون عن السواعد؟! أين المشتاقون إلى لقاء الله؟! أين المشتاقون إلى الجنة؟! ها هي ذي الجنة تنادي: أنا أصبحت عند أبوابكم؛ ففي شهر شعبان مجال طرق الأبواب، بوسائل الطرق المتاحة كلها؛ فاطرقوا أبواب الجنان بالتوبة والاستغفار والإنابة إلى الله واللجوء إليه، واطرقوا أبواب الجنان بالتضرع والوقوف على أعتاب بابه مرددين: «لن نترك بابك حتى تغفر لنا»، واطرقوا أبواب الجنان بالصيام، والقيام، والصلاة بالليل والناس نيام، واطرقوا أبواب الجنان بالطاعات، والقربات، وبالإلحاح في الدعاء؛ فإن أبا الدرداء كان يقول: «جِدوا بالدعاء؛ فإنه من يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له»، هي دعوة للتحفز والاستعداد والتهيؤ بالوقوف على العتبات والأعتاب؛ لعله يفتح عن قريب فترى نور الله القادم من شهر القرآن.
دورة تأهيلية لرمضان
شهر شعبان هو شهر التدريب والتأهيل التربوي والرباني، يقبل عليه المسلم ليكون مؤهلاً للطاعة في رمضان؛ فيقرأ في شهر شعبان كل ما يخص شهر رمضان ووسائل اغتنامه، ويجهِّز برنامجه في رمضان، ويجدول مهامه الخيرية؛ فيجعل من شهر شعبان دورة تأهيلية لرمضان؛ فيحرص فيها على الإكثار من قراءة القرآن والصوم وسائر العبادات.
التهيئة الإيمانية التعبدية
- التوبة الصادقة أولًا، والإقلاع عن الذنوب والمعاصي وترك المنكرات، والإقبال على الله، وفتح صفحة جديدة.
- الإكثار من الدعاء (اللهم بلغنا رمضان)؛ فهو من أقوى أنواع الإعانة على التهيئة الإيمانية والروحية.
- الإكثار من الصوم في شعبان، تربيةً للنفس واستعدادًا للقدوم المبارك، .
- العيش في رحاب القرآن الكريم، والتهيئة لتحقيق المعايشة الكاملة في رمضان؛ وذلك من خلال تجاوز حد التلاوة في شعبان لأكثر من جزء في اليوم والليلة، مع وجود جلسات تدبُّر ومعايشة القرآن.
- تذوَّق حلاوة قيام الليل من الآن بقيام ركعتين كل ليلة بعد صلاة العشاء، وتذوَّق حلاوة التهجد والمناجاة في وقت السحَر بصلاة ركعتين قبل الفجر مرةً واحدةً في الأسبوع على الأقل.
- تذوَّق حلاوة الذكر، من خلال الحفاظ على أذكار اليوم والليلة، وذكر الله على كل حال.
التهيئة العلمية
- قراءة أحكام وفقه الصيام كاملاً، ومعرفة تفاصيل كل ما يتعلق بالصوم، ومعرفة وظائف شهر رمضان، وأسرار الصيام، وقراءة تفسير آيات الصيام.
- قراءة بعض كتب الرقائق التي تعين على تهيئة النفس .
- الاستماع إلى أشرطة محاضرات العلماء حول استقبال رمضان، والاستعداد له.
- مراجعة ما تم حِفْظُه من القرآن الكريم؛ استعدادًا للصلاة في رمضان، سواءٌ كنت إمامًا أم منفردًا، والاستماع إلى شرائط قراءات صلاة التراويح، مع دعاء ختم القرآن.
التهيئة الدعوية
- إعداد بعض الخواطر، والدروس، والمحاضرات، والخطب الرمضانية، والمواعظ، والرقائق الإيمانية والتربوية وتجهيزها؛ للقيام بواجب الدعوة إلى الله خلال الشهر الكريم.
- حضور مجالس العلم والدروس المقامة حاليًا في المساجد؛ استعدادًا لرمضان والمشاركة فيها، حضورًا وإلقاءً.
- العمل على تهيئة الآخرين -سواءٌ في العمل أم في الدراسة- بكلمات قصيرة ترغِّبهم بها في طاعة الله.
- إعداد هدية رمضان من الآن لتقديمها للناس دعوةً وتأليفًا للقلوب، وتحبيبًا في طاعة الله والإقبال عليه.
- الإعداد والتجهيز لعمل مسابقة حفظ القرآن.
التهيئة الأسرية
- تهيئة مَن في البيت من زوجة وأولاد لهذا الشهر الكريم، وكيفية الاستعداد لهذا الضيف الكريم، ووضع برنامج لذلك، وعقد لقاء إيماني مع الأسرة يكون يوميًّا بقدر المستطاع.
لاتوجد تعليقات