رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سحر شعير 30 أبريل، 2018 0 تعليق

الواجب الشرعي على الوالدين في توجيه صداقات الأبناء

خلق الله -تعالى- الإنسان اجتماعيا بفطرته، مهيئا للعيْش في جماعة، يميل بطبعه إلى مخالطة الناس والتعرف إليهم، قال -تعالى-: {يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنَّ الله عليم خبير}(الحجرات:13)، ولم يزل الإنسان محتاجاً إلى جماعة من الرفاق تجمعه بهم علاقة حميمة اسمها (الصداقة)، يستشعر فيها معاني الود والتفاهم والراحة النفسية، وغالباً ما تجمع الصداقة بين أناس يتفقون في مشاربهم وأهدافهم ورؤاهم للحياة التي يعيشونها، ومن ثمَّ كان التفاعل والتأثير المتبادل واضحا وشديدا بين جماعة الأصدقاء؛ فكل صديق يدل بالضرورة على صديقه، لتلازم الشبه بينهما في السمت والخُلق:

عن المرء لا تسل وسل عن قرينه

فكل قرين بالمقارن يقتدي

     ولذلك؛ فقد أرشدنا الله -عز وجل- إلى أهمية اختيار الأصدقاء والرفاق الصالحين ولزومهم، قال -تعالى-: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}(الزخرف: 67). قَالَ اِبْن عَبَّاس -رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا- وَمُجَاهِد وَقَتَادَة: صَارَتْ كُلّ خُلَّة عَدَاوَة يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا الْمُتَّقِينَ. ابن كثير،ج: 4،ص:129. وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم  ذلك بعبارة خبرية قاطعة، كالقوانين والمسلّمات: «المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل!»

 أي أنّ أخلاق الصديق تنطبع ولابد على صديقه وخليله؛ فليختر كل واحد منكم من تنفعه صحبته، ولا تضره في دينه ودنياه.

     وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم : «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك، إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة» رواه مسلم؛ ففي كلا الحالين يتأثر الجليس بجليسه، إما بالسوء، وحرق الثياب، وأقله الريح الخبيثة، وإما بالخير والفائدة والعطر الحسن.

جماعة الرفاق

حاجة الطفل إلى جماعة الرفاق، وتأثُره بها:

لمّا كان تأثير الصاحب والجليس بهذه الدرجة الكبيرة؛ فإن تأثير هذه العلاقة على مستوى الأطفال بعضهم في بعض أكثر تحققاً ومضاء؛ إذ تعد جماعات الرفاق من أشد الجماعات تأثيراً على تكوين أنماط السلوك الأساسية لدى الطفل.

     والطفل- في حاجته للرفاق- كالكبير تماماً، لا يستطيع العيش منعزلاً؛ فلجماعة الرفاق أهمية كبيرة بالنسبة له، ووجوده في محيطٍ من الأطفال يعدُّ من العوامل الأساسية والمهمة في التربية؛ فمن خلال مخالطة الولد لرفاقه، سيمرّ بالعديد من المواقف؛ فتارة يتفق معهم، وتارة يختلفون، وقد يتشاجرون ويتصارمون لأيام عدة، ثم لا يلبثون أن يعودوا إلى الصفاء، ومن خلال تلك المواقف يتعلم الابن الكثير من مهارات السلوك الاجتماعي الصحيح وأخلاقياته، مثل:

- يتعلم مفردات الأدب وحقوق الأخوة، مثل أدب السلام والمصافحة وتشميت العاطس وعيادة المريض منهم، وتقديم الهدايا لأصدقائه، ولاسيما إذا حلّت مناسبة تقتضي التهنئة والهدية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : «تهادوا تحابوا» .

- من خلال جماعة الأصدقاء يتعلم الأبناء الإيجابية، من خلال بذل النصيحة لأصدقائهم ودلالتهم على الخيرات، وأن يحبوا لهم ما يحبون لأنفسهم؛ فإن ذلك من علامات كمال الإيمان.

- يوجه الأب أبناءه؛ لأن يكون الأصل عندهم في التعامل مع الناس عموماً، ومع أصدقائهم خصوصا، هو العطاء والكرم، والترفع عن الأخذ أوالتطلع لما في أيدي الناس؛ فلا يبخلون عليهم بما عندهم، مع الترفع عن الأخذ منهم، كما نصح بذلك ابن الحاج -رحمه الله-؛ حيث قال: «ويُمنَع أن يأخذ من الصبيان شيئاً بل يُعلّم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ».

- يتعلمون كذلك أدب المزاح، وأنه لا يعني أن يضرب أو يشتم أو يستهزىء بصديقه، ولا يكذب مازحاً ليضحكه، ولا يأخذ متاعه أو يروّعه بدعوى المزاح.

توجيه الوالدين

أهمية توجيه الوالدين لعلاقة الأبناء برفاقهم:

     يتميز التأثر بين أفراد جماعة الرفاق  بأنه بطيء، طويل المدى ولكنه أكيد المفعول، الأمر الذي جعل خبراء التربية يطلقون على ضبط تلك العلاقة من قِبَل الوالدين مصطلح (التربية السهلة)؛ إذ إنها توفر على الوالدين الكثير من التلقين، فقط يكفي أن يرى الولد صديقه يصلّي؛ فيقلده، بل يذهب معه إلى المسجد، وإن رآه يتنزه عن الكذب ويصدق في حديثه، قلّده أيضاً؛ فإنه يحب ألا يقل في خُلقه عن نموذج صديقه .

     وطبقاً لهذه القاعدة فإنّ الحذر من رفقاء السوء يساوي في المقدار والأهمية ضرورة تهيئة الصحبة الصالحة للأبناء؛ ولقد نبَّه على ذلك كثير من العلماء المسلمين، موجِّهين خطابهم إلى الوالدين والمربين، يقول ابن الجوزى -رحمه الله-: «أمّا تدبير الأولاد؛ فحفظهم من مخالطة تفسد أخلاقهم، وليحمل الولد على صحبة الأشراف والعلماء، وليحذر من مصاحبة الجهال والسفهاء؛ فإن الطبع لص»، وكذلك أشار الإمام الغزالي -رحمه الله- إلى أن تكوين الأخلاق الحسنة يمكن أن يكون عن طريق مصاحبة الأخيار والصالحين، وكذلك الأخلاق السيئة؛ فقال -رحمه الله-: «الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعاً».

تهيئة صداقات

كيف يكون للوالديْن دورٌ في  تهيئة صداقات صالحة لأبنائهم ؟

     على الأب أن يضع في اعتباره مبكراً تهيئة الأجواء الاجتماعية التي سينشأ ولده محاطاً بها؛ وذلك بانتقاء الصالحين من الأقارب والجيران والأصدقاء الذين يعرف تدينهم، واهتمامهم بتربية أبنائهم، ليكوّنوا دائرة علاقات موثّقة من هذه الأسر الكريمة المنتقاة، وتبادل الزيارات معهم، ومن ثمّ تنشأ علاقة الصداقة تلقائيا بين الأبناء وأترابهم من أبناء تلك الأسر، ثم تنمو وتتوثق في ظلّها، وبذلك تتكون بيئة صالحة للأبناء يتحركون في محيطها، ويجدون فيها أقرانا ورفقاء صالحين لهم.

     ولا يعني ذلك أن الولد سينعزل عن المجتمع الكبير الذي نعيش فيه، بسلبياته وإيجابياته، وإنما سيجد الولد في هذه الدائرة الداخلية مجالاً واقعيا يرى فيه تطبيق ما نربيه عليه من قواعد الإسلام وأخلاقه، وبالتالي يسهل عليه الاستجابة والتطبيق لمفردات هذه التربية ذات التوجه الإسلامي .

     مع ملاحظة أنّ الأفضل هو البدء في الترتيب لذلك مبكراً، والأبناء لا يزالون صغاراً، أمّا إذا تأخر إنتباه المربي لهذا الأسلوب؛ فعليه بانتهاجه أيضاً ولكن بأسلوب غير مباشر؛ فإنّ الطفل الكبير أو المراهق غالباً ما يكون متحفزاً تجاه الأساليب المباشرة في النصح والتوجيه.

رفقاء السوء

وماذا لو ظهر رفقاء السوء في حياة الولد؟

     على الوالد أن ينهى ولده برفق، ويحذّره ويبيّن له عاقبة مخالطة أصحاب السوء، وأنها تضره في دينه ودنياه، ويسوق له الأمثلة على ذلك؛ فإن لم يسمع الولد لنصحه، عمل الأب على تنفير الطرف الآخر بسوء استقباله وإظهار الاستياء لحضوره، وإن احتاج الأمر إلى إشعار أهله بذلك فحسن؛ إذ إنهم إن علموا بعدم رغبة الأب في مخالطة ولدهم لابنه أخذتهم العزة والأنفة، وحجزوا ولدهم ومنعوه عنه. (د.عدنان باحارث: مسؤولية الأب المسلم،225)

وأخيراً عزيزي المربي

     إنه لا يسعنا بعد أن أكدت لنا تجارب السابقين والمعاصرين، أنه ما انحرف حدثٌ ولا سلك سبيل الإجرام، إلا بدلالة رفقاء السوء وتشجيعهم؛ فعلينا أن ندعو الله -تعالى- لأبنائنا أن يرزقهم الرفقة الصالحة، وأن يجنّبهم ويقيهم رفقاء السوء، وألا نقصّر في دورنا التربوي، بدءاً من التهيئة المبكرة للصحبة الصالحة للأبناء، إلى توفير المناخ الأسري الدافيء الذي يسعهم وأصدقاءهم، ومن خلال تلك المعاملة الحسنة ستقوى علاقة الابن وأصدقائه بالوالد الصديق، وقد يصبح هذا الوالد مستشارهم الأمين الذي يثقون به ويأخذون بمشورته .

وهكذا يظلون تحت مظلة الأسرة ورقابتها، حتى يشتد عودهم، وتقوى إرادتهم، ويملكوا القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، والطيب والخبيث.

حفظ الله أبناءنا من كل سوء، وهداهم إلى ما يحبه ويرضاه.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك