رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: رائد الحزيمي 1 أبريل، 2018 0 تعليق

«احفظ الله يحفظك» الصاحب الصالــح رفيقــــك إلى الجنة

 

قال الله -تعالى-: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}(الزخرف: 67)، وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة»، من هنا فالجليس له تأثير مباشر على جليسه؛ فإما أن يكون صالحاً مصلحاً؛ فيؤثر على صاحبه إيجاباً؛ فيكون صالحاً مثله، وإما أن يكون فاسداً مفسداً؛ فيؤثر سلباً على صاحبه فيفسده، وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة تدل على ذلك.

     وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ، من التحسر والندم، يعض على يديه عندما يرى جهنم، ويرى ما قدمت يداه.  وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً،  يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً، ذاك اليوم، يوم التبرأ، يتبرأ الخليل من خليله: {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}(الزخرف67) الأخلاء كلهم، أعداء إلا المتقين: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ}(البقرة166).

 أثر الخليل على خليله

     النبي صلى الله عليه وسلم يبين أثر الخليل على خليله كما جاء عند أبي داود والترمذي، قال صلى الله عليه وسلم : «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ»، هكذا يقرر وهكذا يبين النبي صلى الله عليه وسلم أثر الخليل والصديق على صديقه؛ فقد جاء كذلك عند الترمذي وأبي داود، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِناً، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ»، لا تصاحب إلا المؤمن، واحرص على ألا يأكل طعامك إلا التقاة، كما يُقال: «الصاحب ساحب»، نعم، الصاحب ساحب؛ لذلك في البخاري ومسلم الحديث المشهور: «مَثلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ وَإمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ أو تَجِدَ مِنْهُ ريحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إمَّا أنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا خَبِيْثَة»، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم .

     يا من تجالس أصحاب السوء، هل تسمع منهم إلا الكلام القبيح، والسباب واللعان والشتائم والغيبة والنميمة والطعن في الأعراض، والقول على الله -عز وجل- ما لا يعلم؟  بل إن أسوأ ما يضرك به أنه يُثبطك ويُقلل من همتك عن طاعة الله -تعالى- فيقعدك عن الذهاب إلى الصلاة حين تسمع المنادى يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح، يُقعدك ويُثبطك ويُطوِّل بك الأمل، صاحب السوء لا تسمع منه إلا الشبه والشبهات والشهوات، إن كان صاحب السوء في الأخلاق فتسمع منه الشهوات، وإن كان صاحب السوء في دينه يُلقي عليك الشبة تلو الشبهة.

الجليس الصالح

أما الجليس الصالح فلا تسمع منه إلا المواعظ وطيب الكلام والعلم والأدب والأخلاق، تجده يحثك على الطاعة على الصلاة، وعلى الصيام، على العمرة والحج والصدقة وغير ذلك من الأعمال.

     لذلك فلابد أن يتأثر المرء بجليسه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاءُ في أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ وَالْفَدَّادينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكينَةُ في أَهْلِ الْغَنَمِ»؛ فانظر يا رعاك الله، هذا يُربي خيولًا وإبلًا، في حديث النبي كيف تأثر بهم؛ فالناقة تمشي رافعةً رأسها إلى أعلى، أورث هذا من يجالسونها الكبر، نعم، هذا مُشاهد؛ لذلك الأنبياء كلهم رعوا الأغنام، كما جاء في صحيح البخاري: «مَا بعَثَ اللهُ نَبِيًّا إلاّ رَعَى الغَنَم»؛ فيطأطئ ويكون ليَّن الجانب. أما صاحب الإبل -وهذا قد يكون له استثناءات- ولكن نحن نتكلم عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم  وما قرره النبي صلى الله عليه وسلم  بأن الإنسان الذي يجاور البهيمة يتأثر بُخلقها؛ فما بالك بالإنسان إذا جاور الإنسان كيف يتأثر؟!

يوم القيامة

     مشهدٌ آخر من مشاهد يوم القيامة، ولولا لطف الله -عز وجل- بذلك الإنسان؛ لكان من المُحضرين، قال الله -عزوجل- على لسان شخص في الجنة: {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ}(الصافات51)، صاحب، أي: في الدنيا: {يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ}(الصافات52)، كان خليله يُشككه في يوم القيامة: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ}(الصافات53)، الله -سبحانه وتعالى- سيسألنا ويُحاسبنا ويجازينا على أعمالنا، ثم قال هذا الرجل وهو في الجنة مع أصحابه: {قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ}(الصافات54)، تعالوا لنطلع إلى النار، ننظر إلى أين هذا الرجل: {فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ}(الصافات55)، رأى خليله في وسط الجحيم: {قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ}(الصافات56)، أقسم بالله، والله لو أني أطعتك؛ لترديت معك ولكنت معك في النار، ثم قال: {وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ}(الصافات57)، الله -عز وجل- لطف بهذا الإنسان، والله -عز وجل- لحمايتنا وحتى لا نتأثر بجلساء السوء أمرنا: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً}(النساء140)، الله -عز وجل- يجمع من جلس مع السفهاء أولئك الخائضين في آيات الله -عز وجل.

     أيها الشباب: ألا ترون أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة، لو كان هناك جيفةٌ ذات رائحة نتنة، ومر عليها ماء أو هواء يفسد ذلك الهواء ويفسد ذلك الماء؛ فما ظنك بنفوس البشر؟ وكما قيل: «من جالس المغنين غنى، ومن جالس المصلين صلى»، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}(التوبة119).

أثر قرين السوء

وهذا أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ، كانت له وقفات حمى فيها ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وساند دعوة ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكنه لم ينطق بالشهادة عند موته ولم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.

     انظروا إلى قرين السوء كيف يؤثر في صاحبه، عندما حضرت أبا طالب الوفاة، وكان عنده أبو جهلٍ وعبدالله بن أمية، جاءه النبي صلى الله عليه وسلم مشفقًا عليه، يقول: يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله؛ فقال أبوجهل -عليه لعنة الله-: «أترغب عن ملة عبدالمطلب؟»؛ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعرضها عليه: قل يا عم: لا إله إلا الله، ولم يزالا الرجلان يُخذلانه حتى قال آخر كلامه: «هو على ملة عبدالمطلب»؛ فمات كافرًا؛ فقال في حقه النبي صلى الله عليه وسلم عندما سُئِلْ: «ما نفعت عمك؟» قال: «دعوت الله -عز وجل- فأصبح في ضحضاح من نار يغلي بهما دماغه»، هو أهون أهل النار، ويظن هو أشد أهل النار، الدماغ يغلي، ما نفعه شيء.

النبي صلى الله عليه وسلم  وعمه

قال النبي بعد ما مات عمه، قال: «أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك»؛ فأنزل الله -عز وجل- قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}(التوبة113).

موسى عليه السلام

وهذا موسى -عليه الصلاة والسلام- يقول في آيات الله -عز وجل- لكي يجتنب أصحاب السوء: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}(المائدة25).

إبراهيم عليه السلام

     وإبراهيم الخليل -عليه الصلاة والسلام- يقول عن قومه: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً}(مريم48)؛ فأكرمه الله -عز وجل-: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً}(مريم49).

لاتصاحب إلا مؤمناً

     نعم، لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي، احذر من الفاسق، والمبتدع، والبخيل، وقاطع الرحم، وتارك الصلاة، احذر من هؤلاء جميعًا، ولنكن كما قال الله -عز وجل- في الحديث القدسي: «وَجَبَتْ محبتي لِلْمُتَحَابِّينَ فيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فيَّ»، هم القوم الذي لا يشقى بهم جليس كما في الصحيحين.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك