رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عبدالهادي بن حسن وهبي 17 يناير، 2018 0 تعليق

طرق التخلص من الهوى (الأخيرة) أشد أعداء الإنسان هواه

إننا نعيش في زمان صعب، كثرت فيه الفتن، وانتشرت الشهوات انتشار النار في الهشيم؛ فالشر مستطير، والفساد مستفحل، وداعي الهوى مشمر. استرسل الناس في اتباع الهوى استرسال البهائم؛ فعقولهم مسبية في بلاد الشهوات، ودينهم مستهلك بالمعاصي والمخالفات، وهمتهم واقفة مع السفليات؛ لذلك كان على الإنسان أن يعرف كيف يتخلص من هواه، وهذا ما نحاول معالجته في هذه السلسلة، واليوم نكمل ما بدأنا الحديث عنه في طرائق التخلص من الهوى.

الطريق الحادي عشر

أن يعلم العبد أن مخالفة الهوى تورثه قوة

عن أبي هريرة -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

ومعنى الحديث: ليس الشديد الشدة المحمودة من يصرع الأبطال ويرميهم بالأرض، ولكن الشديد هو الذي يقهر نفسه فيملكها عند الغضب.

     فالمستحق لهذا الاسم -الصرعة- هو الذي يملك نفسه عند الغضب، فيصرعها بذلك عما تدعوه إليه من هواها إلى ما هو أولى بها منه، هو القوي الشديد، والنهاية في الشدة؛ لغلبته هواه المردي الذي زينه له الشيطان المغوي.

وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم  للذي يملك نفسه ويغلبها من القوة، ما ليس للذي يغلب غيره.

وفي هذا دليل على أن مجاهدة النفس أصعب مراما وأفضل من مجاهدة العدو.

قال السري السقطي -رحمه الله-: «أقوى القوة غلبتك نفسك».

قال يحيى بن معاذ -رحمه الله-: «ما أقواك لو خالفت هواك».

وكلما تمرن على مخالفة هواه؛ اكتسب قوة إلى قوته.

الناس صنفان: فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك.

الطريق الثاني عشر

أن يعلم العبد أن النبي صلى الله عليه وسلم تخوّف على أمته من مضلات الهوى

عن أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن مما أخشى  عليكم: شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلات الهوى» صححه الألباني.

تخوف النبي صلى الله عليه وسلم  على أمته من فتنتين عظيمتين: هما أصل كل شر وفتنة وبلاء، وبهما كذبت الرسل، وعصي الرب ودخلت النار، وحلت العقوبة.

- مضلات الهوى: وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات.

- وشهوات الغي: والغي اتباع الشهوات التي هي هوى النفوس، مثل أن يحب الشهوات المحرمة؛ الزنى، والسرقة، وشرب الخمر، والغيبة، والنميمة، ونحو ذلك.

وليس الغي مختصا بشهوات البطون والفروج فقط، بل هو في شهوات البطون والفروج وشهوات الرئاسة والكبر والعلو وغير ذلك، فهو اتباع الهوى.

عن عبدالله بن زيد بن عاصم -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا نعايا العرب، يا نعايا العرب، إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء، والشهوة الخفية» حسنه الألباني.

وحب الرئاسة شهوة خفية، فهو خفية تخفي على الناس، وكثيرا ما تخفى على صاحبها.

ومرتع الشهوات وخيم، ذلك بأن الإنسان إذا مكن نفسه من شهوة تاقت إلى غيرها، وكلما نالت شَهَّي لذةٍ شَرهت إلى سواها، فكان كما قال الشاعر:

إذا المرء أعطى نفسه كل شهوة

                                 ولم ينهها تاقت إلى كل باطل

وساقت إليه الإثم والعار للذي

                               دعته إليه من حلاوة العاجل

عن زياد بن علاقة، عن عمه -رضي الله عنه - قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأعمال والأهواء».

الطريق الثالث عشر

أن يعلم العبد بأن مخالفة الهوى سبب للاستظلال في ظل العرش

     عن أبي هريرة -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سبعة يظلهم الله -تعالى- في ظلة يوم لا ظل إلا ظله: إمام عدل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه».

إذا تأملت السبعة الذين يظلهم الله -عز وجل- في ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله وجدتهم إنما نالوا ذلك الظل؛ بمجاهدتهم لأنفسهم، ومخالفتهم لأهوائها.

وأول هؤلاء السبعة: الإمام العادل. وهو «الذي لا يميل به الهوى، فيجور في الحكم».

فإن الإمام المتسلط القادر، لا يتمكن من العدل إلا بمخالفة هواه؛ لأنه «مَنْ حَكم بحكم الهوى، جَارَ»، وأعظم الملوك من ملك نفسه وبسط عدله.

والثاني: الشاب الذي نشأ في عباده الله -عز وجل-، فإن الشباب شعبة من الجنون ، وهو داع للنفس إلى استيفاء الغرض من شهوات الدنيا ولذاتها المحظورة، فمن سلم منه فقد سلم.

عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله -عز وجل- ليعجب من الشاب ليست له صبوة»، أي: ميل إلى الهوى، وهي المرّة منه.

وإنما كان ذلك، لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصبوة، فالشباب شعبة الجنون.

والثالث: الرجل المعلق قلبه بالمساجد.

     فهو يحب المسجد ويألفه لعبادة الله فيه، فإذا خرج منه تعلق قلبه به حتى يرجع إليه، وهذا إنما يحصل لمن ملك نفسه، وقادها إلى طاعة الله، فانقادت له؛ فإن الهوى إنما يدعو  إلى محبة مواضع الهوى واللعب؛ إما المباح أو المحظور، ومواضع التجارة واكتساب الأموال؛ فلا يقصر نفسه على محبة بقاع العبادة إلا من خالف هواه، وقدم عليه محبة مولاه.

الرابع: المتحابان في الله -عز وجل.

     فإن الهوى داع إلى التحاب في غير الله؛ لما في ذلك من طوع النفس أغراضها من الدنيا، فالمتحابان في الله جاهدا أنفسهما في مخالفة الهوى، حتى صار تحابهما وتوادهما في الله من غير غرض دنيوي يشوبه، وهذا عزيز جداً؛ لأن المحبة في هذا الزمان قائمة على المصالح الشخصية، «وهذه هي المحبة العرضية التي تزول بزوال موجبها؛ فإن من وَدَّكَ لأمرٍ، ولَّي عنك عند انقضائه».

قال المروزي -رحمه الله-: قيل لأبي عبدالله: ما الحب في الله؟ قال: هو ألا تحبه لطمع في دنياه.

الخامس: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال.

     ويعني بالمنصب: النسب والشرف والرفعة في الدنيا، فإذا اجتمع ذلك مع الجمال، فقد كمل الأمر وقويت الرغبة؛ فإن كانت مع ذلك هي الطالبة الداعية إلى نفسها، كان أعظم وأعظم؛ فإن الامتناع بعد ذلك كله، دليل على تقديم خوف الله على هوى النفس.

تفكر في حال هذا الرجل العفيف «لو كان زل من كان يكون؟ هل كانت إلا لذة لحظة وحسرة الأبد؟!».

السادس: رجل تصدق بصدقة، فاجتهد في إخفائها غاية الاجتهاد، حتى لم يعلم به إلا الله.

وضرب المثال لذلك على طريق المبالغة: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».

     وهذا دليل على قوة الإيمان والاكتفاء باطلاع الله على العبد وعلمه به؛ مخالفة للهوى ومجاهدة للنفس؛ فإنها تحب إظهار الصدقة، والتمدح بها عند الخلق، فيحتاج في إخفاء الصدقة إلى قوة شديدة تخالف هوى النفس.

السابع: رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه.

     فهذا رجل يخشى الله في سره، ويراقبه في خلوته، وأفضل الأعمال خشية الله في السر والعلانية. وخشية الله في السر إنما تصدر عن قوة إيمان ومجاهدة للنفس والهوى؛ فإن الهوى يدعو في الخلوة إلى المعاصي.

     هولاء السبعة، «لم يكن لحر الموقف وعرقه وشدته سبيل عليهم يوم القيامة، وأصحاب الهوى قد بلغ منهم الحر والعرق كل مبلغ، وهم منتظرون بعد هذا دخول سجن الهوى». فرحم الله من خرج «من هواه إلى طلب رضا مولاه، بتصحيح تقواه».

الطريق الرابع عشر

أن يعلم العبد بأن دواء الهوى الصبر

والصبر: حبس النفس عن متابعة الهوى، ورأس الصبر: ترك إجابة داعي الهوى، وتخليص «النفس من إشراك الهوى»، فهو مقاومة النفس الهوى لئلا تنقاد لقبائح اللذات. قال الله -تعالى-: {وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا} (الإنسان:12).

فلما كان في الصبر الذي هو حبس النفس عن الهوى خشونة وتضييق، جازاهم على ذلك نعومة الحرير وسعة الجنة.

فينبغي للإنسان أن يجاهد نفسه وهواه بالصبر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر».

ولقد «نجا من بحر الهوى مَنْ تَصَّبر».

     ومن فعل ما يحب لقي ما يكره، ومن صبر على ما يكره نال ما يجب. والصبر يُهوِّن على العبد تركَ ما تهواه النفوس من المخالفات. ومن «تَلمَّح حلاوةَ العافية، هانت عليه مرارةُ الصبر». فالصبر يجري مع جميع الأفعال المحمودة، كما يجري الهوى مع جميع الأفعال المذمومة.

     ومن لم يصبر عن الهوى صَبْر يوسف، يتعين عليه بكاء يعقوب. فاصبر عن الهوى لتنال العز في الدنيا والآخرة. فالصابر على الحقيقة من صَبَّر نفسه، وحبسها عن شهوتها وقهرها. والصبر عن اتباع الهوى، أسهل من الصبر على ألم ما بعده.

ولا بد لنا من كبح جماح النفس الهائج، وليس لكبحها دواء أنجع ولا أنجح من الصبر. وإنك إن «فسحت لنفسك في هواها، ضيقت عليك طريق الخلاص».

- مضت ساعات وليال وأيام وشهور وسنوات، وأنت غارق في الشهوات، متبع لهواك. أما آن لك أن تقلع عن هواك، وتطيع مولاك؟

- عصيت يا مغرور مولاك. واتبعت غيك وهواك، ونسيت النعم التي أولاك، ولم تنته عما عنه نهاك. أهذا جزاء من أحسن إليك، وسترك، وأنعم عليك؟!

«كنت مقيما في دار الإنابة نظيفا، فسافرت في الهوى فعلاك وسخ، أفلا تحن إلى النظافة؟!».

لقد أكثرنا من خزي الهوى والذنوب، أما آن لنا أن نبكي على حالنا ونتوب؟!

ركبنا الهوى فهوينا، أما آن لنا أن نقلع نادمين؟!

فاستقل توبة لعلك تنجو

                                    وازجر النفس يا أخي عن هواها

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك