رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: إيهاب شاهين 10 ديسمبر، 2017 0 تعليق

بدعة تكفير المسلمين (4) العذر بالجهل

استفاضت نصوص الكتاب والسنة لدى العلماء وكثرت بينهم، في تحذيرهم من تكفير المعين بلا دليل أوضح من شمس النهار؛ لأن نتيجته الواقعية سيئة، سواء أكانت بالأقوال أم بالأفعال, ومن أصول أهل السنة حسن الظن وحسن الرجاء لأهل القبلة أمواتاً وأحياء.

      وهذه القاعدة من أهم القواعد ولاسيما في هذه الآونة، وقد أطلت علينا البدع برأسها وصار أهل البدع يروجون قواعد يضعونها في غير موضعها، ويستعملونها استعمالا لم يعرفه أهل العلم، ويلوحون بها في وجه مخالفيهم, كقاعدة: «أن من لم يكفر الكافر فهو كافر»، وهي ليست آية في القرآن ولا حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن صحت فإنها تحمل على من لم يكفر الكافر الذي قام على كفره دليل قطعي، أو من لم يكفر الكافر الذي نزل الوحي بكفره. كما أنه ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا أحد أغير من الله؛ من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحب إليه المدح من الله -عز وجل-؛ من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله؛ من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين».

الجمع بين محبة المدح والعذر

     قال المناوي -رحمه الله-: جمع الله -تعالى- بين محبة المدح والعذر الموجبين لكمال الإحسان وبين أنه لا يؤاخذ عبيده بما ارتكبوه حتى يعذر إليهم المرة بعد الأخرى؛ ولأجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه إعذارا وإنذارا، وهذا غاية المجد والإحسان ونهاية الكمال والامتنان؛ فهو لا يسرع بإيقاع العقوبة من غير إعذار منه ومن غير قبول للعذر، ممن اعتذر إليه، وفيه دلالة على كرم الله وقبوله عذر عباده؛ فقد بسط عذرهم ودلهم على موضع التملق له، وعرفهم أنه يقيل عثراتهم، ويعفو عن زلاتهم، ويتجاوز عن سقطاتهم، والسؤال: هل يعد العذر بالجهل في المعلوم من الدين بالضرورة؟

المعلوم من الدين بالضرورة

     المعلوم من الدين بالضرورة هو ما انتشر علمه بين الخاصة والعامة؛ فلا يتصور فيه جهل أصلاً لمن هو بين أوساط المسلمين، وإنما يتصور الجهل لمن يعيش في ديار بعيدة عن ديار المسلمين، أو كان حديث عهد بإسلام؛ فما كان معلوما من الدين بالضرورة يكفر منكره إلا أن تدل القرينة على عدم علمه، وهذا الأمر نسبي من مكان لآخر ومن زمان لآخر.

     قال النووي -رحمه الله-: إن جحد مُجْمَعاً عليه يُعلم من دين الاسلام ضرورة كفر إن كان فيه نص، وكذا إن لم يكن فيه نص في الأصح، وإن لم يعلم من دين الاسلام ضرورة؛ بحيث لا يعرفه كل المسلمين لم يكفر والله أعلم. (روضة الطالبين وعمدة المفتين - (ج 3 / ص 442). وقال -رحمه الله-: إذا ترك الصلاة جاحدا لوجوبها أو جحد وجوبها ولم يترك فعلها في الصورة فهو كافر مرتد بإجماع المسلمين، ويجب على الإمام قتله بالردة إلا أن يُسلم، ويترتب عليه جميع أحكام المرتدين وسواء كان هذا الجاحد رجلا أم امرأة هذا إذا كان قد نشأ بين المسلمين، فأما من كان قريب العهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة من المسلمين؛ بحيث يجوز أن يخفى عليه وجوبها فلا يكفر بمجرد الجحد بل نعرفه وجوبها فإن جحد بعد ذلك كان مرتدا.

هل العذر بالجهل في كل مسائل الدين؟

     نعم، العذر بالجهل في كل مسائل الدين مما يتصور فيه الجهل، سواء كان من الأمور العلمية أم العملية. وأما من يفرق بين مسائل الدين ويقسمها إلى أصول وفروع ثم يبنى الأحكام على ذلك. فهذا ابتداع ما أنزل الله به من سلطان.

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: هذا مع أني دائما ومن جالسني يعلم ذلك مني: أني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية. (مجموع الفتاوى 1/258).

     وقال -رحمه الله-: وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، والأدلة على ذلك كثيرة منها:

الدليل الأول

     قوله -تعالى- عن أصحاب موسى -عليه السلام-: {قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} الأعراف (138)، قال القرطبي: نظيره قول جهال الأعراب وقد رأوا شجرة خضراء للكفار تسمى ذات أنواط يعظمونها في كل سنة يوما: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال عليه الصلاة والسلام: «الله أكبر. قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى (اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى إنهم لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه». وكان هذا في مخرجه إلى حنين، على ما يأتي بيانه في (بَرَاءَةٌ) -إن شاء الله تعالى-. {إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}.

الدليل الثاني

     قول الله -تعالى- عن أصحاب عيسى -عليه السلام-: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (المائدة: 5 /112)، قال أبو محمد بن حزم -رحمه الله-: «فهؤلاء الحواريون الذين أثنى الله -عز وجل- عليهم قد قالوا بالجهل لعيسى -عليه السلام-: هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ ولم يبطل بذلك إيمانهم، وهذا ما لا مخلص منه، وإنما كانوا يكفرون لو قالوا ذلك بعد قيام الحجة وتبيينهم لها» (الفصل في الملل والأهواء والنحل: 3 / 142).

     وجاء في التفسير الميسر: واذكر إذ قال الحواريون: يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك إن سألته أن ينزل علينا مائدة طعام من السماء؟ فكان جوابه أن أمرهم بأن يتقوا عذاب الله تعالى، إن كانوا مؤمنين حقَّ الإيمان. والشاهد من الدليل: إن عيسى -عليه السلام- لم يكفرهم بل أمرهم بالتقوى.

     وقد يقال: هذه رواية صحيحة ولكن على ما قرأه الكسائي -رحمه الله-: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) تَستطيعُ – بتاءٍ مفتوحة – وربَّكَ - بنصب الباء المشدَّدة وفي تفسير الآية على هذه القراءة قال القرطبي: «قال الزجاج: هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله، وقيل: هل تستطيع أن تدعو ربك أو تسأله، والمعنى متقارب ولا بد من محذوف» (تفسير القرطبي: 6 / 365).

     وعلى هذا المعنى لا يكون الحواريُّون قد قالوا ما قالوه شاكين في قدرة الله، ولا يكون ممَّا يُكفِّر، وبالتالي فلا حجّة في الآية على العذر بالجهل، فضلاً عن وقوعه. والجواب: إن كلا الروايتين صحيحتان وليس الأولى شاذة لكى لا نأخذ بها بل الصحيح أن القاعدة: العمل بالدليلين أولى من إهمال أحدهما، وقاعدة أخرى: الجمع أولى من الترجيح.

إذاً فالروايتان تثبتان أن بعض أصحابه قالوا يستطيع، وبعضهم الآخر قال تستطيع، ولكن الأغلب قال يستطيع والدليل على ذلك من جوابه عليهم , -عليه السلام- فقال لهم {قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

     والدليل أيضاً من ردهم؛ فقالوا له {قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ}. وسياق الآيات يدل قطعاً أنهم كانوا جاهلين بعظمة الله وقدرته، وأرادوا أن يصدقوا ذلك, ثم هي القراءة المشهورة والله أعلم.

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك