رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. محمد احمد لوح 24 أكتوبر، 2017 0 تعليق

دراسة السنن الإلهية والاعتبار من وسائل فهم الدين والثبات عليه


ذكر الله -تعالى- لفظ سننه في مواضع من كتابه؛ فقال -تعالى-: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا}(الإسراء: 77). وقال -تعالى-: {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ۖ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا}(الأحزاب: 38)، وقال -تعالى- في آخر السورة: {مَّلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}(الأحزاب: 61-62).

     وقال: {اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}(فاطر: 43)، وقال: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ}(غافر: 85)، وقال: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}(الفتح: 22-23).

فهذه كلها تتعلق بمطيعيه وعصاته، كالمؤمنين والكافرين؛ فسنته في المؤمنين إكرامهم، وسنته في الكافرين إهانتهم وعقوبتهم.

     قال ابن تيمية -بعد أن ساق هذه الآيات-: وهذه السنن كلها سنن تتعلق بدينه وأمره ونهيه ووعده ووعيده، وليست هي السنن المتعلقة بالأمور الطبيعية، كسنته في الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك من العادات؛ فإن هذه السنة ينقضها إذا شاء بما شاء من الحكم كما حبس الشمس على يوشع، وكما شق القمر لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وكما ملأ السماء بالشهب، وكما أحيا الموتى غير مرة، وكما جعل العصا حية، وكما أنبع الماء من الصخرة بعضا، كما أنبع الماء من بين أصابع الرسولصلى الله عليه وسلم .(رسالة في لفظ القرآن جـ1 ص: 49-52).

أدلة وجوب الاعتبار وأخذ الدروس من السنن الإلهية

     قال -تعالى-: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}(الحشر: 2).

     وقال -تعالى-: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ}(يوسف: 111)، قال ابن تيمية -رحمه الله-: وإنما تكون العبرة به بالقياس والتمثيل، كما قال ابن عباس في دية الأصابع: هن سواء، وعدوها بدية الأسنان، فإذا عرفت قصص الأنبياء ومن اتبعهم ومن كذبهم وأن متبعيهم كان لهم النجاة والعافية والنصرة والسعادة، ولمكذبيهم الهلاك والبوار جعل الأمر في المستقبل مثلما كان في الماضي؛ فعلم أن من صدقهم كان سعيدا ومن كذبهم كان شقيا، وهذه سنة الله وعادته؛ ولهذا يقول -سبحانه- في تحقيق عادته وسنته، وأنه لا ينقضها ولا يبدلها: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ}(القمر: 43).

     يقول: فإذا لم يكونوا خيراً منهم؛ فكيف ينجون من العذاب مع مماثلتهم لهم هذا بطريق الاعتبار والقياس، ثم قال: {أم لكم براءة في الزبر} أي معكم خبر من الله بأنه لا يعذبكم فنفى الدليلين العقلي والسمعي. (البنوات: جـ1، ص: 265).

أهمية التفقه في هذا الباب

     إن دراسة السنن الإلهية وفهمها والاعتبار بها، تعد من أهم الوسائل لفهم الدين والثبات عليه حتى الممات؛ فمثلا إذا علم المؤمن أن الابتلاء سنة إلهية يجريها المولى -عز وجل- على المؤمن بقدر دينه لحكمة عظيمة، وهي تمحيصه وإظهار أمره، ثم إثابته على صبره - إذا علم ذلك- فلن يكون الابتلاء سببا لنكوسه وتبديله، بل يثبت ويصبر لعلمه بأن الله سينصره وأن العاقبة للمتقين، وحان الأوان للشروع في بسط ما أمكن من هذه السنن، وما تيسر من الدروس والعبر.

سنة الانتقام

     قال ابن القيم -رحمه الله-: الثالث الصبر على عدوه، وألا يقاتله ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلا؛ فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله، ولا يستطل تأخيره وبغيه؛ فإنه كلما بغي عليه، كان بغيه جندا وقوة للمبغي عليه، المحسود يقاتل به الباغي نفسه وهو لا يشعر بغيه عليه، ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي دون آخره ومآله، وقد قال -تعالى-: {ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}(الحج: 60).

     فإذا كان الله قد ضمن له النصر مع أنه قد استوفى حقه أولاً؛ فكيف بمن لم يستوف شيئاً من حقه؟! بل بغي عليه وهو صابر، وما من الذنوب ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم، وقد سبقت سنة الله أنه لو بغى جبل على جبل جعل الباغي منهما دكا. (بدائع الفوائد: جـ1، ص: 464).

سنة التدافع

قال تعالى: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}(البقرة: 251).

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: فيدفع بالمؤمنين الكفار ويدفع شر الطائفتين بخيرهما، كما دفع المجوس بالروم النصارى، ثم دفع النصارى بالمؤمنين أمة محمد.(الجواب الصحيح جـ2، ص: 216).

     قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب لفسدت الأرض وأهلك القوى الضعيف.(تفسي ابن كثير جـ3، ص: 227).

سنة التغيير

قال -تعالى-: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}(الرعد: 11)، {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(الأنفال: 53).

     قال ابن جرير -رحمه الله-: وقوله: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، يقول -تعالى- ذكره إن الله لا يغير ما بقوم من عافية ونعمة فيزيل ذلك عنهم ويهلكهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من ذلك بظلم بعضهم بعضا واعتداء بعضهم على بعض؛ فتحل بهم حينئذ عقوبته وتغييره.

     وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(آل عمران: 165).

     قال ابن القيم في (بدائع الفوائد: 2/467: فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها وما ينساه مما عليه وعمله أضعاف ما يذكره؛ فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب، ولقي بعض السلف رجل فأغلظ له ونال منه؛ فقال له: قف حتى أدخل البيت ثم أخرج إليك؛ فدخل فسجد لله وتضرع إليه وتاب وأناب إلى ربه، ثم خرج إليه، فقال له: ما صنعت؟ فقال: تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به علي، وليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها، فإذا عوفي من الذنوب عوفي من موجباتها؛ فليس للعبد إذا بغي عليه وأوذي وتسلط عليه خصومه شيء أنفع له من التوبة النصوح وعلامة سعادته أن يعكس فكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه؛ فيشغل بها وبإصلاحها وبالتوبة منها؛ فلا يبقى فيه فراغ لتدبر ما نزل به، بل يتولى هو التوبة وإصلاح عيوبه والله يتولى نصرته وحفظه والدفع عنه ولابد.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك