القطاع الثالث ظهير استراتيجي وشريك تنموي الحلقة (7)
نهض القطاع الثالث في تاريخنا الإسلامي، وضمن من خلال تنوعه وحجمه وضوابطه لحضارتنا الإسلامية في الازدهار عمراً لم تماثلها فيه حضارة من الحضارات، وكان سياجاً في حماية الأصول المالية، وضماناً لاستمرار عطائها لأجيال عديدة، وقد ترك القطاع بمؤسساته ومخرجاته بصمات لا تُمحى في صفحات التاريخ الإسلامي؛ لذلك نعرض في حلقات للإصدار الأخير لمركز ابن خلدون للدراسات الإستراتيجية الذي جاء بعنوان: (القطاع الثالث ودوره في تحقيق التنمية المستدامة)، الذي تولى كتابة مباحثه ثلة من المختصين والباحثين في مجال العمل المجتمعي من خيري ووقفي وتنموي.
القطاع الثالث في مرحلة الحراك مورد استراتيجي، وقوة فاعلة وشراكة تنموية للعالم العربي والإسلامي عموماً والكويت خصوصاً، وهذه القوة هي ظهير تنموي وداعم أساسي لموارد الدول الإسلامية عمومًا والكويت خصوصًا؛ نظراً لكونها حاضنة طبيعية لهذا القطاع، ومن أبرز الداعمين له على الصعيدين الداخلي والإسلامي، وتظهر تجليات هذه القوة والشراكة في الآتي:
واقعا ًمؤسسياً
إن القطاع الثالث أصبح واقعا مؤسسياً في العالم، لا ينكره إلا من جافى الحقيقة، أو كان بمعزل عنها ولاسيما وأن دور القطاع الثالث وأهدافه أصبحت واضحة المعالم؛ ولذا فهو يعد مكملاً ومسانداً للقطاعات الأخرى في قضايا لو تركت بلا إدارة مؤسسية متخصصة لأصبحت مصدر قلق وعدم استقرار.
ومن المتوقع أن يزداد دور القطاع الثالث حتى في الاقتصاديات المتقدمة، ناهيك عن الاقتصاديات الضعيفة التي تعيش حالة من الانحطاط على جميع المستويات، ولعل تصريح الوزير الأول الفرنسي -الأسبق- ادوارد بلادور (Eduard Balladur)، عندما سئل عن المشردين الذين قضوا من شدة البرد في شوارع باريس سنة 1993، فأجاب معبراً عن عجز الدولة في التكفل بالمشكلات الاجتماعية جميعها: “إن التضامن الطبيعي بين الناس يجب أن يغلب على تدخل الدولة».
هوية الأمة الإسلامية
يُعد القطاع الثالث عاملًا من عوامل الحفاظ على هوية الأمة الإسلامية والدولة العربية واستقرارها السياسي، بحكم ما يوفره من شراكة شعبية؛ فهو من أقوى وسائل الإصلاح السياسي لحكومات دول العالم، بل إنه بحكم استقلاليته عن الحكومة يمنح الحكومات والدول مساحة أوسع للمناورات السياسية الدولية ليجنبها الضغوط السياسية.
يكبح جماح القطاع التجاري
إن القطاع الثالث يكبح جماح القطاع التجاري وجشعه، ويهذب سلوكه، وهذا أمر محمود وله عواقب تنموية واقتصادية محمودة الأثر.
يستوعب كل جوانب التطوع
يستوعب القطاع كل جوانب التطوع والأعمال الشعبية والخيرية والأهلية، وينظم قبول الموارد المالية من المنح والتبرعات والأوقاف والضرائب والغرامات وغيرها وصرف جميعها. أي أنه يشمل جميع أنواع الأعمال والبرامج التطوعية، وينظمها ويوجهها الوجهة السديدة نحو التنمية.
أكثر القطاعات نموًا
إنه من أكثر القطاعات نموا ًفي مجال التوظيف ومعالجة البطالة في الدول المتقدمة؛ لما يملكه من خاصية استيعاب القوى العاملة ولاسيما المرأة؛ ولذا فهو يستطيع استيعاب كثير من حالات التوظيف ومشكلات البطالة واحتواء الموارد البشرية بإبداعاتها واختراعاتها وتوظيفها، وهو بهذا أو ذاك المنظم للأنشطة والبرامج الأهلية والشعبية والخيرية؛ سواء كانت ثقافية أم دينية أم اجتماعية أم مهنية أم رياضية أم فنية أم ترفيهية، كما أن الدول تحتاج إلى هذا القطاع – بحكم شعبيته- في فترات الأزمات السياسية أو العسكرية؛ فهو يعالج بطريقة فعالة آثار سقوط الحكومات وضعفها؛ حيث يسد النقص والحاجة في الأزمات والكوارث التي قد تعصف بمكتسبات القطاعين.
يقوي نفوذ الدولة
يقوي هذا القطاع نفوذ الدولة في الخارج، ليحافظ بذلك على حق السيادة والقوة في الداخل، كما هو مسلك الدول القوية والدول الاستعمارية وكذلك فهو يعزز الفكرة الرئيسة التي قامت عليها الدولة.
توطين الموارد الاقتصادية
يعمل القطاع الثالث في الغالب على توطين الموارد الاقتصادية؛ فهو قطاع خدمي تنموي يعمل على إيجاد البنى الأساسية للدولة، وهو قطاع غير ربحي، لا يدخل في الاستثمارات العالمية؛ فدورات اقتصاده واستثماراته محلية ووطنية، وهو لدى جميع الأمم والدول مرشح قوي لأخذ زمام المبادرات في التصدي للقضايا الإنسانية والحفاظ على ثرواتها المحلية والوطنية؛ لأنه القطاع الأقل فساداً والأكثر التزاماً بالمثل والقيم العليا؛ بحكم دوافعه وطبيعة أهدافه، وهو قطاع يتصف بدرجات كبيرة من الشفافية التي تفوق معظم شفافية مؤسسات القطاع الحكومي والتجاري، كما أن هذا القطاع تتفاعل معه بطريقة إيجابية كل الأمم والشعوب في عمليات الوقف والتبرعات.
تحسين حياة الناس
يعمل القطاع فعليا على تحسين حياة الناس، وتلبية حاجاتهم الأساسية، وإيجاد فرص عمل بأجور مقبولة، ونشر روابط قوية بين الشعوب ذاتها.
قوة إدارية مساندة
يعد القطاع الثالث – بحريته واستقلاليته- في الإدارة الحديثة قوة إدارية مساندة لمؤسسات القطاع الحكومي، يسد نقص خدماتها، ويخفف عنها الكثير من الأعباء الإدارية والاقتصادية، كما تستفيد الحكومات والمجالس التشريعية من نتائج دراساته وأبحاثه الاستراتيجية والمستقبلية والمستقلة بتخفيف الضغوط السياسية الخارجية عنها، ولاسيما حينما توظف كل تلك النتائج في تحقيق المصالح الوطنية العليا للدولة باستثمار النقد الهادف وأبحاث الإصلاح ودراساته والتصحيح من خلال جمعياته ومراكزه التوجيهية والتربوية والعلمية والاستشارية.
من عوامل نجاح الدول
يعد القطاع الثالث من عوامل نجاح الدول وتفوقها السياسي؛ فهو بمؤسساته المتنوعة من عوامل قوة السلطات الثلاث للدولة (التنفيذية والتشريعية والقضائية) ونجاحها وتقويتها.
استيعاب الاحتقان الفكري والسياسي
يساهم هذا القطاع بمؤسساته الشعبية ومراكزه الحوارية، في استيعاب الاحتقان الفكري والسياسي، وإعادة توظيف واستثمار هذه الطاقات التي أرخصت أغلى ما لديها ولدى الناس جميعاً وهي الحياة، وهي بهذه التضحيات تمتلك عنصراً من أهم عناصر العمل والإنتاج والتنمية بعد مناصحتها وإصلاحها وتوجيهها، علماً بأن عوامل قوة النجاح الإصلاحي لهؤلاء تزداد حينما تقوم مؤسسات القطاع الأهلي والشعبي بهذا الدور. والحل الأمني مطلوب، لكنه بمفرده ليس هو الحل المنتظر. لقد أصبح من المؤكد من خلال التجربة الإسلامية بتشريعاتها وتطبيقاتها التاريخية، ومن خلال التجربة الغربية المعاصرة، وبدعم وسائل الثقافة: أن العمل بفلسفة القطاع الثالث كفيل بنقل معظم الحكومات العربية إلى مفهوم (الدولة) بدلاً من تحمل أو تحميل (الحكومات) مسؤوليات الواقع وتبعاته؛ فالحكومات مهما كانت إمكاناتها تبقى عاجزة عن معالجات التوظيف وتوفير جميع الخدمات، وغير قادرة بمفردها على تجاوز التحديات والعوائق.
السرعة في إنشاء المشاريع
سرعة المبادرة لدى القطاع الثالث في إنشاء المشاريع؛ فالمعروف أن القطاع الثالث أسرع في تحويل الأفكار إلى مشاريع؛ لأن حسابات تعظيم الأرباح ليست هي العامل الأساس الحاسم، كما هو الحال في مشاريع القطاع الخاص، وهذا يقلل اعتبارات المخاطرة؛ لأن هامش الأرباح يسير وغير ضاغط على الإدارة.
معالجة آثار الخصخصة
تساهم مؤسسات القطاع الثالث بفاعلية في معالجة الآثار الاقتصادية والاجتماعية الجانبية لعملية الخصخصة، وفي مقدمتها مشكلات البطالة وفائض الطاقة لدى قطاع الشباب.
الاستقرار المالي
يوفر القطاع الثالث ولاسيما مؤسسة الوقف فيه حداً أدنى من الاستقرار المالي لعدد من مجالات التنمية الاجتماعية المهمة، ويحميها من تقلبات التمويل الحكومي الذي قد يتعرض لأزمات ناتجة عن نقص الإيرادات التقليدية، أو زيادة الإنفاق بسبب الطوارئ والأزمات كما أن التبرعات الخاصة – التي تعد مصدراً لتمويل بعض الأعمال التطوعية – يمكن أن تتعرض هي أيضا لظروف غير مواتية في أوقات الأزمات والكساد الاقتصادي، وهنا يكون الوقف مظلة الحماية وساتر الأمان من هذه التقلبات والعواصف الاقتصادية.
القوة الاستراتيجية للعالم العربي والإسلامي
ونخلص مما سبق إلى أن القطاع الثالث هو القوة الاستراتيجية للعالم العربي والإسلامي عموما والكويت خصوصا على كافة المستويات في مرحلة الحراك والنهضة، وأنه أصبح واجباً وضرورة يجب على العالم العربي والإسلامي العمل بفلسفته وأنشطته ليكون استراتيجية دائمة.
وهذا يتطلب: ضرورة وضع استراتيجيات وخطط ودراسات وحوارات متنوعة، وحشد الطاقات في جميع المجالات الفكرية والثقافية والاجتماعية والإعلامية، قبل السياسية والعسكرية، ومؤسسات القطاع الثالث في العالم الإسلامي المتنوعة والمتعددة بحضورها العالمي والمحلي هي المرشح القوي لذلك وبأقل تكلفة معنوية ومادية.
لاتوجد تعليقات