رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. محمد احمد لوح 11 يوليو، 2017 0 تعليق

شروط التوحيد ثمانية (1) ضرورة العلم بشروط التوحيد

 

إن البشارة بالجنة لأهل لا إله إلا الله قُيدت بثمانية شروط، كما دل على ذلك القرآن والسنة، فلا ينتفع صاحب لا إله إلا الله بهذه الكلمة العظيمة حتى يستوفي هذه الشروط ويحققها، أما إذا أخلّ بواحد منها فلا ينتفع بمجرد النطق بها، وسنتناول في هذه السلسلة من المقالات هذه الشروط بشيء من التفصيل، واليوم مع الشرط الأول وهو العلم بمعناها نفيًا وإثباتا.

- ودليل العلم قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} (محمد:9). وقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ}. أي بلا إله إلا الله، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (الزُّخرف:86) بقلوبهم ما نطقت به ألسنتهم.

- ومن السنـَّـة: الحديث الثابت في الصحيح عن عثمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» (رواه مسلم)

     والعلم بمعناها نفياً وإثباتا؛ حيث يتضمن شطرها الأول نفي العبادة عما سوى الله عز وجل،كما يتضمن شطرها الثاني إثباتها له سبحانه وتعالى، فكما أن الحق جل في علاه لا شريك له في ملكه وخلقه وتدبيره فإنه لا شريك له في عبادته. وهذا ما بعث الله به النبيين والمرسلين واتفقت عليه دعوتهم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء:25).

وقال نوح وهود وصالح: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}.

وقال تعالى مخبراً عن اتفاق دعوة الأنبياء والمرسلين {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل:36). وقال عن الخليل عليه الصلاة والسلام: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ- وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الزُّخرف:26- 28).

وقال -تعالى- فيما أمر به نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم - أن يبلغه هذه الأمة: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} (الإسراء:23) وقال في موضع آخر: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} (النساء:36)

فهذه الآيات وما في معناها من الكتاب الكريم صريحة الدلالة على أن الأنبياء والمرسلين جميعاً دعوا أقوامهم إلى تحقيق معنى لا إله إلا الله، وأنه لا معبود بحق إلا الله.

وإذا-تأملنا أيها الإخوة المؤمنون- قــولــه تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ} ظهر لنا أن هذا العلم الذي أمر الله به فرض عين على كل مسلم، لا يسقط عن أحد، كائنا من كان، والطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا الله، أمور:

- أحـدهـا: بل أعظمها:- تدبير أسمائه وصفاته، وأفعاله الدالة على كماله، وعظمته، وجلاله.

- الـثـانـي: العلم بأنه -تعالى- هو المنفرد بالخلق والتدبير، فيعلم بذلك أنه المنفرد بالألوهية.

- الـثـالث: العلم بأنه المنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية؛ فإن ذلك، يوجب تعلق القلب به، ومحبته، والتأله له وحده لا شريك له.

- الرابع: معرفة أوصاف الأوثان والأنداد، التي عبدت مع الله، واتخذت آلهة، وأنها ناقصة من جميع الوجوه، فقيرة بالذات، لا تملك لنفسها ولا لعابدها، نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً، ولا حياةً، ولا نشوراً، ولا ينصرون من عبدهم، ولا ينفعونهم بمثـقال ذرة من جلب خير، أو دفع شر؛ فإن العلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا الله، وبطلان إلهية ما سواه، قال تعالى {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} (فاطر:14)

- الـسـابــع: أن خواص الخلق الذين هم أكمل الخليقة أخلاقاً وعقولاً، ورأيا، وصواباً، وعلما – وهم الملائكة والرسل والأنبياء والعلماء الربانيون – قــد شهدوا لله بذلك، قال -تعالى-: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (آل عمران:18)

- الـثـامـن: ما أقامه الله من الأدلة الكونية والفطرية، التي تدل على التوحيد أعظم دلالة، تنادي عليه بلسان حالها، بما أودعها من لطف صنعته، وبديع حكمته، وغرائب خلقه؛ فهذه الطرق التي أكثر الله من دعوة الخلق بها إلى أنه لا إله إلا الله، عند تأمل العبد في بعضها، لابد أن يكون عنده يقين، وعلم بذلك.

أيها الإخوة المؤمنون،إذا نظرنا إلى الدليل العظيم، وهو القرآن الكريم، وتأملنا في آياته وجدنا أنه الباب الأعظم إلى العلم بالتوحيد الذي يحصل به من تفاصيله وجمله ما لا يحصـــــــــل في غيره. مــا تفيده الآيــة: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ} أولاً: وجوب العلم بمعنى لا إله إلا الله نفياً وإثباتاً، ووجوب معرفة الطرق الموصلة إلى هـذا العلم.

- ثانيـاً: في أمره -صلى الله عليه وسلم - بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات إدخال للعصاة في دائرة المسلمين.

قال الإمام أحمد: ومن مات من أهل القبلة موحداً يُصلى عليه ويُستغفر له ولا يحجب عنه الاستغفار ولا تترك الصلاة عليه لذنب أذنبه– صغيراً كان أم كبيراً –وأمره إلى الله تعالى. 

ثـالـثـاً: إحاطة علم الله بأعمال العباد ومجازاتهم عليها. أما قــولــه -صلى الله عليه وسلم -: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة»: قال النووي مبوباً عليه في كتاب الإيمان: «باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً».

وفي معناه أحاديثُ أُخَرُ منها:

أولا ً: ما رواه الشيخان عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».

ثـانـيـا ً: ما رواه مسلم عن جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار».

فهذان الحديثان وما في معناهما يفيدان أمرين: -

- الأول: الوعد بدخول الجنة لمن مات على التوحيد.

- والثاني: أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن مسمى الإيمان، ففيه شاهد لمعتقد أهل السنـَّـة والجماعة أن الفاسق مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ويزيد هذا توضيحاً ما رواه البخاري عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم -؛ فلا تخفروا الله في ذمته». وللحديث بقية إن شاء الله.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك