مركز ابن خلدون للدراسات – الأفاق المستقبلية للقطاع الثالث عالميا – الحلقة (4)
نهض القطاع الثالث في تاريخنا الإسلامي، وضمن من خلال تنوعه وحجمه وضوابطه لحضارتنا الإسلامية في الازدهار عمراً لم تماثلها فيه حضارة من الحضارات، وكان سياجاً في حماية الأصول المالية، وضماناً لاستمرار عطائها لأجيال عديدة، وقد ترك القطاع بمؤسساته ومخرجاته بصمات لا تُمحى في صفحات التاريخ الإسلامي؛ لذلك نعرض في حلقات للإصدار الأخير لمركز ابن خلدون للدراسات الإستراتيجية الذي جاء بعنوان: (القطاع الثالث ودوره في تحقيق التنمية المستدامة)، الذي تولى كتابة مباحثه ثلة من المختصين والباحثين في مجال العمل المجتمعي من خيري ووقفي وتنموي، واليوم مع الحلقة الأولى بحث الدكتور محمد السلومي بعنوان: (القطاع الثالث مقوماته ودوره الحضاري).
استكمالاً للحديث عن ملامح مستقبل القطاع الثالث عالميًا والقطاع الثالث الإسلامي خاصة، وعن مستوى القيم والقبول والولاء والتفاعل الشعبي والأثر الإيجابي الكبير للأسباب والمعطيات أو الاعتبارات والمؤشرات التالية:
إخفاق التنمية الحكومية
أكدت بعض أبحاث الملتقى الدولي حول التنمية البشرية وفرص الاندماج في اقتصاد المعرفة والكفاءات البشرية في جامعة (ورقلة) في الجزائر في 9 مارس 2004م على إخفاق المشروعات التنموية الحكومية التي تنتهجها أغلب الدول النامية، وأدى ذلك إلى البحث عن توجهات وأدوات تنموية بديلة تكون أكثر التزاماً ومرونة وكفاءة وإخلاصاًَ في الأداء التنموي، فكان البديل المتاح هو المنظمات غير الحكومية التي أبدت قدرة على أن تمارس دور المحفز التنموي وتحقيق المشاركة الفاعلة من قبل الفئات الشعبية الأكثر حرماناً، فضلاً عن قدرتها على سرعة الحركة والمبادرة والتعامل مع الآثار السلبية لبرامج الإصلاح الاقتصادي.
كما إن التناقض في بعض جوانب الإنفاق العالمي أضافت تشويهاً وإخفاقاً إلى التنمية الحكومية، وألحقت الضرر بها، ومن ذلك أن الأمريكيين يصرفون 10 مليارات دولار سنوياً على الأفلام والمطبوعات الإباحية، وهناك أكثر من 300 ألف موقع انترنت مخصص لصور العراة، كما يقدم الاتحاد الأوروبي مبلغ 2.5 دولار يومياً لكل بقرة يملكها المزارعون، وهذا المبلغ يفوق ما يعيش عليه أكثر من 75% من الأفارقة يومياً على معيشتهم.
وقدرت الأمم المتحدة حجم التجارة العالمية في المخدرات بنحو 400 مليار دولار في السنة، وهذا يعني أن سوق المخدرات غير الشرعية توازي في قيمتها التجارة العالمية للمستحضرات الدوائية، وتشكل نحو 8 % من التجارة الدولية.
وحسب تقرير التنمية البشرية لعام 2005م الصادر عن الأمم المتحدة فإن: البلدان الغنية تخصص مقابل كل دولار تنفقه على المعونات عشرة دولارات أخرى للموازنات العسكرية، أي أن الزيادة وحدها في الإنفاق العسكري منذ عام 2000م لو خصصت بدلاً من ذلك للمعونة فإنها تكفي للوصول إلى هدف الأمم المتحدة القديم بإنفاق 0.7% من إجمالي الدخل القومي على المعونات.
أما الإنفاق الحالي على مكافحة مرض الإيدز الذي يقتل ثلاثة ملايين إنسان في العام فإنه يوازي الإنفاق العسكري خلال ثلاثة أيام، والمليارات السبعة المطلوبة سنوياً طوال العقد المقبل لتزويد مليارين و 600 مليون إنسان بغرض الحصول على مياة نظيفة هي أقل مما ينفقه الأوربيون على العطور، وأقل مما ينفقه الأمريكيون على الجراحة التجميلية الاختيارية.
هذه التشوهات ناتجة عن فشل مؤسسات القطاع الحكومي في تسخير الاقتصاد للتنمية الحقيقية، وهذا الفشل يتضاعف مع زيادة جشع الشركات الاقتصادية التي تتسابق في استثمار القطاعات الخدمية، وهذا يؤدي بدوره إلى ضعف الاحترام والولاء للحكومات، ولا سيما مع الضعف القادم لسيادة السلطات الوطنية في ظل نظم منظمة التجارة العالمية (العولمة) التي تقوم على مبادئ خصخصة الخدمات الأساسية والضرورية للإنسان لصالح شركات رأس المال، ليصبح ربع ممتلكات العالم وثرواته في يد 13 % من سكان العالم –سواء- كانوا أفراداً أم شركات تحكم العالم أو تتحكم به.
وقد تدهور الإخفاق الحكومي في معالجات الفقر والمرض، يقول (جيمي كارتر) الرئيس الأسبق الأمريكي: إن أكبر تحد نواجهه هو الصدع المتزايد بين الأغنياء والفقراء في سكان الأرض، فليس هناك عدم مساواة كبيرة بين الطرفين فقط، بل إن الفجوة بينهما تتوسع توسعاً مطرداً، ففي بداية القرن السابق كانت الدول العشر التي تعد أغنى الأمم أثرى بتسع مرات من الدول العشر التي تعد أفقر الأمم) ويقول: يجب علينا أن نتذكر أن أكثر من نصف سكان العالم يعيشون على أقل من دولارين في اليوم وأن 1.2 بليون نسمة من الناس يجب عليهم أن يبقوا على قيد الحياة على نصف هذا المبلغ.
وهكذا قدمت بعض الحكومات المصالح السياسية على الحقوق والتنمية الإنسانية، واستخدمت الإعلام والمعلومات استخداماً سلبياً في حق البشرية، وذلك بقلب الحقائق في معظم الأشياء، كما تفعل دول الثماني؛ حيث لم تفِ بوعودها المتتابعة لمعالجة الفقر والمرض في العالم؛ وقد أصبحت الأمم والشعوب – حتى في دول الشمال- غير واثقة ثقة كاملة بحكوماتها، وأصبحت القوى السياسية –في نظر الشعوب العالمية، ولاسيما شعوب ما يسمى بالعالم الثالث- قوى غير أمينة في تحقيق متطلبات التنمية الإنسانية وتلبية حقوقها ومعالجة متطلباتها؛ لأن معظم مؤسسات القطاع الحكومي السياسية أصبحت تسن قوانين تقييد الحريات والحقوق الأساسية التي أصبح بعضها يفقد تدريجياً في دول الشمال بعد دول الجنوب- مع اختلاف في الحجم المفقود- ولا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م. لقد تخلت الحكومات عن واجباتها ودورها في تأمين الخدمات الأساسية للإنسان، حتى أصبحت المياه والصحة والكهرباء أداة من الأدوات الاستثمارية على حساب الإنسان واحتياجاته الضرورية، الأمر الذي جعل مؤسسات القطاع الثالث محلياً وعالمياً تنمو لتسد فراغ تنمية الحكومات ودورها.
الثالث: الاقتصاد الرأسمالي: تغوُّل وانهيار:
نقائص الرأسمالية العالمية كبيرة، كما يعرضها (جورج سوروس) في كتابه عن العولمة، وهو لا يؤيدها؛ لأنها توفر ثروات إضافية، لكنه مؤيد متحمس لها من أجل ما توفره من حرية، ويرى أن هناك خللاً يتطلب الإصلاح في منظمة التجارة العالمية (WTO)، وأن المساعدات الدولية عنصر مفقود، كما يرى ضرورة الإصلاح البنيوي لمصارف التنمية متعددة الأغراض، وعدم الاستمرار بالنظام المالي الحالي لصندوق النقد الدولي، ويرى أن من الإصلاحات اللازمة لتلك النقائص العمل بسياسة (المجتمع العالمي المفتوح) وذلك بإيجاد مؤسسات دولية قوية مشابهة لمنظمة التجارة العالمية، تكون مكرسة لأهداف اجتماعية أخرى، مثل تقليص الفقر وتوفير المصالح العامة على نطاق عالمي، وتحسين مستوى الحياة العامة في البلدان التي تعاني الفساد، وإعادة التأكيد على الأخلاق وسط الانهماك الاقتصادي غير الأخلاقي.
فالنظام الرأسمالي للاقتصاد قائم على الارتفاع والهبوط وقائم على نظام (الاحتكار) لدى الشركات العملاقة والاندماجات والنظام الربوي، ومن نتائج ذلك أنه يوجد مجتمعات التفاوت الاقتصادي، ويضعف فيه الإنصاف الاجتماعي؛ حيث أشارت التقارير أن الدول المتقدمة أصبحت فيها معدلات للفقر؛ فاليابان تحتل المرتبة الثانية بعد معدلات الفقر في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد أكد سوروس ذلك بقوله: ازداد حجم الاقتصاد العالمي بمعدل غير مسبوق، لكن الأثرياء هم المستفيدون الأساسيون منه، فضلاً عن ذلك فهم يستغلون نفوذهم للاستمرار في الحصول على حصصهم من هذا الاقتصاد قبل أن يتمكن الفقراء من الاستفادة منه. إن الهوة بين الأغنياء والفقراء كبيرة جداً في المناطق التي تبنت الرأسمالية المسرعة من دون تردد ولا سيما في الولايات المتحدة والصين، والمشكلة أن العالم ينضم إلى هذه الرأسمالية بسلبياتها؛ فسياسات الخصخصة وضعت الموارد والمصالح العامة تحت سيطرة القطاع الخاص فضلا عن افتقار العمال إلى الحماية وأنظمة التأمينات والرهون العقارية والفوائد التراكمية، كلها عوامل أسهمت في قلب الموازين لمصلحة الأثرياء في الأسواق النامية مثل الصين وروسيا.
هذه التشوهات في الاقتصاد الرأسمالي دفعت الصحفي الإسرائيلي (أوف بن) إلى الحديث عن احتضار الرأسمالية في مقال له لصحيفة (هآرتس) أشار فيه إلى أن: «كبار المحللين والمؤرخين والاقتصاديين في أمريكا يتحدثون عن دولة عظمى (أمريكا) تحت وطأة الديون الطائلة التي تمول نهجاً استهلاكياً مفرطاً، وتدخل دولي هدام، وفجوات اجتماعية عميقة، وخدمات شعبية متعفنة، ذلك أن معدلات الفقر بلغت: 12.7% من عدد السكان الإجمالي في أمريكا لعام 2005م، ومن أصل سبعة وثلاثين مليون أمريكي ممن يرزحون تحت خط الفقر، فإن قرابة الثلث هم من الأطفال، وقد وصل الرقم 40 مليون في عام 2009م».
ويعرض (سورس) بعض هذه النقائص بلغة الأرقام فيشير إلى أن 1% من السكان الأغنى في العالم يكسبون ما يكسبه 57% من السكان الأفقر، ويعيش اليوم مليار من البشر بمعدل يقل عن دولار واحد في اليوم، ويفتقر قرابة مليار آخر إلى المياه النظيفة، ويعاني 826 مليوناً سوء التغذية، ويموت 10 ملايين إنسان في كل سنة جراء نقص الرعاية الصحية الضرورية، هذه الأوضاع لم تنجم بالضرورة عن العولمة، ولكن العولمة لم تفعل إلا القليل لإصلاحها، فمظالم العولمة قد ساعدت على انتشار النقمة والاحتجاج.
كما ورد في تقرير التنمية البشرية لعام 2005م الصادر عن الأمم المتحدة صورة واضحة عن واقع التوزيع في الدخل العالمي والحجم الفعلي لعدم المساواة، فمجموع دخل أغنى 500 إنسان في العالم يفوق دخل أفقر 416 مليوناً من أبنائه، ويعيش 2500 مليون إنسان –يشكلون 40% من سكان العالم- بأقل من دولارين في اليوم، ولا يحققون سوى 5 % من الدخل العالمي الشامل، في حين أن أغنى 10% من سكان العالم يعيشون بأجمعهم تقريباً في بلدان الدخل المرتفع ويحققون 54% من دخل العالم، ويرى التقرير أن «إنقاذ مليار إنسان يعيشون بأقل من دولار في اليوم من الفقر المدقع يكلف 300 مليار دولار، وهو مبلغ يمثل واحداً وستة أعشار الواحد في المئة من دخل أغنى عشرة في المئة من سكان العالم».
المعطيات السابقة تؤكد رؤيتنا، وهي أن العمل بإدارة القطاع الثالث الممنوح كامل حقوقه المعنوية والمادية معالج قوي لنقائص الرأسمالية ومعالج –أيضاً- لعولمة الاقتصاد الحر القائمة على اختفاء فضائل الأعمال: Business disappearance وانحسار المعايير الخضراء للشركات على حد تعبير ليزا هـ نيوتن. ومما تجدر الإشارة إليه أن الولايات المتحدة الأمريكية خصوصا استفادت-ومازالت تستفيد إلى حد كبير- من قوة قطاعها الثالث – بوصفه مضاداً حيوياً- في تخفيف صدمات عيوب الرأسمالية الاقتصادية وآثارها، لكن العالم العربي والإسلامي المستورد لهذه الرأسمالية الاقتصادية ونظمها ليس لديه قطاع ثالث بمعنى قطاع شريك لجميع عمليات التنمية البشرية والمالية بطريقة موازية ومنافس للقطاع العام والخاص، بل ومعالج لنقائص القطاعين.
لاتوجد تعليقات