الوقف ودعم العلم والعلماء
تشريع الوقف جعل من الأعمال التي يدوم معها الأجر إلى ما بعد الممات لتعليم العلم ونشره، وكان لهذا الفضل الدافع لطلبة العلم وعلماء الأمة في رفع الهمم والاجتهاد لتعليم السيرة النبوية وخط الكتب والمصنفات بهذا الباب العظيم .
فقد حرر الوقف العلماء من حبس المكان، ومكنهم من الانتقال في أرجاء العالم الإسلامي ليمارسوا وظائفهم في التعليم والتأليف، حتى إن كثيرًا منهم ولدوا في بلد، وتعلموا في آخر، وعملوا في ثالث وألفوا في رابع، وقد يتوفاهم الله -عز وجل- في بلد آخر .
الداعم الأساس لجيوش الدعوة
والوقف كان وما زال - بمؤسساته وريعه وصرفه على الدعاة وطلبة العلم - كان الداعم الأساس لجيوش الدعوة التي كانت تلي جيوش الفتح ، لنشر الإسلام وتعاليمه، ونشر الدين بين المسلمين الجدد، ونسخ كتاب الله -تعالى- بين المسلمين وتوفيره، وكذلك الكتب الإسلامية في شتى العلوم .
ولا يخفى ما للكتاب من دور متميِّز في تعزيز التقدم المعرفي، والعمل على تحقيق التنمية الثقافية والعلمية، والارتقاء بالفكر البشري، وقد أدرك الواقفون أهمية ذلك، فاتَّجهوا إلى وقف الكتب، ووقف المكتبات التي ملؤوها بالكتب النافعة في أصناف العلوم الإنسانية والتطبيقية، وقلَّ أن يجد المرء مدينة إسلامية ليس فيها مكتبة وقْفِيَّة خاصة أو عامة، أما العواصم الإسلامية فقد كثُرت فيها دُور الكتب بطريقة لا مثيل لها في تاريخ العصور الوسطى، وتسابق الخلفاء والحكام والعلماء والأغنياء والأفراد العاديون من أهل الخير في وقف المكتبات والكتب.
فقد انتشر الوقف على الكتب والمكتبات في أرجاء العالم الإسلامي منذ العصور الإسلامية الأولى، وكانت تقصد من طلبة العلم من بلدان قريبة وبعيدة، كالمكتبة الظاهرية في دمشق التي تعد من أقدم المكتبات الوقفية .
المكتبات الوقفية
ولا ريب أن المكتبات الوقفية حفظت الكتب والمخطوطات في السيرة والفقه والعقيدة وغيرها من العلوم، ويسرتها للمطلعين من غني وفقير ورجال ونساء وأحرار وعبيد ومماليك، حتى حراس المكتبات وعمال نقل الكتب سهلت لبعضهم القرب من الكتب والاطلاع والارتقاء حتى ذاع صيتهم بين الأمصار.
وكان للوقف في العهود الإسلامية الأولى دور في انتشار العلم والعلماء وحركة التأليف والاجتهاد والإبداع، فهي المورد الأساس الذي وفر كل متطلبات العلماء وطلبة العلم والمبدعين من كتب نادرة منسوخة أو أصلية، وقد أحصى ابن الجوزي عدد الكتب الموقوفة في مكتبة واحدة هي المدرسة النظامية في وقته، فبلغ ستة آلاف كتاب؛ فالمكتبات الوقفية حفظت الكتب والمخطوطات ويسرتها للمطلعين من غني وفقير ورجال ونساء وأحرار وعبيد ومماليك، حتى حراس المكتبات وعمال نقل الكتب سهلت لبعضهم القرب من الكتب الاطلاع والارتقاء .
وخلال الحروب مع التتار وسقوط بغداد سنة 656هـ وتدميرها ونهب كنوزها، بقيت مصر والشام جبهة صامدة ضد بربرية التتار ووحشيتهم، هذا ما دفع الكثير من العلماء الانتقال إلى مصر والشام؛ مما أثرى النشاط العلمي وحركة التعليم والتأليف، وأنشئت مدارس ومكتبات وقفية متنوعة، استوعبت تلك الأوقاف من المدارس والكتاتيب والمكتبات العلماء على اختلاف اهتماماتهم ومذاهبهم، ورعتهم خير رعاية كأمثال العلامة الحافظ ابن رجب الحنبلي (736-795هـ)؛ فقد كان في عهده في دمشق آنذاك ثلاثمائة وخمسون مدرسة فقهية، ومن أهمها المدرسة السُكّرية التي كان يسكنها رحمه الله.
ورغبة في العلم وانتشاره أغدق المسلمون في الإنفاق على العلم والعلماء، يقول فيليب حتي: «إن المؤرخ الجغرافي ياقوت الحموى بقي مدة ثلاث سنوات يعيش على أموال الوقف المرصدة على المكتبات في مدينتي – مرو وخوارزم – لوحدهما منقباً وباحثاً لإكمال معجمه المعنون – معجم البلدان – ولم يترك هذه المكتبات إلا عندما اضطر للهروب من جحافل (جنكيزخان) الذي أشعل النار في هذه المكتبات».
ابن خلدون
وتحدث ابن خلدون في مقدمته عن الفتيان الذين ولدوا وترعرعوا في القرى والأرياف البعيدة عن المدن والعمران، ولكن لم تتوافر لهم الفرصة للتعليم والارتقاء في مجتمعاتهم المتواضعة فكان لزاماً عليهم الهجرة والسفر من أجل الحصول على تعليم يحقق لهم طموحهم العلمي والفني، يقول ابن خلدون: «إن ما ساعد مثل هؤلاء الشباب هو ترف ما أُغدق على معاهد التعليم والتدريب في المدن من موقوفات جعلت الهجرة إلى مراكز الحضارة من أجل طلب العلم أمراً مشروعاً»،ثم يعطى أمثلة على ذلك في بغداد وقرطبة والكوفة والبصرة والقيروان، كل ذلك بما وفرته الأموال الموقوفة .
ابن جبير
واندهش ابن جُبير - الرحالة الأندلسي- مما رأى في المشرق من كثرة المدارس والغلات الوافرة التي تغل أوقافها، فدعا المغاربة أن يرحلوا للمشرق لتلقي العلم؛ ومما قاله في هذا: «وتكثر الأوقاف على طلاب العلم في البلاد المشرقية كلها ، ولاسيما دمشق، فمن شاء الفَلاَح من أبناء مغربنا؛ فليرحل إلى هذه البلاد؛ فيجد الأمور المعينة على طلب العلم كثيرة، وأولها فراغ البال من أمر المعيشة».
ولم تكن لتزدهر تلك المدارس، التي كانت تبنى من مال الوقف ويرفق معها مرافق أساسية من سكن الطلبة وأساتذتهم، وتخصص منح للطلبة المنتسبين للمدرسة وهي كالأحياء الجامعية بكل متطلباتها.
ولا شك أن السيرة النبوية خدمت الوقف؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم حث صحابته على الوقف ، وقد بادر بالوقف بنفسه، وجعل مصارفه فيما يُصلح الدنيا، وحينما كان يحث صحابته على فعل الخير فإنه كان يسبقهم بالفعل والعمل، فهو القدوة لصحابته وأمته، واستمرت الأوقاف من بعده، ثم كان من تلك الأوقاف ما خصص لنشر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأضحت علاقة الوقف بالسيرة علاقة تبادلية.
لاتوجد تعليقات