حكم زواج المسلمة من غير المسلم
ازدادت نسبة الحالات في دول مختلفة من زواج المسلمة من غير المسلم مهما كانت ديانته، وتعد هذه الظاهرة من الفواحش العظيمة التي نهى الله عنها، والزواج يعد باطلا؛ من خلال الأدلة في الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أما دليل حرمته من الكتاب: فقال الله تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (البقرة:221)، قال شيخ المفسرين الإمام أبو جعفر الطبري : «إن الله قد حرَّم على المؤمنات أن ينكحن مشركاً كائناً من كان المشرك، ومن أيّ أصناف الشرك كان، فلا تنكحوهنَّ أيها المؤمنون منهم؛ فإنّ ذلك حرام عليكم، ولأن تزوجوهن من عبدٍ مؤمن مصدق بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، ولو شرُف نسبه، وكرم أصله، وإن أعجبكم حسبه ونسبه»، وقال الإمام القرطبي: «أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك، وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام».
وقال تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَاهُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} (الممتحنة:10) فالتكرير في قوله تعالى: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَاهُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} بالتأكيد والمبالغة بالحرمة وقطع العلاقة بين المؤمنة والمشرك. وقال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (النساء:141). والزوج له ولاية وقوامة على زوجته، وهما ممتنعان من الكافر على المسلمة، قال ابن قدامة: أما الكافر فلا ولاية له على مسلمةٍ بحال, بإجماع أهل العلم.
أما الدليل من السنة: فقد استفاضت النصوص أن النبي صلى الله عليه وسلم فرَّق بين جميع المسلمات وأزواجهن الذين لم يسلموا، ومنهم ابنته زينب زوج أبي العاص بن الربيع، فلما وقع في الأسرى يوم بدر أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يبعث ابنته إليه، فوفى له بذلك ثم أسلم بعدها فردَّها عليه.
وروى البخاري وغيره عن ابن عباس قال: «... إذا هاجرت المرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حل لها النكاح وإذا جاء زوجها قبل أن تنكح ردت إليه». وأخرج مالك في الموطأ وابن سعد في الطبقات عن ابن شهاب قال لم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله وإلى رسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجراً قبل أن تنقضي عدتها.
أما الإجماع: فقد انعقد إجماع العلماء على أن زواج الكافر بالمسلمة باطل لا ينعقد أصلاً؛ لمخالفته صريح القرآن الكريم، وقد نقل الإجماع ابن المنذر، وأبو عمر بن عبد البر، وابن قدامة، والشوكاني، وغيرهم. أما المعقول:
- فالمسلمة بحكم كونها زوجة يجب عليها الطاعة للكافر والخضوع له، بل هي عانية (أسيرة) عنده كما في الحديث الصحيح، وهو سيد عليها كما نطق به القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ}. ولا يجوز بحال أن يُمكَّن الكافر من السيادة على المسلمين.
- والكافر لا يحترم دينها، بل سيهينها ويهين دينها.
- ثم إنه لا يُؤمَن على المرأة - وهي تميل إلى العاطفة أكثر من الرجل - أن تتأثر بزوجها إذا دعاها لدينه، والنساء شقائق الرجال.
- وكما قيل: «المرأة على دين زوجها». ومخالطة ذلك الكافر تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة وهي جهنم وبئس المهاد.
- وكذلك؛ لا يؤمن على الأولاد أن يتابعوا أباهم على كفره.
قال ابن قدامة في (المغني) -في شرح قول الخرقي: (ولا يُزَوَّج كافر مسلمة بحال) -: «أما الكافر فلا ولاية له على مسلمة بحال، بإجماع أهل العلم، منهم: مالك، والشافعي، وأبوعبيد، وأصحاب الرأي. وقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم».
وإذا حدثت مثل هذه الزيجات فيجب تصحيح المسار بإسلام الزوج أو الانفصال عنه فوراً، ويجب عليها المبادرة بمفارقة هذا الرجل فوراً؛ لأن نكاحها له باطل، بل هو محض الزنا، ويجب عليها بعد فراقه أن تتوب إلى الله -تعالى- بالندم على ما صنعت، والعزم على عدم العودة إليه أبداً، وإن كانت فعلته من غير استحلال ولا جحود فتكون عاصية ومرتكبة لكبيرة من الكبائر، وإن كانت جاهلة بالحكم؛ لنشأتها في غير بلاد المسلمين فلا إثم عليها حينئذ، ويكون نكاحها نكاح شبهة، فإن أسلم زوجها، فهو أحق بها ما دامت في العدة، على الراجح من قولي العلماء.
والمرأة يجب عليها أن تكرر نصحها للزوج وتذكره بترك هذا المنكر العظيم، فإن هذا ليس زواجاً شرعياً، وإنما يعد علاقة محرَّمة آثمة، والواجب عليها مفارقة صاحبها، ثم محاولة دعوته إلى الإسلام، وليكن كلامك معها منحصراً في هذه القضية، عسى أن يعود إليها رشدها. ولا شك أن ما حدث هو من جراء بعض الفتاوى الضالة لبعض من ينسبون إلى العلم، وكذلك هو ثمرة من ثمار المعيشة في بلاد غير إسلامية يفقد المرء فيها دينه إلا من رحم الله.
فالواجب عدم إهمال هذه القضية لاسيما والنصوص واضحة؛ فيجب العمل بها للحفاظ على الأسرة المسلمة من الضياع وعدم الاستمرار في الحرام.
لاتوجد تعليقات