الإرشـــاد النفســي للشــباب- خطواته وكيفيته في التصور الإسلامي (3)
التوجيه أو الإرشاد النفسي عملية تتضمن مجموعة من الخدمات التي تقدّم للأفراد لمساعدتهم على فهم أنفسهم، وإدراك مشكلاتهم، والانتفاع بقدراتهم في التغلب على هذه المشكلات، وفي تحقيق أقصى ما يستطيعون الوصول إليه من نمو وتكامل في شخصياتهم، ونحاول في هذا البحث الإجابة عن سؤال: كيف تتم عملية إرشاد الفرد في ظل المنهج الإسلامي؟ واليوم نكمل الحديث عن تهيئة الشاب للإرشاد وقابليته لذلك فنقول:
القابلية تعني استعداد المرء للاستشارة والاسترشاد، وذلك بزوال العوائق التي يمكن أن تقف حائلاً بين الإِنسان وبين الإِستفادة، والاقتناع بالنصيحة وبوجوب الأسباب والدواعي التي تدفعه وتحثه على سماعها وتطبيقها، وهذه الهيئات للإِرشاد والمتمثلة في وجود الدواعي وارتفاع العوائق تدور في ثلاثة محاور:
1- في صفات المرشد.
2- في مصادر التلقي عند المسترشد.
3- في الاستعداد النفسي للاسترشاد.
صفات المرشد
فأما صفات المرشد فلابد أن يتوفر فيه ما يأتي:
الصدق والإِخلاص
حيث تمثل صفة الإِخلاص حجر الأساس الذي يتكئ عليه الممارس للأعمال الإِرشادية والدعوية، وفقد هذه الصفة يمثل أول عائق في طريق الإرشاد: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا}.
القدوة
فالشباب الذي يرى المرشد يؤجل ويهمل لا يمكن أن يتعلم منه النظام والجدية، والمراهق الذي يرى المرشد يدخن ويكذب ويسرق من عمله ولا يصلي لا يمكن أن يتعلم ترك التدخين والصدق والأمانة والمحافظة على الصلاة، والشاب الذي يرى المرشد مضطرب النفس سيء الخلق، لا يمكن أن يسترشد به في صحة النفس وحسن الخلق. ذلك أن فاقد الشيء لا يعطيه، وسلوك المرشد في هذه الحال يمثل عائقاً دون الاسترشاد بتوجيهاته مهما كانت المحاولة وإمكانات التخصص، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونْ، كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}، {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ”}.
وقد أدرك عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - فاعلية هذه الخصلة حين كان يجمع أهل بيته فيقول لهم: «إني قد نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم، كما ينظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني والله لا أوتى برجل وقع فيما نهيت الناس عنه إلا أضعفت له العذاب، لمكانه مني، فمن شاء منكم فليتقدم ومن شاء فليتأخر»، وهكذا فإن قوة الفعل تواكب قوة القول من حيث التأثير، لا سيما في مواطن الإِرشاد والعلاج والتربية، وقد كان عمر – بهذا السبب – يأمر الناس وينهاهم فلا يتأخر أحد عن السمع والطاعة والاِستجابة.
ومن المعلوم لدى المربين والمرشدين أن التعلم بالملاحظة (أي الاقتداء) أحد النماذج المهمة والمؤثرة التي تفرض نفسها في الواقع، وقد أثبت جدواها في التغيير، وقد بينت دراسات عديدة أن التلاميذ يتأثرون بسلوك معلميهم وتصرفاتهم، أكثر من تأثرهم بأقوالهم ونصائحهم؛ فالمعلم المستجيب والمتعاون والإيثاري والودود.. إلخ يزود طلابه بأنماط سلوكية مهمة تسعى التربية إلى غرسها جاهدة في الأجيال.
إن التربية والإِرشاد بالقدوة الصالحة هي العماد في تقويم الاعوجاج، وهي الباب إلى ترقية الشباب نحو الفضائل والمكرمات النبيلة والأساليب الصحيحة الحميدة.
العلم
فالمرشد ينبغي أن يكون عالماً بأصول الإِرشاد والتوجيه، سواء أكان من المصادر الشرعية، أم من المراجع المتخصصة الحديثة، وكون المرشد يُعرف بقلة العلم، وضحالة الاطلاع، وانعدام متابعة المعلومات يؤدي بالشباب إلى الإِعراض عنه، والزهادة فيما عنده، فلا يقصدونه لتوجيههم وحل مشكلاتهم.
والعلم يمهد لقبول المرشد والأخذ برأيه والعناية بنصحه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}.
توفر القدرات والوسائل
وهذا جانب مكمل للعلم؛ فإن العلم وحده لا يكفي لإِحداث التغيير بل لابد من القدرات ووسائل التغيير، سواء أكانت قدرات شخصية ونفسية أم قدرات مادية وإدارية؛ ولذلك فإن عملية الإِرشاد قد تعاق أو تتعثر لا لفقد العلم أو الإِخلاص أو القدوة في المرشد، وإنما لفقد القدرة والإِمكانية.
مصادر التلقي عند المسترشد
وأما مصادر التلقي عند المسترشد وهو المحور الثاني للتهيئة فمن المعلوم أن هناك عوائق كثيرة تحول دون وصول الإِرشاد إلى مستحقه، تتمثل في جهات التحكم، ومصادر التوجيه للشاب؛ فهو ينتمي إلى أسرة وإلى صحبة، وهو يتلقى من وسائل الإِعلام، ومؤسسات المجتمع المختلفة؛ فكل هذه مصادر للتلقي، إما أن تهيئ للإِرشاد، وإما أن تعوقه، ونوضح هذا الجانب بمثالين:
1 – المثال الأول:
من الأسرة بوصفه مؤثراً مهماً في سلوك الشاب وفكره؛ حيث إن الأسرة تعد المحضن الأول الذي يتفاعل معه الفرد منذ البداية الأولى لحياته، وهي إما أن تكون مساعدة للفرد على إشباع حاجاته الجسمية والنفسية الأساسية، وعلى تحقيق نموه المتكامل إذا كانت العلاقة به تقوم على أسس سليمة، أو تكون معرقلة لإِشباع حاجات الفرد، ومثبطة لهمته ومطامحه وغير مبالية بدوره ومستقبله، ومن ثم تحول بين الإِرشاد وبين الشباب بصورة مباشرة أو غير مباشرة، المباشرة تكون بعدم الاهتمام بإرشاد الشباب وتوجيهه وإشغاله عن ذلك أو الحيلولة بينه وبين جهات الإِرشاد والتوجيه، بدلاً من توثيقها وحث الشباب على السماع منها واستثمارها. وغير المباشرة تكون بالرصيد التراكمي من سوء المعاملة للشباب أثناء طفولته ومراهقته وتقييد حريته ومعاملته بوصفه طفلا صغيرا، والتسلط عليه بطريقة لا تسمح بتنمية روح المبادأة والمشورة ومناقشة الآراء.
وهذا ينعكس على استعدادات الشاب للاسترشاد والاستعانة بآراء الآخرين ومناقشتهم للوصول إلى أفضل الأساليب لسلامة النمو، وحل المشكلات التعليمية والنفسية.
إن إيجاد الذهنية القابلة للنصيحة المبنية على الاقتناع الفكري بضرورة المداولة والمحاورة في مشكلات الشاب وقضاياه أمر لابد منه، إذا كانت الأسرة قد أفسدت الذهنية وأفقدتها القابلية.
2 – والمثال الثاني: هو الإعلام بوصفه مصدراً مهمّاً من مصادر التلقي، التي يتم عبرها تلقي عشرات الأنواع من ثقافة الوسيلة وثقافة الغاية ومن منابع مختلفة، ومصدر التلقي هذا مصدر جماهيري، يمارس دور التوجيه والإِرشاد بطريقته الخاصة، والباحث في تأثير وسائل الإعلام الجماهيرية على الشباب توجيهاً وإرشاداً، عليه أن يمعن النظر في التأثير بعيد المدى الذي يمكن لهذه الوسائل أن تحدثه في عقليات الشباب ونفسياتهم، وسلوكهم الاجتماعي، وأن يأخذ في حسبانه البعد التراكمي للوسائل الإعلامية التي يتلقاها الشباب في مختلف مراحل حياتهم ولاسيما في مرحلة الصبوة والمراهقة والفتوة.
«إن رسالة واحدة تستهدف تغيير موقف ما أو تحوير سلوك اجتماعي معين، قد لا يكون لها أثر مباشر وسريع على نفسيات الشباب... ولكن تراكم عدد كبير من الرسائل الإعلامية بأساليب مشوقة وجذابة وعبر مدى زمني ممتد، وهي تركز على موقف معين أو تبشر بسلوك محدد، قد يكسب ذلك الموقف أو السلوك شرعية اجتماعية، ويكسر الحواجز النفسية بين الجمهور وبين ذلك الموقف أو السلوك المعتاد عليه، ويتقبله واقعاً معترفاً به».
وهذا يبدي صعوبة إيصال الإِرشاد إلى الشاب الذي يتلقى من هذه الرسائل بمحتوياتها المعاصرة التي يظهر عليها الإانحراف؛ مما ينعكس على واقع الشباب الخلقي التأثر بالإِرشاد، وقد بين الله في القرآن أثر التراكم على القلب وتكوينه للحجب والموانع التي تحول بينه وبين التأثر بالموعظة والإِحساس بالمصيبة، والشعور بالوازع أو الدافع إلى الخير وطلبه قال -تعالى-: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ، كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}.
أي غطى على قلوبهم ما كانوا يكسبون من الإثم والمعصية، والقلب الذي يعتاد على المعصية ينطمس ويظلم، ويرين عليه غطاء كثيف يحجب النور عنه، ويحجبه عن النور، ويفقده الحساسية شيئاً فشيئاً حتى يتبلد ويموت. ومما يؤسف عليه ويزيد الأمر سوءاً أن معظم الناس يعلمون هذه الخطورة لوسائل الإعلام ولكنهم رغم ذلك لا يهتمون بتصحيح أوضاعهم، وتحصين نفوسهم، والعمل على حجب أو تخفيف هذه الآثار المتراكمة أو تخفيفها؛ ففي دراسة قام بها الدكتور عبدالرحمن عيسوي على الآثار النفسية والاجتماعية للتلفزيون وجد أن التلفزيون يضر أكثر مما ينفع عند الغالبية من أفراد المجتمع؛ حيث إن 72% من العينة الإحصائية قالت: إن ضرره أكثر من نفعه.
لاتوجد تعليقات