أسباب الانحراف الفكري ( 1)
من أخطر الأمراض التي تفشت في مجتمعاتنا قديماً وحديثاً، بل وربما يكون أهمها على الإطلاق مرض الانحراف الفكري، الذي نشأ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وتصدى له بكل قوة، كما في حديث ذي الخويصرة الذي طعن في عدالة النبي صلى الله عليه وسلم ، وغيرها من المواقف، ولكن نور النبوة قضى على تلك الانحرافات.
وهذا الانحراف له أسباب كثيرة، سنعرج عليها بالتفصيل لنساهم في إخراج الأمة من دياجير ظلمات المناهج المنحرفة التي تتخبط فيها منذ قرون عديدة إلى نور الكتاب والسنة والمنهج الصحيح المنبثق منهما ومن أفعال السلف الكرام وعلى رأسهم الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين.
ترك العمل بالقرآن الكريم
القرآن الكريم دستور المسلمين وبه تستقيم حياة الفرد والمجتمع، ارتضاه المولى -تعالى- لهم بل للعالم أجمع منهجاً للحياة، والغاية من نزوله هو العمل به؛ لذلك من ابتغى غير القرآن ضل عن سواء السبيل؛ ولهذا لما كانت تُسأل عائشة -رضي الله عنها- عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول : كان خلقه القرآن، أي كان يعمل بالقرآن واقعاً عملياً في كل شؤون حياته؛ ولذلك نجد أن المولى -تعالى- ذم اليهود لحملهم التوارة دون العمل بها فقال: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}.
قال ابن القيم : قاس -سبحانه- مَنْ حَمَّله كتابَه ليؤمن به ويتدبره، ويعمل به ويدعو إليه، ثم خالف ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب فقراءته بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع ولا تحكيم له، وعمل بموجبه كحمار على ظهره زاملة أسفار لايدري ما فيها، وقال: وهذا المثل وإن كان ضُرب لليهود فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به ولم يؤد حقه ولم يرعه حق رعايته (انتهى)
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشخص بصره إلى السماء ثم قال: «هذا آوان يختلس العلم من الناس حتي لا يقدروا منه على شيء»، فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ والله لنقرأنه ولنُقرئنه نساءنا وأبناءنا. قال: ثكلتك أمك يازياد إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصاري فماذا تُغني عنهم؟ (صححه الألباني).
وجوب العمل بالقرآن
يقول ابن حزم ولما تبين بالبراهين والمعجزات أن القرآن هو عهد الله إلينا الذي ألزمنا الإقرار به، والعمل بما فيه، وجب الانقياد لما فيه؛ فكان هو الأصل المرجوع إليه. يقول: فالكل مأمور باتباع قرآنه؛ فمن أجاز خلاف ذلك فقد أجاز خلاف الله -تعالى- (انتهى). وقد قال الله -تعالى-: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّك لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}، قال ابن عاشور: والاتباع فى الأصل اقتضاء أثر الماشي (انتهى). قال -تعالى-: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ}، يقول القرطبي: ودلت الآية الكريمة على ترك اتباع الأراء مع وجود النص من كتاب أو سنة .
{وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ}، قال ابن سعدي -رحمه الله-: أي تتولونهم وتتبعون أهواءهم وتتركون لأجلها الحق (انتهي).
وقال -تعالى-: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّه وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}.
قال ابن كثير : والمعنى تمسك بما أنزله الله إليك، واثبت على العمل بمقتضاه، واصبر على مخالفة الناس لك حتى يفتح الله بينك وبينهم بحكمه وعدله ورحمته، وهو خير الفاتحين.
يقول ابن سعدي: وقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم أمر ربه وثبت على الصراط المستقيم حتى أظهر الله دينه على سائر الأديان، ونصره على أعدائه بالسيف والسنان، بعدما نصره الله عليهم بالحجة والبرهان.
الفهم الخطأ لنصوص القرآن وإنزالها في غير موضعها
وهذا من أعظم الأسباب التى تؤدي إلي الانحراف الفكري؛ حيث يتم فهم النصوص فهماً خطأ أو تنزيلها في غير محلها؛ مما أدي إلى انحراف كبير نشأ بسببه فرق وجماعات مازالت موجودة إلى اليوم، بل وانبثق منها جماعات جديدة تكفيرية منتشرة الآن في ربوع أوطان المسلمين، وهؤلاء تنبأ بهم صلى الله عليه وسلم لما قال: «قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يجاوز حناجرهم»، قال -تعالى-: {وَلا تَقولوا لِما تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هـذا حَلالٌ وَهـذا حَرامٌ لِتَفتَروا عَلَى اللَّـهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذينَ يَفتَرونَ عَلَى اللَّـهِ الكَذِبَ لا يُفلِحونَ}؛ ولذلك سنذكر أمثلة لمثل هذه الانحرافات، وهي لاتُعد ولاتحصى؛ فكان أول انحراف بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم انحراف الخوارج، وكان السبب الرئيس فهمهم الخطأ للقرآن، وتنزيل الآيات في غيرموضعها، كقوله -تعالي-: {إِنِ الحُكمُ إِلّا لِلَّـهِ}؛ ففهموا الآية خطأ، وقالوا لعلى رضي الله عنه: كيف تحكم الرجال فى كتاب الله، فرد ابن عباس بقوله: إن الحكم لله تارة يكون بغير تحكيم وتارة بتحكيم؛ لأنه إذا أمرنا بالتحكيم فالحكم به حكم الله؛ ولذلك نبه النبي صلى الله عليه وسلم على هؤلاء بقوله: «إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه منه فأولئك الذين سَمَّى الله فاحذروهم» البخاري.
قال ابن تيمية: فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب؛ فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون أنه دال عليه، ولا يكون الأمر كذلك (انتهي).
قال ابن القيم -رحمه الله-: وقد رد الجهمية: النصوص الواضحة المحكمة بأن الله موصوف بصفات الكمال من العلم والقدرة والإرادة، والحياة والكلام، والسمع والبصر، والوجه واليدين، والغضب والرضا، والضحك والرحمة والحكمة، وبالأفعال كالمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا ونحو ذلك؛ فردوا الأصل بالمتشابه من قوله -تعالى-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، {هَل تَعلَمُ لَهُ سَمِيًّا}، {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد}؛ فاستخرجوا من هذه النصوص المجملة احتمالات وتحريفات جعلوها به من قسم المتشابهات.
ورد القدرية النصوص الصريحة المحكمة من قدرة الله على خلقه، وأنه ماشاء كان، وما لم يشاء لم يكن، بالمتشابه من قوله تعالى: {وَلا يَظلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيد}، ثم استخرجوا لتلك النصوص المحكمة وجوهاً أخرى أخرجوها من قسم المحكم وأدخلوها في المتشابه.
ورد الجبرية النصوص المحكمة في إثبات كون العبد قادراً مختاراً فاعلاً بمشيئته بمتشابه قوله -تعالى-: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}، {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ}، {مَن يَشَإِ اللَّـهُ يُضلِلـهُ وَمَن يَشَأ يَجعَلهُ عَلى صِراطٍ مُستَقيمٍ}.
ورد الخوارج والمعتزلة النصوص الصريحة المحكمة غاية الإحكام في ثبوت الشفاعة للعصاة وخروجهم من النار بالمتشابه من قوله -تعالى-: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}، { وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}، {وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }.
ورد الجهمية النصوص المحكمة التي قد بلغت في صراحتها وصحت إلى أعلى درجات في رؤية المؤمنين ربهم -تبارك وتعالى- في عرصات يوم القيامة وفي الجنة بالمتشابه من قوله -تعالى-: {لا تُدرِكُهُ الأَبصارُ وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصارَ}، {وَلَمّا جاءَ موسى لِميقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِني أَنظُر إِلَيكَ قالَ لَن تَراني... الآيةَ}، {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّـهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ}، ثم أحالوا الحكم للمتشابه، وردوا الجميع (بتصرف من إعلام الموقعين).
وحديثا يستدل الدواعش على قطع الرؤوس بقوله -تعالى-: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ}.
قال ابن عباس: الكفار المشركون عبدة الأوثان. وقيل: كل من خالف دين الإسلام من مشرك أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذمة (انتهى)؛ فكيف بمن يقطع رقاب المسلمين والمعاهدين مستدلا بهذه الآية?!
لاتوجد تعليقات