رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. وائل سمير 21 ديسمبر، 2016 0 تعليق

وسطية أهل السنة والجماعة وأثرها على الأمة

     وصف الله -عز وجل- هذه الأمة بأنها أمة وسط: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، والوسط هم الخيار، قال الطبري في تفسيره: «الوسط في كلام العرب الخيار»، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}, ومن سمات الوسطية المطلوبة أمور عدة أهمها:

قيامها على العلم الراسخ الصحيح

     والعلم الصحيح يكون نصاً من كتاب أو سنة أو قول لصحابي فيما لم يرد فيه النص، أو يكون من اجتهادات أهل العلم الراسخين في ذلك؛ لذا بوب البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه: «باب قوله -تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} وما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم - بلزوم الجماعة، وهم أهل العلم»، ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري السابق، يقول الحافظ ابن حجر: «قوله: وما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلزوم الجماعة، وهم أهل العلم. من الصفة المذكورة –أي في الحديث- وهي العدالة، لأن أهل الجهل ليسوا عدولاً وكذلك أهل البدع، فعرف أن المراد بالوصف المذكور أهل السنة والجماعة، وهم أهل العلم الشرعي».

     ولم يُؤت الناس في بُعدهم عن الاعتدال والوسطية إلّا لقصورهم في العلم به وغلبة الجهل، وعدم الالتفاف حول أهل العلم من أهل السنة والجماعة؛ ولذلك كلما كنا حريصين على نشر العلم الصحيح النافع من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفهم السلف كان ذلك مدعاة للثبات على الوسطية، وبالمقابل فالجهل وترك العلم والذهاب إلى عقليات وأفكار مخالفة للفهم الصحيح فإنه يُبعد عن المنهج الوسطي.

العدل في الأحكام والتصرفات

والبراءة من الهوى الذي يكون غالباً هو المحرك لطرفي الأمر إما: الغلو والإفراط أو الجفاء والتفريط، أمّا الوسط المبني على العدل والحق فإنه يبرأ من الهوى، ولا سبيل لذلك إلا بالعلم الصحيح وإخلاص النية لله -تعالى- والصدق معه.

مراعاة القدرات والإمكانات

     ومراعاة الزمن والناس؛ لأن الوسطية تؤثر في حياة الناس واقعاً ملموساً فليست مطالب وآمالاً مُعجّزة للناس أو تنظيرات وتخيلات بعيدة، فلا بد أن تراعي القدرات والإمكانات سواء كانت قدرات الأفراد أم قدرات المجتمع أو قدرات الدولة أم القدرات المتعلقة بالأوضاع العالمية، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق؛ فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى»، ومن ذلك مراعاة اختلاف الأزمنة والأمكنة واختلاف الناس؛ ولهذا نص العلماء على أن الفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان والوقائع والأحوال والناس.

تحقيق مقاصد الشريعة في الدين وفي الدنيا

     فتحقيق الشريعة يكون بتحقيق مقاصدها في الناس تكثيراً للمصالح وتقليلاً للمفاسد المعتبرة بميزان الشريعة، فالشريعة جاءت لتحكم الناس، ولتكون حياة الناس على ضوئها، ولم تأت الشريعة لتجلب للناس الحرج والعنت قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وقال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ}، أو تكون نظريات يُباهى بها وخيالات يحلم بها الناس فقط دون أن تكون تطبيقاً في الواقع بأحكامها ومُثلها وعقائدها، أو يقبل الناس بظاهرها ورسمها دون حقيقتها ومضمونها.

فالوسطية المطلوبة تتحقق في هذه الأمة على أيدي أهل السنة والجماعة بقيامهم بهذا المنهج علماً وعملاً ودعوة، وعلى قدر قيامهم بهذا الأمر وتعاونهم فيه يتحقق العدل والاعتدال في الأمة.

والوسطية منحة لهذه الأمة كي تبقى وتستمر، فلا بقاء للغلاة، ولا بقاء للجفاة، وإنما الذي يبقى من كان على المنهج القويم متعلماً، عاملاً، معلماً، داعياً ناصحاً مخلصاً لهذه الأمة.

لذا فلنحذر من أسباب الانحراف عن الوسطية: وهي الجهل، والهوى، والابتداع في الدين، وغلبة العاطفة على العقل، واستعجال النتائج فيما هو مشروع، فضلاً عن طلب نتائج مرفوضة أو غير مشروعة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك