وقفات تربوية مع مأساة حلب الأبية
المسلِمُ الصَّادِقُ يُقاسِمُ أَخَاهُ الهُمومَ والمَكَارِهَ، وَيَعِيشُ مَعَهُ مُصابَه وَرَزِيَّتهُ، لا يُسلِمُه ولا يَخذُلُهُ، بل يحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ وَيَعْضُدُهُ
ضرورة قيام ولاة أمور المسلمين من ملوك وأمراء ورؤساء ببذل قصارى جهدهم في العمل على كف هذا العدوان بالوسائل الممكنة والمتاحة
عن عَلِيٍّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ أَلَا لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِه». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ.
الناظر إلى هذه البلاءات والفتن والقتل، التي تحصل للمسلمين في بلاد الشام ولاسيما حلب وغيرها من بقاع الأرض، يعلم أن لله -سبحانه وتعالى- فيها حِكَماً وأحكاماً ولطائف وأسراراً، شاهدة لحكمته البالغة، وقدرته الكاملة، ومشيئته النافذة، ورحمته الواسعة، وعلْمه ولُطْفه المحيط، ومع هذه المحنة العظيمة لنا وقفات، وعبر وعظات منها:
إن ما يتعرض له إخواننا اليوم في سوريا عموما وفي حلب خصوصا هو من أعظم الظلم والسعي في الأرض بالفساد وإهلاك الحرث والنسل، ولا شك أن نصرة المظلومين من المسلمين من المولاة الشرعية التي هي أوثق عرى الإيمان، ويكون ذلك بكافة الوسائل، فَالْمسلِمُونَ على اختِلافِ أَجنَاسِهم وَأَلوانِهم وَبُلدَانِهم جَسدٌ واحِدٌ، يَسعَدُ بِسعَادِةِ بَعضِهِ، وَيَتَأَلَّمُ لِأَلَمِهِ وَمَرَضِهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ». وفي الحدِيثِ: «مَنْ لَمْ يَهتَمَّ بِأَمْرِ المُسلمينَ فَليس مِنهُمْ».
المسلِمُ الصَّادِقُ يُقاسِمُ أَخَاهُ الهُمومَ والمَكَارِهَ، وَيَعِيشُ مَعَهُ مُصابَه وَرَزِيَّتهُ، لا يُسلِمُه ولا يَخذُلُهُ، بل يحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ وَيَعْضُدُهُ، وَمَتى تَخَاذَلَ المسلِمُونَ وَصَارَ لِكُلِّ واحدٍ مِنهُم شَأْنٌ يُغنِيهِ، وَهَمٌّ يَعنِيه، فرَّق العَدُوُّ جَمْعَهُم، وَبَدَّدَ شَمْلَهُم، قال رسول الهدى صلى الله عليه وسلم : «ما من امرئٍ يَخونُ مُسلِمَاً في مَوطِنٍ يُنتَقَصُ فيهِ من عِرضِهِ وَيُنتَهَكُ فيه مِنْ حُرمَتِهِ، إلاَّ خَذَلَهُ اللهُ في مَوطنٍ يُحِبُّ فيه نُصَرَتَهُ، ومَا مِن امرئٍ يَنصُرُ مُسلِمَاً في مَوطنٍ يُنتَقَصُ فيه من عِرضه ويُنتهَكُ فيه من حُرمَتِهِ إلاَّ نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوطِنٍ يُحِبُّ فيه نُصرتَهُ». رواه أحمد بسند حسن.
ضرورة التعلق بالله -تعالى-؛ فَالأَرْضَ كُلُّها لِله، والأَمْرُ أَمْرُ الله، وَالملكُ لِله يورِثُه مَنْ يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ. مَهْمَا حَاوَلَ الأَعدَاءُ فِي إنْزَالِ أَنْوَاعِ الفَشَلِ وَأَلوَانِ الشَّلَلِ بِالمسلِمِينَ فَواللهِ لَنْ يُفلِحُوا، أَلَمْ يَقُلِ اللهُ جَلَّ وَعَلا: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}(الصف: 8)؛ لذلك علينا بالدُّعَاءُ! وَصِدْقُ اللَّجَأِ إلى اللهِ تَعَالَى القَائِلِ: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ}(النمل: 62)؛ فَأَلِحُّوا على اللهِ بالدُّعاءِ، وأَعجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عن الدُّعاءِ. فَسُبحَانَ مَنْ هُو على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.
هذه المحنة كشفت لنا كذب الدعاوى التي تدَّعي الحفاظ على حقوق الإنسان، وهي تتعامى عما يجري في سوريا عموما وحلب حاليا على وجه الخصوص، فقد مات الضمير الإنساني والمُثل والمبادئ تحت أشلاء قتلى حلب .
مَهمَا بَلَغت قُوَّةُ الظَّلُومِ وَضَعُفَ المظلُومُ! فإنَّ الظَالِمَ مَخذُولٌ، وأَنفَذُ السِّهامِ دَعوةُ المظلُومِ، يَرفَعُها الحيُّ القَيُّومُ ويقولُ: «وعِزَّتي وَجَلالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَو بَعْدَ حِينٍ». {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}(يوسف: 21).
إن حلب وأهلها الأبطال يكررون التأكيد أن هذه الأمة أمة حية وقوية وولادة، والمطلوب منا اليوم الصبر والثبات على الحق واليقين؛ لأننا على الحق، وأن نعرف عدونا ونفضحه ونقاومه بكل سبيل، ونكون في قمة الوعي بالوقوف في المكان الصحيح الذي يحافظ على حقنا، فلا نتهور مع الدواعش والمتهورين ولا ننبطح مع اليائسين والمستسلمين.
على قادة الكتائب المجاهدة جمع الكلمة ووحدة الصف، وترك الاقتتال والتناحر، وألا يشمتوا بنا أعداء الإسلام، وأن يتم حل ما قد ينشب بينهم من نزاع بالأساليب الشرعية.
ضرورة قيام ولاة أمور المسلمين من ملوك وأمراء ورؤساء ببذل قصارى جهدهم في العمل على كف هذا العدوان بالوسائل الممكنة والمتاحة.
على علماء الأمة كافة القيام بدورهم في مناصرة إخواننا في سوريا عموما وفي حلب خصوصاً، وبيان ما يجب على عموم المسلمين من واجب تجاه إخوانهم.

ضرورة الانتباه أن بعض الجهات تُشيع أخبار السقوط الكلي والهزيمة النهائية مع أنها لم تحدث بعد، وأن بعضهم يبالغ في نشر صور ومقاطع الفظائع وعرضها على الملأ مع أن بعضها متعمدة التصوير من جهة العدو وذلك لبثّ روح اليأس في الأمة، وهذا مما نهي عنه.
الانتباه إلى العبارات المدسوسة التي يبثها الأعداء في الزحام من الوقيعة في علماء الأمة ودعاتها واتهامهم بالتقصير والتخاذل مع أنهم في القوة المادية كغيرهم وذلك لإسقاطهم وإفقاد الثقة فيهم.
يجب عدم الغفلة عن أجر الشهيد وأجر من قُتل مظلوما وأجر من يُجرح في سبيل الله أو ينال منه العدو وفضل من أصيب في مال أو نفس أو ولد فصبر والتذكير بأن من أعظم النصر عند الله أن تأتي المنية على التوحيد وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وقد قتل أصحاب الأخدود أهل البلد جميعا حرقا.
من المفيد جداً في مصيبة حلب أن نتأمل ماذا أنزل الله في آل عمران بشأن مصيبة أُحد من توضيح قواعد العقيدة والإيمان ومواساة المؤمنين وتوجيههم .
لابد أن ندرك أن الأمة تمر بمرحلة تشبه ما حدث لها من قبل باجتياح التتار والصليبيين، ولكن انتهى ذلك وعادت للأمة حياتها وقوتها، فلنكن في فريق الصابرين الثابتين وإيانا والجزع والانحلال، ولنثق بموعود الله عز وجل في نصرة دينه وعباده المؤمنين.
أخيرًا نوصي أهلنا في سوريا بالصبر والمصابرة واللجوء إلى الله والضراعة إليه بكشف هذه الغمة فإن رحمة الله قريب من المحسنين، نسأل الله -تعالى- بأن يعجل فرج إخواننا، وأن يكشف عنهم الكرب إنه ولي ذلك والقادر عليه.
لاتوجد تعليقات