رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عبد المنعم الشحات 5 ديسمبر، 2016 0 تعليق

كتابات في الدفاع عن السنة(3) رسالة (منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن) للعلامة الألباني

السنة من الذكر ومحفوظة من الضياع ومأمونة من الاختلاط بغيرها؛ بحيث يستحيل تمييزها أو فصلها عما ليس منها خلافًا لما يظنه أهل بعض الفرق المارقة الضالة

كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كله في الدين وحي من عند الله -عز وجل- لاشك في ذلك ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة

جعل الله -جل شأنه- محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم أنبيائه ورسله، وجعل شريعته الشريعة الخاتمة، وكلَّف الناس بالإيمان به واتباع شريعته إلى يوم القيامة وألغى كل شريعة تخالفها

لزوم السنة لا يقتصر على الجيل الأول وإلا فلا نظن أن رجلًا مسلمًا قط يمكن أن يقول: إنه يسمع من سمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم شفاهة أن يرده أو يدعي عدم لزومه

 

استكمالاً لما بدأناه من استعراض لرسالة العلامة الألباني -رحمه الله- في الدفاع عن قضية السنة التي هي  بعنوان: (منزلة السنة من الإسلام، وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن)، التي هي من الرسائل المختصرة التي يُمكن تداولها وقراءتها وتدريسها، نختم هذا الاستعراض بتلك التعليقات:

السنة وحي من عند الله

     أشار الشيخ إلى مسألة أن السنة وحي من عند الله في هذه الرسالة، وفي رسالة: (الحديث حجة بنفسه)، وقد أجاد الشيخ محمد عيد عباسي في تقدمته لرسالة: (الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام)، فقرر هذه القاعدة في فقرة جيدة ننقلها هنا؛ لأهميتها فقال: «السنة من الذكر وهي محفوظة إلى يوم القيامة».

     وهذه مسألة أحببت التنبيه عليها؛ لأهميتها وغفلة الكثيرين عنها، وهي أن السنة من الذكر، وأنها محفوظة من الضياع، ومأمونة من الاختلاط بغيرها؛ بحيث يستحيل تمييزها أو فصلها عما ليس منها خلافًا؛ لما يظنه أهل بعض الفرق المارقة الضالة؛ كالقاديانية والقرآنيين الذين يقولون: إنه قد اختلط المكذوب المختلق من الحديث في الصحيح الثابت منه، وليس في وسع إنسان التفريق بينهما، وأن المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قد التبس عليهم حديث نبيهم وضاع، ولم يعودوا قادرين على الاستفادة منه والرجوع إليه؛ لأنه لا يمكن الوثوق بشيء منه أبدًا.

المصدر الثاني للدين الإسلامي

     وهكذا ضرب هؤلاء عرض الحائط بالمصدر الثاني للدين الإسلامي، وأطاحوا به وهدموه، وهو المصدر الذي يتوقف عليه أيضًا فهم المصدر الأول نفسه (أي القرآن) والاستفادة منه، وهذا هدف عظيم ومطمح كبير للكفار لأعداء الإسلام، يبذلون من أجل كل ما يملكون.

 وبعضهم قال: إن من الواقع الثابت اختلاط الحديث الصحيح بالموضوع، ولكن هناك طريقة للتمييز بينهما، وهي قوله[: «سيفشو الكذب عليَّ؛ فما سمعتم عني فاعرضوه على القرآن، فما وافقه فأنا قلته، وما لم يوافقه فأنا بريء منه».

     وهذا الحديث من الأحاديث الموضوعة المتلفة عند جميع أهل العلم بالحديث، وقال أحد العلماء الأذكياء: لقد فعلنا بهذا الحديث ما طلبه إلينا، فعرضناه على القرآن، فوجدناه يخالفه، في قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وغيره، فحكمناه بوضعه وبراءة النبي صلى الله عليه وسلم منه.

 ومن الأدلة على حفظ السنة قوله تبارك وتعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}؛ ففي هذه الآية الكريمة وعد قاطع من الله -تعالى- بحفظ الذكر؛ فما الذكر؟

     لا شك أنه أول ما يشمل القرآن الكريم، ولكنه عند التأمل والتدقيق يشمل أيضًا السنة النبوية الشريفة، وإلى هذا ذهب عدد من العلماء المحققين، منهم الإمام أبو محمد علي بن حزم –رحمه الله تعالى- فقد عقد فصلًا طويلًا ممتعًا في كتابه القيِّم: (الإحكام في أصول الأحكام)، وساق فيه أدلة قوية وبراهين مفحمة للتدليل على أن السنة من الذكر، وأنها محفوظة كالقرآن، وأن خبر الآحاد يفيد العلم، ومما قاله: (قال الله -عز وجل- عن نبيه[: {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى}، وقال -تعالى- آمرًا لنبيه -عليه الصلاة والسلام- أن يقول: {قل ما كنت بدعًا من الرسل وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ وما أنا إلا نذير مبين}، وقال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، وقال تعالى: {بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}.

     فصح أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كله في الدين وحي من عند الله -عز وجل- لا شك في ذلك، ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله -تعالى- فهو ذكر منزل؛ فالوحي كله محفوظ بحفظ الله -تعالى- له بيقين، وكل ما تكفَّل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يحرف منه شيء أبدًا تحريفًا لا يأتي البيان ببطلانه؛ إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله -تعالى- كذبًا، وضمانه خائسًا (أي: فاسدًا وناقصًا)، وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل, فوجب أن الدين الذي أتانا به محمد صلى الله عليه وسلم محفوظ بتولي الله -تعالى- حفظه، مبلَّغ كما هو إلى كل ما طلبه مما يأتي أبدًا إلى انقضاء الدنيا، قال تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ}.

لا سبيل إلى ضياع شيء مما قاله النبي صلى الله عليه وسلم 

      فإذ ذلك كذلك فبالضروري ندري أنه لا سبيل البتة إلى ضياع شيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين، ولا سبيل البتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطًا لا يتميز عن أحد من الناس بيقين؛ إذ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ، ولكان قول الله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} كذبًا ووعدًا مخلفًا، وهذا لا يقوله مسلم.

      فإن قال قائل: إنما عنى -تعالى- بذلك القرآن وحده، فهو الذي ضمن -تعالى- حفظه، لا سائر الوحي الذي ليس قرآنًا، قلنا له: -وبالله تعالى التوفيق- هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل، وما كان هكذا فهو باطل؛ لقوله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}؛ فصحَّ أن لا برهان له على دعواه فليس بصادق فيها، والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن أو من سنة وحي يبين بها القرآن.

      وأيضًا فإن الله -تعالى- يقول: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}، فصح أنه -عليه السلام- مأمور ببيان القرآن للناس، وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله -تعالى- فيه بلفظه، لكن ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا كان بيانه -عليه السلام- لذلك المجمل غير محفوظ، ولا مضمون سلامته مما ليس منه، فقد بطل الانتفاع بنص القرآن؛ فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه، فإذاً لم ندرِ صحيح مراد الله -تعالى- منها فما أخطأ فيه المخطئ، أو تعمد فيه الكذب الكاذب، ومعاذ الله من هذا.

      قلت: وقد نقل كلام ابن حزم هذا وغيره الإمام ابن القيم –رحمه الله تعالى- في كتابه: (مختصر الصواعق المرسلة)، وأقرَّه واستحسنه؛ فقال عقبة: (وهذا الذي قاله أبو محمد –يعني ابن حزم- حق في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول عملًا واعتقادًا، دون الغريب الذي لم يعرَف تلقي الأمة له بالقبول.

 وممن ذهب إلى ذلك أيضًا الإمام عبد الله بن المبارك، فقد سُئِل: هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، وقد نقل مثل ذلك عن الإمام عبد الرحمن بن مهدي -رحمه الله-.

 ومنهم العلامة حمد بن إبراهيم الوزير، فقد قال بعد ما ذكر الآية السابقة: «وهذا يقتضي أن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال محفوظة، وسنته لا تبرح محروسة». (الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم).

خاتم الأنبياء والرسل

      ومن الأدلة أيضًا أن الله – جل شأنه- جعل محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم أنبيائه ورسله، وجعل شريعته الشريعة الخاتمة، وكلَّف الناس بالإيمان به، واتباع شريعته إلى يوم القيامة، وألغى كل شريعة تخالفها، فمما تقتضيه إقامة حجة الله -تعالى- على عباده أن يبقي دينه صلى الله عليه وسلم ، ويحفظ شرعه؛ إذ من المحال أن يكلف الله عباده بأن يتبعوا شريعة مُعرَّضة للزوال أو الضياع، ومعلوم أن المرجعين الأساسيين للشريعة الإسلام هما القرآن والسنة، كما قال الله تعالى: {وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}، وقال صلى الله عليه وسلم : «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه أي السنة». رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح.

القرآن محفوظ

     والقرآن محفوظ كونه منقولًا إلينا بالتواتر، وهو أعلى درجة من درجات ثبوت الخبار، وبما أن السنة هي المبينة للقرآن والشارحة له، والمخصصة لعمومه، والمقيدة لمطلقه، ولا يمكن فهم القرآن، ولا أعلم به إلا بواسطتها، كما قال –تبارك وتعالى-: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم بسنته هو الذي يبيِّن ويشرح للناس ما نُزِّل إليهم من كلام الله -تبارك وتعالى-، فلزم من ذلك لزومًا حتميًا أن يحفظ الله -سبحانه- السنة، ويتعهد ببقائها، وعلى هذا تنطبق القاعدة الأصولية الصحيحة القائلة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)؛ فحجة الله -تعالى- على عباده لا تقوم إلا بحفظ رسالته وشرعه، وهذا الحفظ لا يتم إلا بحفظ السنة، فلزم من ذلك حفظ السنة، وهو المطلوب.

لزوم السنة لا يقتصر على الجيل الأول

     أيضًا، من المفيد هنا بعد بيان لزوم اتباع السنة، وأنها وحي محفوظ من عند الله أن نؤكِّد على المعنى الذي أشار إليه الألباني -رحمه الله- في رسالة (الحديث حجة بنفسه) من أن لزوم السنة لا يقتصر على الجيل الأول، وإلا فلا نظن أن رجلًا مسلمًا قط يمكن أن يقول: إنه يسمع من سمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم شفاهة أن يرده أو يدعي عدم لزومه، وهذا الحكم الثابت بالخطاب القرآني يبقى ثابتًا في كل جيل مخاطب بالقرآن؛ فسوف يبقى مخاطبًا بالسنة، وفي ذلك يقول الشيخ الألباني في الرسالة المذكورة: (لزوم اتباع السنة على كل جيل في العقائد والأحكام):

     أيها الإخوة الكرام، هذه النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة، كما أنها دلت دلالة قاطعة على وجوب اتباع السنة اتباعًا مطلقًا في كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن من لم يرضَ بالتحاكُم إليها والخضوع لها فليس مؤمنًا، فإني أريد أن ألفت نظركم إلى أنها تدل بعموماتها وإطلاقاتها على أمرين آخرين مهمين أيضًا:

تشمل كل من بلغته الدعوة إلى يوم القيامة

- الأول: أنها تشمل كل من بلغته الدعوة إلى يوم القيامة، وذلك صريح في قوله تعالى: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}، وفسره صلى الله عليه وسلم بقوله في حديث: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس كافة» متفق عليه، وقوله: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا كان من أهل النار» رواه مسلم وابن منده وغيرهما.

تشمل كل أمور الدين

- والثاني: أنها تشمل كل أمر من أمور الدين لا فرق بين ما كان منه عقيدة علمية أو حكمًا عمليًا أو غير ذلك، فكما كان يجب على كل صحابي أن يؤمن بذلك كله حين يبلغه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من صحابي آخر عنه، كان يجب كذلك على التابعي حين يبلغه عن الصحابي، فكما كان لا يجوز للصحابي مثلًا أن يرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في العقيدة بحجة أنه خبر آحاد سمعه عن صحابي مثله عنه صلى الله عليه وسلم ؛ فكذلك لا يجوز لمن بعده أن يرده بالحجة نفسها مادام أن المخبر به ثقة عنده، وهكذا ينبغي أن يستمر الأمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد كان الأمر كذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين كما سيأتي النص بذلك عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك